أبعدَ خراب البصرة؟!

سلام مسافر

ربما علَّقت غالبية العراقيين على اعتذار السيد هادي العامري، بالتعبير الأثير (عكب ما .. . لمَّت عبايتها)!

 

فبعد 15 عاما، من الخراب المنظم؛ وجد العامري المعروف بزلاقة اللسان، وروح النكتة، انه يتعين في نهاية اعمال مقاولة التهديم، برعاية احزاب الاحتلال من شتى المذاهب والطوائف والقوميات والفرق والملل والنحل، اعلان براءة الذمة، بإنجاز "التفليش" دون ان تترك حجرا على حجر. وباتت الطريق سالكة امام ظهور المنتظر.

ولم يترك "ابو حسن" مجالا للشك لدى الأعداء والاصدقاء، بأن الاعتذار يهدف الى تجديد البيعة للأحزاب الحاكمة باعتبار، ان مبدأ الاعتراف بالخطأ؛ فضيلة وان العراق مقبل على جولة جديدة من التراخيص لعمل الاحزاب الحاكمة وبنفس طريقة تراخيص عقود شركات النفط الأجنبية التي تقصَّدت بتر الايدي العاملة العراقية المعروفة بالكفاءة والاخلاص والحرص على ثروة العراق.

ثروة تصب في خزائن الشركات ذهبا لم يقبض منه أهل العراق غير القار والغبار والتلوث وملوحة المياه والجوع والفاقة والموت البطيء.

ولعل "ابو حسن" طرب كثيرا للتصفيق الحاد في قاعة احتفى بها الحاضرون بذكرى رجل، لم يحصل من الدنيا الفانية الا على كفن ابيض، كان يرتديه حيّا ويعظ أنصاره، بأن الدهر يوم لك ويوم عليك، ولم يتوقع حينها ان يوم العراقيين الطويل سيكون عليهم فقط؛ بسبب من يتغطون بعباءته ويرفعون صوره ويعلنون الانتماء لشريعته!

لقد انجزت احزاب العامري، المهمة بمنهجية لم يحلم بها منظر "نهاية التاريخ" الفيلسوف الأميركي من أصل ياباني، فرنسيس فوكاياما، الذي أوحى للمحافظين الجدد، كيف يتم القضاء على دول العالم القديم بدءاً من اثارها الشامخة، مروراً بمدنها العامرة، وصولاً الى إنسانها الملتبس بموروث ثقافي. وقرر ان موروث الدول العريقة يحول دون دخولها القرن الأميركي الجديد.

نحن لا نتهم "ابو حسن" بأنه مقراء صاحب معدة (قارئ فطن يهضم ما يقرؤه) يستوعب البعد الفلسفي لطروحات فوكاياما، تماما مثلما لا نتهم السيد ابراهيم الجعفري بأنه يعرف ما يهرف.

لكن ما جرى في العراق على يد الاحزاب العامرية لا يمكن ان (يلبس عليه هدم) كما يقول اهلنا.

بل ان الأجهزة الغربية التي كانت تترقب انحطاط العراق؛ لم تتصور ان العملية ستتم بسرعة قياسية لن تقدر عليها الا جوائح من نوع تسونامي، حتى ان الشركات العالمية، تحار كيف ستعيد بناء بلد نهب حكامه على مدى عقد ونصف أكثر من ترليون دولار!

جولة التراخيص الجديدة للاحزاب، تنطلق في وقت يعثر رئيس الحكومة، في خزينة الدولة على ثلاثة مليارات دولار، تخصص لمعالجة أزمات البصريين ويعلن عن توفير فرص عمل بالألوف.. هكذا فجاة!

ولم يوضح المهندس الكهربائي صاحب أطروحة "الاستفادة القصوى من آلية المصاعد" التي دافع عنها في كولج بريطاني، كيف سيتم الإنفاق، وكيف سينضم عاطلو البصرة من الشباب الذكي والمبدع إلى فرق العمل في شركات النفط مغلقة الأبواب بحماية "بلاك ووتر" وشقيقاتها ، وبجندرمة قوات سوات وسراكيل بعض شيوخ العشائر.

وحتى وزير النفط التكنوقراط السيد جبار لعيبي المشاع عنه ان تصدى لجولة التراخيص في حقبة نوري المالكي ووزيره الصادق الصدوق حسين شهرستاني؛ فاستبعد، حينها، وعُيِّن مستشاراً لا يهشُّ ولا ينشّ. لم يعين رئيسا لخلية الازمة المكلفة بمعالجة البطالة وانعدام الخدمات في المدن الثائرة .

وكان لعيبي تنازل عن التكنوقراطية لصالح الحزبية؛ ليتسلم وفق نظام التحاصص وباسم مجلس عمار الحكيم على حقيبة وزارة النفط.

ومع تنامي الاحتجاجات وصولاً الى المناطق الغربية، تتصاعد الاتهامات للمتظاهرين بالتخريب، ويندس مزيد من خدن الاحزاب الحاكمة في صفوف الغاضبين لإدارة عمليات الحرق والنهب.

وفيما يعلن هادي العامري انتهاء مقاولة التفليش، ويعتذر، يحشد رفاق "ابو حسن" في الفصائل الرديفة، لمهرجانات شعارها (التصدي للمتظاهرين عملاء السعودية وإسرائيل (!). وينددون بمن يسعى لحرف العراق عن حلف الممانعة (!).

المعروف ان الاحتلال، وقبله الحصار وقبل ذلك الحروب، أخرج العراق من طوق المواجهة والتصدي. وبعد النجاح الباهر لمقاولة التفليش لم يعد العراق يحتل موقعا في الخارطة الالكترونية للعدو الصهيوني باعتباره سلكا مكهربا، وسط معلومات متواترة عن تغلغل اسرائيلي في مفاصل ما كان العراق.

ولعل "ابو حسن" التقى "صدفة" بوكلاء الأجهزة الأميركية ومعاونيها، خلال عمليات تطهير المدن من داعش، تماما مثلما كان يلتقي قادة احزاب المعارضة قبل الاحتلال بضباط "سي اي اي" و "الموساد" و "أم آي 6" في دهاليز فندق "هيلتون ميتروبوليتان" بلندن.

نحن لا نتهم "ابو حسن" بالتخابر مع الأجانب، لكن الدنيا فلك دوار!

ولأنها فلكٌ فإنها حتماً ستدور على البغاة والطواغيت.


comments powered by Disqus
خدمة RSS LinkedIn يوتيوب جوجل + فيسبوك تويتر Instagram

عدد الزوار :104,955,830

تطبيق الموبايل

-->

آخر الزيارات

مساحة اعلانية

الأكثر قراءة

الأكتر مشاهدة

تابعنا على "فيس بوك"