إيران وتظاهرات العراق

بيار عقيقي

أن يقتحم متظاهرون مقرّات حزب الدعوة في العراق، ومطار النجف في البلاد، يعني أن العراق في طور التحوّل إلى مستوى جديد من العنف الاجتماعي ـ السياسي ـ الأمني بعد احتلال عام 2003. ليست التظاهرات جديدةً في أيام رئيس حكومة تصريف الأعمال، حيدر العبادي، بل الأكثر أهمية أنها تأتي في خضمّ إعادة العدّ والفرز اليدوي لمجموعة من الأصوات في انتخابات 12 أيار/مايو الماضي، وفي ظلّ تقلّب التحالفات التي سمحت بتقدم 4 وجوه بارزة لصدارة المشهد، من أجل ترؤس الحكومة العتيدة: العبادي، مقتدى الصدر، هادي العامري، نوري المالكي. 

تفتح التظاهرات العراقية الباب واسعاً أمام قدرة التحكّم الإقليمي في الساحة الداخلية، فمنذ عام 2003، يبدو القدر العراقي وكأنه مراحل متجددة من الصراعات التي لا تؤدي، بطبيعة الحال، إلى الاستقرار، بقدر ما تؤدي إلى تناسل الاضطرابات من حقبةٍ إلى أخرى. ومع أنه سبق للعراقيين أن تظاهروا في عام 2016، بالكثافة والحدّة نفسيهما، إلا أنهم لم يحصلوا على مُرادهم، في ظلّ اعتبار أن "الأولوية لمحاربة داعش". اليوم لم يعد "داعش" على قيد الحياة، والجيوب التي يقاتل فيها معدودة ومحدودة، والقضاء عليه بات حتمياً. 
بالتالي، يفترض بالتظاهرات الحالية أن تؤدي إلى مكانٍ ما، سواء على صعيد تشكيل الحكومة، أو على صعيد أدوار اللاعبين الرئيسيين فيها، من "الحشد الشعبي" إلى المالكي إلى الصدر إلى العبادي. مع العلم أن للعراق دورا أساسيا في مسألة الحرب الضمنية بين الأميركيين والإيرانيين، فهما وإن اتفقا على دعم المالكي في مرحلة سابقة، إلا أنهما باتا، أقلّه حتى صباح اليوم الإثنين، متعارضي الأهداف والنيات، خصوصاً أن شمول العراق بسلّة واحدة مع لبنان واليمن وسورية، في إطار المواجهة العامة بين الأميركيين والإيرانيين، يعني ارتفاع نسبة المواجهة في بغداد بين الدولتين. 
يفسح ارتفاع حدّة المواجهة الأميركية ـ الإيرانية المجال ضمناً لبروز حالةٍ من 2: إما حالة مضادة للإيرانيين في بغداد تبعد تأثيرها السياسي، ولو أنها تملك أمنياً "الحشد الشعبي"، أو تبرز حالة "محايدة" رافضة أي دور إقليمي في العراق. الأمران يناسبان الأميركيين، لأن من شأن تقليب الرأي العام العراقي على إيران أو تحييده في المواجهة، أن يؤدي إلى تراجع إيراني في سورية حكماً. 
كيف يمكن أن تردّ إيران؟ البلاد في ضائقة اقتصادية خانقة، ولا يمكن لها الصمود في أي حربٍ أو مواجهة طويلة. يدرك الإيرانيون ذلك، لكنهم باتوا في مكانٍ من 2: إما أنهم فعلاً قرّروا المواجهة حتى يتمّ التغيير في الظروف السياسية، أو أنهم سيتراجعون بعض الشيء لإفساح المجال لتسويةٍ مؤقتة. تبدو إيران، في الحالتين، خاسرة، فالرهان على الظروف السياسية أمرٌ لا يمكن التنبؤ به، فقد يكون التغيير نحو الأسوأ. على الورق، إيران في طور خسارة ورقة عراقية أساسية، فالمكابرة في موضوع مقاتلة الأميركيين على الجبهات كافة رهان خاسر، لأن الوضع الاقتصادي لم يعد كالسابق، وغير قادر على تمويل المواجهات ضد الأميركيين. لذلك، فإن كلام الرئيس الأميركي، دونالد ترمب، أن إيران ستتصل به، في وقت ما، للحصول على اتفاق جديد في الملف النووي، أمر بات أقرب من أي وقتٍ مضى، خصوصاً بعد كلام علي أكبر ولايتي، مستشار المرشد الإيراني، علي خامنئي، ومن روسيا، أن "إيران ستواجه الأميركيين". 
الأهم أن تأثيرات التظاهرات العراقية قد تفرض نفسها على الوضعين السوري واللبناني، وعلى النفوذ الإيراني فيهما، ما يعني أن المنطقة برمّتها باتت أمام مستوى جديد من المواجهات السياسية والأمنية. وهو أمر قد يضيّق الخناق على إيران، من دون أن يعني ذلك انتصار أبناء لبنان وسورية، بل انتقال البلدين إلى نفوذ بلد آخر: روسيا في سورية وأميركا في لبنان.

المصدر

comments powered by Disqus
خدمة RSS LinkedIn يوتيوب جوجل + فيسبوك تويتر Instagram

عدد الزوار :104,955,791

تطبيق الموبايل

-->

آخر الزيارات

مساحة اعلانية

الأكثر قراءة

الأكتر مشاهدة

تابعنا على "فيس بوك"