تيار مدني شاب في الأردن يقلق الدولة ويعتمد على «واتساب» وشقيقاته

حتى مساء يوم 29 أيار/مايو للعام الحالي لم تكن حكومة رئيس الوزراء المقال الدكتور هاني الملقي تقرأ أي تقارير ميدانية لها علاقة بإضراب عام ونادر قررته النقابات المهنية الأردنية في اليوم التالي تحت عنوان إسقاط قانون الضريبة الجديد.

في مجلس الوزراء سخر وزيران مقربان من الملقي من فكرة الاضراب على أساس ان نسبة المشاركة فيه وفي اسوأ الاحوال لن تزيد عن 20%.
التقديرات الأمنية في ذلك الوقت اقترحت نسبة أعلى بقليل.
على المستوى المرجعي والمركزي بلغت حالة دهشة وصدمة من نسبة المشاركة في الاضراب ونجاحه الباهر في اليوم التالي.
الأرقام السريعة هنا تحدثت عن 85% نسبة نجاح في القطاعات التي أضربت ومستوى الالتزام بالإضراب أربك حتى مجلس النقباء المهنيين الذي لم يتوقع رئيسه علي العبوس ان ينجح الاضراب في إطاره الرمزي وهيئته النظامية والمنظمة مثل هذا النجاح الباهر.
كانت بوضوح صدمة حقيقية على مستوى مؤسسات الحكومة وأجهزة القرار الرسمي. ولحظتها كانت القيادة خارج البلاد وترتيبات احتواء الاضراب متساهلة، حتى ان بعض أوساط المعارضة الإسلامية بدأت تشك بتواطؤ جهات رسمية مع الإضراب تحت لافتة النزول عن شجرة قانون الضريبة المثير لعاصفة جدل والتخلص من حكومة الرئيس الملقي.
هنا أقر رئيس الوزراء الأسبق المخضرم طاهر المصري في جلسة حوارية أمام «القدس العربي» بان الاضراب كان مفصلا مهما ينبغي التوقف عنده وتأمله، لأنه ببساطة سبق ما جرى في اليوم التالي حيث نقطة تحول دراماتيكية في: أولا شكل وهوية وملامح ولغة وأدوات لعبة الحراك والاعتراض في الشارع، وثانيا عمق وصبر وحكمة مؤسسات الاشتباك الأمنية التي قررت وفورا الاحتواء وعدم القمع.
ما حصل في الساعات القليلة اللاحقة قد يكون الأكثر خطورة وحساسية.
خالد غانم ناشط الكتروني متابع ويرصد غالبية تفاصيل حراكات الاعتراض في الأردن يشرح باختصار كيف انطلقت شرارة أحداث الدوار الرابع من زاويته.
تلقى غانم ومجموعته على تقنية «واتساب» إعلانا من مصدر مجهول يقترح تنفيذ مبادرة سابقة لها علاقة بأسعار المحروقات واسمها «صف واطفيها» وأصل هذه المبادرة هي دعوة لمقاطعة التنفل بالسيارات الخاصة نكاية بالحكومة بعد رفع أسعار المحروقات.
«صف واطفيها» عبارة سبق ان قرأها وسمعها الأردنيون منذ عامين، لكن لم يحفل بها أحد ولم يلتزم بها الكثير من شرائح المجتمع بعدما تم اطلاقها عبر توتير وفيسبوك مرات عدة.
الاقتراح الذي تلقفه غانم ورفاقه كان يحاول تطوير فكرة المبادرة وعلى طريقة «هيا يا شباب إلى الدوار الرابع حتى نصف ونطفيها».
قبل وقت السحور في شهر رمضان في تلك الليلة بقليل فوجئت دورية حراسة أمنية متواجدة دوما على الدوار الرابع حيث مقر رئاسة الوزراء بسيارتين كبيرتين ومترفتين على الأقل يقرر السائقان لهما اطفاء المحرك وترك السيارتين في منتصف الطريق لإغلاق الشارع.
لم تفلح تحذيرات رجال السير في اقناع الشابين بتحريك السيارتين وتم ابلاغهما بان المركبة الخاصة بسحب السيارات قريبة، لكن خلال دقائق فقط فوجئ الجميع بنحو 50 إلى 60 شابا يحضرون للموقع بسياراتهم ويطفئون المحركات.
بهذه الطريقة وفقا لغانم ورفاقه وخلال دقائق فقط تم اغلاق منطقة الدوار الرابع واخفقت تحذيرات دوريات الأمن في المكان. ومع ترك السائقين لسياراتهم في 3 شوارع رئيسية أصبح انتشال السيارات التي تسببت في الأزمة شبه مستحيل إلا عبر طائرات هليوكبتر، وسرعان ما حضرت إلى الموقع نحو ألف سيارة على الأقل في الأزقة المجاورة للمكان ليتجمع في الساعة الأولى نحو ألفي مواطن، عدد كبير منهم حضر بقصد الفضول وليس المشاركة.

