العراق الذي يُبعث من جديد

جعفر المظفر

لغرض أن لا نُصاب بالإحباط إذا لم تستمر التظاهرات وتفلح في تحقيق الهدف الأساسي والمركزي الذي بات في حكم الأمل المرئي الذي يتمناه جميع من لهم غيرة على هذا الوطن العراقي المستباح، فإن علينا منذ البداية ان نستوعب حقيقة أن نجاح التظاهرات الحالية قد تحقق فعليا لأنه دفع إلى العلن الحكم بموت هذه العملية السياسية من خلال الإعلان الجنوبي عن هذا الموت.

 

وما أقصده بهذا العنوان، الموت الجنوبي، ليس التقليل من أهمية الإنتفاضات العراقية المتنوعة المشاهد والمستويات التي حدثت في بقية مناطق العراق عبر السنوات الخمسة عشر من هذا النظام، وإنما الوقوف أمام معنى أن ينتفض الجنوب نفسه ويعلن براءته بشكل قاطع من الحكام الذين مسخوا إرادته وإمتهنوا طيلة السنوات الخمسة عشر تمثيلية التعبير عنه من خلال العناوين الطائفية التي لا يملكون غيرها.

إن العالم برمته بات يعلم الآن أن العنوان الوطني العراقي قد أعلن نفسه بشكل صريح، اما أولئك العراقيون الذين وصلوا إلى حالة اليأس وكادوا أن يلقوا بمنشفة الإستسلام على حلبة الصراع ويتخلوا عن إمكانات بقاء الوطن العراقي وإنبعاثه بشكل جديد فإنهم رجعوا عن إحباطاتهم وبان لهم بشكل واضح أن موت العراق هو صعب للغاية وحتى أنه بحكم المستحيل، وإن ما كنا نقوله عن عودة العنقاء وعثور العراق على سر الخلود لم يكن من باب الخطب والأناشيد، وإنما هو كان قد أتى من خلال إستبصار تاريخي بقدرة هذا الوطن العراقي على الإنبعاث كلما حاولت جيوش الغزو تدميره.

إن إنتفاضة العراق الجديدة التي بدأت وتصاعدت في الجنوب قد حققت هدفها الأخلاقي المركزي حينما أفلحت بشكل واضح صريح عن السقوط النهائي لمسرحية قوى النظام السياسي الحالي القائمة على زعم التمثيل الطائفي لشيعة العراق، أما أولئك الذين يتذكرون جيدا ذلك (الإعلان الشيعي) الذين وقعه وعملت تحت رايته مخلوقات بائسة مثل موفق الربيعي وأمثاله والذي صدر في لندن قبل أكثر من 15 عاما فقد باتوا يشهدون بأم أعينهم سقوط ذلك الإعلان البائس من خلال إعلان شيعة العراق أنهم عراقيون وعرب أقحاح، وأن كل أولئك الذين شوَّهوا إرادتهم تحت عناوين (المظلومية الشيعية) قد بانوا وإنكشفوا بشكل أسرع مما تصوره الجميع.

إن إنتفاضة الجنوب وعناوينها الوطنية والإعلام العراقية، التي حرص المنتفضون على أن تظلَّ خفاقة على رؤوسهم، هي بمثابة الإطاحة بما تبقى من تلك الدعامات الرخوة والبائسة التي كان يستند عليها هذا النظام البائس. وبدون هذه الدعامات فإن النظام السياسي الحالي بات معلقا في الهواء بمناطيد لا تملك قدرة المحافظة على خزين الهواء الذي سيفرغ لا محالة.

أن من المهم الإعتراف أن العملية السياسية الحالية التي أتاحت لقوى سياسية الهيمنة على السلطة في العراق قد (نجحت) بفعل وجود عاملين أساسيين هما: 1. القبول المحلي بالتغيير و 2. توفر الإرادة الدولية التي اسقطت النظام. ولكنها ستسقط وتنتهي سياسيا وقانونيا ويعلن عن موتها السريري حينما ينتهي مفعول هذين العاملين الأساسيين اللذين كانا قد أتيا بها، أما القوى السياسية العراقية التي جاءت بصحبة المتغير الدولي الذي قرر وعمل على إسقاط نظام صدام حسين فهي نفسها لم تكن مقتنعة بالعناوين التي عملت تحت أغطيتها، إذ سرعان ما تبين للجميع، ولقياداتها بالذات، أنها لا تمثل إرادة إحياء الدولة العراقية من جديد لأن مبادئها الأساسية كانت قد تأسست على حالة خصام وعداء لأساسيات الدولة الوطنية، وسرعان ما أدَّت بها الحال إلى الشروع في عملية تصفية الدولة لا عملية تصفية النظام، وإجتثاث الدولة لا إجتثاث النظام، وتحولت بشكل سريع إلى ميليشيات وعصابات هدفها تقاسم السلطة، وقد ظلت تدور في مساحة ذلك الصراع دون أن تمتلك قدرة الخروج من مساحته إلى مساحة بناء الدولة وذلك لأنها لم تكن تمتلك بالأساس مشاريع لبناء دولة عراقية جديدة وإنما كانت منذ البداية مشاريع لتهديمها

 

نشر المقال هنا

comments powered by Disqus
خدمة RSS LinkedIn يوتيوب جوجل + فيسبوك تويتر Instagram

عدد الزوار :116,747,222

تطبيق الموبايل

-->

آخر الزيارات

مساحة اعلانية

الأكثر قراءة

الأكتر مشاهدة

تابعنا على "فيس بوك"