العرب والصين.. شراكة الطريق

محمد عارف

«لا تعط قطُّ سيفاً لرجل لا يستطيع الرقص». قال ذلك الحكيم الصيني «كونفشيوس».

ورقص العرب والصينيون على «طريق الحرير» كالطريق نفسه، قطع فيافي صحراوية، وجبلية، وسهول، وهضاب، ومراعي، وأنهار، وبحار، شرقاً وغرباً، منذ أكثر من ألفي عام، ولم يقاتل خلالها قطُّ أحدهما الآخر.

 

أحدث المعلومات بهذا الصدد عرضتها أبحاث ندوة «العلاقات العربية الصينية» التي نظمها «مركز دراسات الوحدة العربية» بالتعاون مع «معهد دراسات الشرق الأوسط» في «جامعة شنغهاي للدراسات الدولية».
استقرأ بحث «محسن فرجاني»، أستاذ اللغة الصينية في «كلية الألسن» بجامعة عين شمس، مراجع صينية عن تاريخ العلاقات بين الصين والعرب منذ عام 115 قبل الميلاد، حين انطلقت إحدى أهم الرحلات الاستطلاعية الصينية بتكليف من الإمبراطور «هان وودي» إلى «تياوجي»، وهو الاسم الذي يطلقونه على المنطقة العربية، حيث وصلت الخليج وجزيرة العرب وساحل أفريقيا الشرقي والبحر المتوسط.
و«كانت تلك محاولات صينية مبكرة لاستكشاف طرق التبادل مع المنطقة العربية، وما جاورها، وتلمّست سبلاً لتوثيق العلاقات مع أطراف قوية يمكنها أن تقف معها حليفاً ضد تهديدات القبائل الهمجية التي اعتادت الإغارة على حدودها».
ويذكر «فرجاني» أن ساحة الملاحة البحرية التي التقى عليها الحوار الحضاري بين العرب والصين أكثر أماناً من طرق التجارة البرية، ولم تشهد طوال تاريخها فكرة السيادة البحرية من أي طرف، وكانت محاور التقاء وتفاهم حضاري، أكثر ممّا كانت ساحة تنافس أو صراع. لكن الممرات البرية لما يُسمى «طريق الحرير» أكثر تنوعاً وأغزر دروباً، حيث يسلك طريق بري من الصين إلى البحر الأسود وجنوب روسيا، وطريق يربط الصين بالهند، ويتفرع منه طريق إلى إيران والعراق وبلاد الشام. وعلى هذه الطرق كان «كل تاجر رحالة بالقوة، وبمثابة إثنوغرافي أصيل اختزن في جوانب وصفه إرهاصات الأنثروبولوجي الحديث».
و«الرجل الحكيم لا يمسك ثرواته. وكل ما ازداد عطاؤه للآخرين، ازداد ما يحصل عليه». حكمة «كونفشيوس» هذه تُغّردُ في دراسة «الحزام الثقافي» للأكاديمي السوداني «جعفر كرار أحمد»، الباحث في «معهد دراسات الشرق الأوسط» في «جامعة شنغهاي للدراسات الدولية». فالدراسة تستدعي مصادر حافلة، عربية وصينية وإنجليزية، عن إسهام العرب الأساسي في بناء الحزام الاقتصادي الأول على «طريق الحرير»، وتفاصيل دور العرب كسفراء للصين في العالم قرون طويلة، نقلوا خلالها علوم الطب الصيني، وصناعة الخزف والورق والبارود. وأسهموا في الازدهار الاقتصادي للعالم القديم، ونقل السلع والثقافات والأديان على مدى قرون عدة. وجعل الحزام الثقافي العامر التبادلات الاقتصادية والتجارية أمراً ممكناً. وأثناء حياة الرسول صلى الله عليه وسلّم قصد الصينَ 4 رجال من شبه الجزيرة العربية. وفي القرن الرابع عشر الميلادي أنشئت في الصين مدارس لتعليم الخط العربي، واللغة العربية، وجامعة للطلاب العرب والمسلمين. «وأنجب التزاوج بين العرب والمسلمين والصينيين قومية (هوي) المسلمة، وهي واحدة من 56 قومية تكوِّنُ جمهورية الصين الشعبية الحالية».
وعقيدة الصين في «الحزام والطريق»، خلافاً لما يوحي به الاسم، «حوكمية» تتناقض بشكل صارخ مع المنافسة الجيوسياسية التقليدية، وتختلف عن منطق ميزان القوى. تستوعب ذلك دراسة «الصين وحوكمة أمن الشرق الأوسط في العصر الجديد»، للأكاديمي الصيني «سون ديغانغ»، من «معهد دراسات الشرق الأوسط» في «جامعة الدراسات الدولية في شنغهاي». ومبادرة «الحزام والطريق» في ذاتها تطبيق مهم لمشاركة الصين في الحوكمة العالمية. وهذا أمر يخص الوجود الصيني منذ بداية القرن الحادي والعشرين، حيث «طريق الحرير» متاخم لنزاعات، بعضها يتصل بأمن الطاقة، والاستثمارات، والمصالح التجارية الصينية. و«الحوكمة» منهج الصين في حل المشاكل الداخلية والإقليمية والدولية بأسلوب «كونفشيوس» السمح، وفيه «أريدك أن تكون كل ما هو أنت، في العمق من مركز وجودك».

 

نشر المقال هنا

comments powered by Disqus
خدمة RSS LinkedIn يوتيوب جوجل + فيسبوك تويتر Instagram

عدد الزوار :116,744,054

تطبيق الموبايل

-->

آخر الزيارات

مساحة اعلانية

الأكثر قراءة

الأكتر مشاهدة

تابعنا على "فيس بوك"