هتافات ويافطات

رصدت هتافات وظهرت يافطات وبدأت شعارات مدنية الطابع تصدر واستدعيت تعزيزات من الأمن أربكها المشهد حيث ان قمع البشر يختلف عن تحريك السيارات.
احيط المكان برمته بقوات الدرك وقبل بزوغ ساعات فجر ذلك اليوم تحرك النشطاء بسياراتهم في جملة تكتيكية منظمة بدت غريبة.
اغلق الدوار الرابع على حركة المرور وفي ساعة الظهيرة في اليوم الموعود تنشطت آلاف الدعوات للتجمهر عبر وسائط التواصل الاجتماعي وأعلنت مجموعة شبابية عن نفسها باعتبارها تنسيقية حراك الدوار الرابع، ثم بدأ يحضر يساريون نشطاء ومثقفون وفنانون ومئات الفضوليين في حالة تجمهر، الغامض فيها والمحير انها أولا منظمة جدا ووديعة، وثانيا لم يصدر عنها أي هتاف أو شعار ضد النظام أو الدولة.
حكم نحو 400 شاب على الأقل سياق هذه التظاهرة ل9 أيام، حيث كان هؤلاء يحضرون قبل الجميع ويحضرون معهم مياها ويهتفون لصالح قوات الدرك وأحيانا لصالح الملك.
هنا برزت الصدمة الثانية داخل أروقة وغرفة القرار في الدولة، حيث حراك شاب ومدني وعصري منظم مجهول الأب ولا علاقة له لا بالأحزاب السياسية ولا بالنقابات المهنية والأهم انه لا يمكن اتهامه بالتبعية للمعارضة وتحديدا لجماعة الإخوان المسلمين حيث كان القيادي البارز في الجماعة الشيخ مراد العضايلة وفي اليوم الثالث لهذا الحراك المدني الشاب على الدوار الرابع يتحدث عن الخلفيات والمسوغات والآباء المحتملون لهذا النشاط.
تحدث وزير الاتصال الناطق الرسمي في تلك المرحلة الدكتور محمد المومني عن إدراك الحكومة للجزء الجديد التام في المشهد، حيث لا توجد شعارات سياسية بل هتاف مركزي واحد يتطلب اسقاط قانون الضريبة الجديد.
تلك جزئية أثارت قلق مركز صناعة القرار في الدولة لأنها قد تكون المرة الأولى التي يظهر فيها حراك شاب ضمن التيار المدني لا يستعين بالإخوان المسلمين ويهتف لمسألة واحدة حصريا هي إسقاط قانون الضريبة.
أقر الدكتور المومني في نقاش تقييمي بان المناخ في تلك اللحظات كان يشير إلى ان أدوات التأثير الكلاسيكية عند الحكومة لا يمكنها احتواء ذلك المشهد النادر وبالتالي الموقف أصبح أوضح حيث خرجت مجسات التأثير المألوفة وبقيت دوائر صناعة القرار في الحكومة أمام خيار واحد فقط وهو إسقاط قانون الضريبة لإرضاء هذا الشارع الغامض والجديد. وهو شارع لا يمكن اسكاته إلا بـ»قرار» وهو ما حصل عموما لاحقا قبل ان يبدأ الاستدراك في محاولة للإجابة على حزمة اسئلة داخل الدولة من وزن متى وأين ومن ولماذا؟

الاحساس بضرورة التغيير

سبق لنقيب المهندسين الجديد احمد سمارة الزعبي ان تحدث عن التيار المدني الشاب المستقل في نقابة المهندسين تحديدا الذي ساهم في نجاحه ضد مرشحي الإخوان المسلمين وتحت عنوان الاحساس بضرورة التغيير.
أبلغ الزعبي شركاء له متعددون بانه عقد تسوية مع هؤلاء الشباب الذين لعبوا بيضة القبان في عملية نادرة جدا انتهت بإبعاد أكبر وأهم وأعرق نقابة مهنية في الأردن عن أحضان جماعة الإخوان المسلمين وبعد أكثر من ربع قرن. 
تلك كانت نواة لبروز تيارات شابة في السياق المدني حظيت بدعم وإسناد شخصية كبيرة مثل الرئيس طاهر المصري الذي أعلن في محاضرة عامة له بان البلاد قبل 30 أيار/مايو تختلف عن بعدها.

