محللون إستراتيجيون !!

سلام مسافر

فجاة؛ تحول الاف المتابعين على مواقع التواصل الاجتماعي الى محللين سياسيين، ينقبون عن مغزى التظاهرات المشتعلة في مدن جنوب العراق، زحفا نحو النجف وكربلاء.

وكانت الفضائيات الساعية لتعبئة نشراتها، فرخت افواجا من المحللين، وزادت لهم لقب ” استراتيجيون”! يظهرون على الشاشات، ويرتكبون 7 اخطاء في كل 10 كلمات، ويتنطعون للتحليل وفق قاعدة “على حس الطبل خفن يارجلي”!
وأمعنت الفضائيات في إهانة وعي المشاهد والتنكيل بالقيم المعرفية، فأطلقت عليهم ألقابا علمية مثل دكتور او بروفيسور، بالمجان.
مرة سالت منتجا في قناة فضائية، لماذا تنعتون ضيوفا؛ واضح انهم يعانون من ترهل لغوي وفكري ب” محلل استراتيجي”؟ هل تدركون إنكم بذلك تسخرون من عقول مشاهديكم؟
قهقه المنتج، وأجاب: نحن لا ندفع للضيوف، وهؤلاء يقبلون التحدث مجانا ولكن بشرط ان نكتب في التعريف”الدكتور المحلل الاستراتيجي”!
وهكذا يصبح الأمي ، محللا استراتيجيا جنبا الى جنب مع كيسينغر و برجينيسكي او روبرت فيسك و هيرش ونعوم تشوميسكي، وغيرهم من المحللين الذين انكسرت ظهورهم في البحث والكتابة والتدريس والدراسة. وينشرون كتبا ومقالات بأسماء مجردة من الألقاب، فهم لا يتبجحون.
ولان الفضائيات، تطالع مشاهديها، صباح مساء بامعات، تنعتهم بمحللين استراتيجيين، فقد استسهل المدمنون على مواقع التواصل الاجتماعي؛ الشغلة ؛ وسمحوا لأنفسهم الخوض في غمار التحليل على طريقة” بقت علي”؟!
وهكذا، استلم :
مظاهرات العراق تاتي عشية قمة ترمب وبوتين في هلسنكي ، بوم الاثنين القادم، لانذارهما بان نفط العراق لن يصدر بايعاز وتدبير من ايران!!
او: الاحزاب الخاسرة والمزورة في الانتخابات النيابية، تحرق الأخضر واليابس وتدفع المغفلين للتظاهر لخلط الأوراق!
او: فتش عن البعثيين، عزت الدوري يوجه المتظاهرين!
علما بان نفس هؤلاء “المحللين الاستراتيجيين” كانوا روجوا لصورة جثمان كهل مسكين قتل قبل سنوات شبيه بالدوري. واحتفلوا بمقتل البعثي الاول في العراق!
او: داعش ومن ورائها السعودية ودوّل الخليج العربية، لرفع أسعار النفط وزيادة الإنفاق على الحرب في أليمن!
او: المخابرات الاميركية، لتخويف ايران والميليشيات التابعة لها!
الطريف ان نفس هذا ” الاستراتيجي” كان اكد قبل بضعة سطور من مقالته العصماء، بان ايران تقف وراء التظاهرات لكي تثبت لترمب بانها قول وفعل، وان جماعتها في العراق سيمنعون صادرات النفط!
وهكذا، المواليد الجدد المستنسخون من أترابهم ” الاستراتيجيين” يخوطون في التحليل كما عامل المختبر في عينات الفحص!
وقد يجد ذاك فيه حب رقي!
لكن ذَا، يبحث عن الأدسم!
الملفت ان المتذاكين، وقسم كبير منهم، كما يبدو، يعيشون خارج العراق، في بلدان الأجواء الساحرة، لم يعيروا انتباها الى ان الناس في العراق، عطشى، وتغرق عرقا من حر قاتل ، دون ماء للاغتسال، وان الرمضاء  جففت  أثداء المرضعات، وضربت الشمس الحارقة جماجم الناس، ودفعت بعضهم الى ادعاء النبوة، وبانه المسيح المخلص!
ترى من يخلص العراق، من زمرة فرخت مع الفساد، “محللين استراتيجيين” اذا سمعتهم بكيت على الاحياء المنزوين خجلا امام تيار المجاري الجارف لمزوري الشهادات والألقاب العلمية.
اما الأموات؛ فالشكر للسماء، لانها خطفت ارواحهم النقية، قبل ان تصيب عقولهم النيرة، وقلوبهم الطيبة، الجلطات، وهم يَرَوْن عراق “ما بعد التحرير”!

المصدر

comments powered by Disqus
خدمة RSS LinkedIn يوتيوب جوجل + فيسبوك تويتر Instagram

عدد الزوار :104,955,799

تطبيق الموبايل

-->

آخر الزيارات

مساحة اعلانية

الأكثر قراءة

الأكتر مشاهدة

تابعنا على "فيس بوك"