هَزْلُ التحقيق في حرب العراق

محمد عارف

رسْمُ كاريكاتير في المجلة الهزلية القديمة «بانتش» عن «جنتلمان» إنجليزي يقرأ صحيفة «التايمز»، ويخاطب آخر غافياً على كنبة قريبة «يا الله يا لورد طومسون.. لو لم أقرأ الصحيفة لما علمت أنك توفيت»!


هذا كل ما يمكن قوله عن تقرير «السير شيلكوت» رئيس لجنة التحقيق في حرب العراق، فالتقرير الذي استغرق إعداده 7 سنوات، وبلغ عددُ كلماته مليونين و600 ألف، وراجع آلاف الوثائق، لم يدعُ لمحاكمة المسؤولين عن جريمة غزو العراق، ولم يسألهم حتى الاعتذار للعراقيين عن «أكثر من 150 ألف عراقي قتلوا في الحرب، ومليون نازح ومهجر» باعتراف التقرير نفسه. والاعتذار أقل ما كان ينبغي فعله، حسب «كارنيه روس» عضو الوفد البريطاني للأمم المتحدة للفترة 1997-2002، وهو واحد من 100 مسؤول بريطاني قدموا شهادتهم إلى لجنة التحقيق.

ويعتقد «روس» أن أهم ما ينبغي أن يهتم به التقرير «معرفة المعاناة الرهيبة للعراقيين الذين دُمِّرت حياتهم دون سبب، وليس مصير سياسيينا، وآنذاك فحسب يمكن أن ندرك حجم ما ارتُكب باسمنا».

وخذ الحقيقة من الهزليين البريطانيين، وقوة هزلهم من قوة الحقيقة. عرفتُ ذلك عندما أعددتُ مقالتي «ضحك كالبكاء من خطة غزو العراق» المنشورة هنا قبل 3 أشهر من الغزو. عرضت المقالة مسرحية هزلية في «قناة 4» البريطانية عنوانها «العراق والموضع الصعب»، وهي مسرحية وثائقية 100%، وأبطالها شخصيات تاريخية، بدءاً من ونستون تشرشل، أول من استخدم في التاريخ، حسب المسرحية «أسلحة الدمار الشامل، حين أمر بقصف قبائل كردية في العراق بالغازات السامة»، وأكثر شخصيات المسرحية ظرفاً الرئيس العراقي الراحل صدام حسين، فعنده تتقاطع جميع خيوط المضحكات المبكيات، وبينها اقتراح وزير الخزانة البريطاني بأن تتولى إدارة احتلال العراق شركة الطاقة العالمية «إنرون» التي تملك علاقات قوية بالمنطقة، وانهارت في أكبر عملية إفلاس واحتيال بتاريخ الأعمال الأميركية! و«الدخول إلى العراق ليس كالخروج منه» عنوان مقالتي قبيل الغزو عن الكارثة التي سيوقعها بوش وبلير بالاقتصاد الغربي، وفيها أوردتُ تحذير عالم الاقتصاد الأميركي بول كروغمان، ولم يكن بعد قد نال «نوبل»، من ترنح الاقتصاد الأميركي على حافة «الثقب الأسود»، والآن نعرف أن غزو العراق أجّل فحسب وقوع أزمة عام 2008 التي لم يخرج منها الاقتصاد الغربي حتى الآن.

وأظرف ما في المقالة حكاية بغدادية هزلية عن أرعن غامر بدخول حمام النساء، وقد حسب لكل شيء حسابه، اللطمات والعضّات وطعنات الأمشاط، وضربات الطاسات، وفاته أمر واحد، وهو أن يُبتر دافعُ دخوله الحمام! وأتاح بُعدُ نظر المسؤولين عن صفحات الرأي «وجهات نظر» في «الاتحاد» أن أكتب في خضم الأحداث التي هزّت المنطقة والعالم مقالات «لماذا الحرب المجرمة على العراق؟»، و«جريمة كبرى ضد الإنسانية»، و«هل يمكن محاكمة مجرمي الحرب على العراق؟»، و«مغتربون عراقيون يسرقون بلدهم مرتين»، وفيها أولُ ذكر لمن حملتهم دبابات الاحتلال إلى «المنطقة الخضراء».

وقبيل احتلال بغداد ب4 أيام عرضتُ في مقالة «جريمة بريطانيا العظمى» مشورة قانونية مجانية أخفَقَتْ في التوصل إليها لجنة التحقيق التي كلفت نحو 15 مليون دولار، واستندت مشورتي على سياسيين ورجال قانون، بينهم «تام دالايل» الذي كان يُدعى «والد البرلمان البريطاني» لعضويته 41 عاماً متواصلة، وقد طالب «دالايل» في مقالة في «غارديان» عنوانها «بلير مجرم حرب» بتقديمه إلى «محكمة لاهاي»، وأقرّ «دالايل» بأنه يقترف جريرة كبرى باتهام زعيم حزبه «لكن ذلك أقل خطورة بما لا يُقاس من نتائج حرب ستضع الغرب المسيحي في مواجهة الإسلام»، هكذا توقع «دالايل» «داعش» وما قبلها وبعدها.

comments powered by Disqus
خدمة RSS LinkedIn يوتيوب جوجل + فيسبوك تويتر Instagram

عدد الزوار :116,747,163

تطبيق الموبايل

-->

آخر الزيارات

مساحة اعلانية

الأكثر قراءة

الأكتر مشاهدة

تابعنا على "فيس بوك"