 المصري قال، ان التيار الراقي الشاب المعتدل أصبح صوت ايقاع المواطن اليوم وليس من الحكمة تجاهله خصوصا وان مطالبه محددة وليست عمومية أو فوضوية.
لافت جدا في السياق ان التيار الذي يسمي نفسه حراك الدوار الرابع خارج سياق زعامات الشارع التقليدية.
ولافت أكثر ان مطالبه مدروسة وبعناية وانه يمثل جيلا يعرف ما الذي يريده أو يفعله، وان أجهزة الدولة الأمنية حظيت بقرار سياسي مركزي بان لا تقمع أو تمنع نشاطات هذا التيار الذي لا توجد له قيادات محددة حتى اللحظة ولا اطر واضحة للعيان ولا متحدثين باسمه.
عمليا حقق هذا الحراك الغامض نتيجة سياسية كبيرة عندما امتدحه الملك عبد الله الثاني علنا وزاره ولي العهد الشاب الأمير الحسين بن عبد الله في الميدان، ورفع سقف التنظيم المنتج بعيدا عن شعارات سياسية صاخبة ضد النظام والدولة أو من الطراز الموسمي الذي يطالب بالإصلاح أو يلوح بالإسقاط.

المهلة «100 يوم»

الأهم في محطة هذه القوة المدنية الشابة الناشئة كما يسميها الزعبي، وغيره ان الفضل يجير الآن لرموزه في إسقاط حكومة الملقي والاستعانة بالدكتور عمر الرزاز رئيسا للوزراء في حكومة أفلتت عند تشكيلها منها اللحظة السياسية بسبب تركيبتها الكلاسيكية مما اضطر الهيئة الغامضة التي تنطق باسم إيقاع الدوار الرابع إصدار بيان يتيم حتى الآن تمهل فيه حكومة الرزاز «100 يوم» حتى تنفيذ 5 مطالب لها علاقة بالأسعار والضرائب وجيب المواطن وصحته وتعليمه ولا علاقة لها بأي مشروع أو خطاب سياسي، الأمر الذي يثير المزيد من الغموض والحيرة.
ذلك الموقف اليتيم أبلغ الرزاز ان حراك الدوار الرابع سيعود للشارع إذا مضت الـ 100 يوم بدون تحقيق المطالب الخمسة.
هنا يبدو واضحا تأثر الرزاز بالتحذير بسبب تكراره لهذه المهلة في خطاباته مع البرلمان.
لكن حصلت كل هذه التطورات في الوقت الذي يسأل فيه الجميع عن هوية الجهة المنظمة للدوار الرابع ودقتها واحترافها في التفاصيل، وسط سلسلة من النظريات التي يميل بعضها طبعا للاتهام المسبق وشيطنة شباب هذا النمط من الحراك، فيما يميل جناح آخر للتروي والتحليل والقراءة المعمقة باعتبار منتج الدوار الرابع نتيجة طبيعية لوعي قطاع الشباب الأردني الجديد الذي يرفض الهتاف ضد الدولة والنظام والعمل خلف ستار المعارضة الكلاسيكية بالوقت نفسه.
وهنا ثمة نظريات في سوق التأويل والتكهن بعضها يتحدث عن طبقة وسطى تحرك شبابها وبعضها الآخر عن قطاع رجال البنوك ودورهم في هذا التحريك والبعض الثالث يقترح صيغة لها علاقة برصد مجموعات من الشباب الذين سبق ان شاركوا في برامج تدريبية لها علاقة حصريا بالمعهد الديمقراطي الأميركي.
تلك في طبيعة الحال تأويلات وتكهنات والخصم للصف الرسمي هنا لا يزال مجهول الهوية والنسب وتلك في حد ذاتها القصة الأكثر إثارة في الموضوع.

المصدر

comments powered by Disqus
خدمة RSS LinkedIn يوتيوب جوجل + فيسبوك تويتر Instagram

عدد الزوار :116,477,584

تطبيق الموبايل

-->

آخر الزيارات

مساحة اعلانية

الأكثر قراءة

الأكتر مشاهدة

تابعنا على "فيس بوك"