تحقيق استقصائي: 300 ألف موقوف بريء في السجون العراقية

ذكرت الشبكة العراقية للصحافة الاستقصائية "نيريج"، أن أكثر من 300 ألف موقوف بريء أودعوا السجون العراقية خلال أعوام 2014-2015-2016، كان معظمهم من المكون السني.

وأظهر تحقيق أجرته الشبكة في وقت سابق، بالتنسيق مع مصادر رسمية ومن القضاء العراقي، أرقاما كبيرة عن أعداد الذين تم القبض عليهم خلال السنوات الماضية، وتبين لاحقا أنهم أبرياء، لكن لا يطلق سراحهم إلا بعد أن يقضوا أشهرا في سجون وزارة الداخلية وبقية التشكيلات الأمنية، ومن يمتلك منهم الأموال أو وساطة شخصية سياسية أوعشائرية يحصل على تنفيذ قرار الافراج عنه، أما الذين لا يستطيعون تحمل مصاريف الرشى، فينتظرهم مصير مجهول، ربما يصل إلى الإعدام.

وأضاف التحقيق أن القانون ينص على وجوب قيام التشكيلات الأمنية برفع ملفات الموقوفين إلى القضاء خلال 24 ساعة من تاريخ التوقيف، لكن هذا لا يحصل على أرض الواقع، بل على العكس، حتى القرارات القضائية بالإفراج عن المحتجزين الأبرياء يتأخر تنفيذها، مشيرا إلى ان هذا الوقت يخلقه الضباط الفاسدون عن قصد تحضيرا لعمليات الابتزاز.

وفيما يتعلق بالمآخذ المسجلة على طريقة إدارة السجون في العراق، بين تحقيق الشبكة انها تتمثل في تعدد إدارات المؤسسات السجنية، فبعضها يرتبط بوزارة العدل والآخر بوزارة العمل والشؤون الاجتماعية إضافة إلى وجود إدارة من وزارتي الدفاع والداخلية وأجهزة الاستخبارات لها سجونها الخاصة، ولهذا يصعب إيجاد إحصاء شامل لعدد الموقوفين، إذ لا تكشف هذه المؤسسات عن إحصاءات دقيقة مطلقاً.

ومن خلال الاطلاع على بيانات صادرة عن مؤسسة "مجلس القضاء الأعلى" التي تتمتع باستقلالية تامة بموجب الفصل الثالث من الدستور العراقي، ظهرت إحصاءات عن أعداد الموقوفين الذين حكم القضاء ببراءتهم من التهم المنسوبة إليهم سواء كانت جنائية أو إرهابية، لكنها لم تكشف عن الأعداد الشاملة للسجناء الحاليين في البلاد.

وبعد تتبع الأرشيف الالكتروني لموقع السلطة القضائية في العراق على مدى 3 سنوات (2014-2015-2016) ولمجموعة كبيرة من الإحصاءات والبيانات المتفرقة، آخرها إحصاء نشر في كانون الأول/ديسمبر عام 2016، فقد أشارت البيانات الرسمية التي تم الاستقصاء عنها إلى أن القضاء العراقي أصدر قرارا بتبرئة (76415) موقوفا، بينهم (8418) وجهت إليهم تهم الإرهاب، أي بمعدل (6368) عملية احتجاز في الشهر و(212) في اليوم الواحد.

وسجل شهر حزيران/يونيو من العام 2016 أعلى معدل في تبرئة الموقوفين إذ بلغ عددهم (10791) بينهم (1608) متهمين بالإرهاب، ويليه شهر أيار/مايو وبلغ عددهم (10373) منهم (3456) متهما بقضايا إرهاب.

أما في عام 2015 فقد أشارت الإحصاءات إلى أن القضاء أقر ببراءة (88297) شخصا منذ كانون الثاني/يناير وحتى كانون الأول/ديسمبر، بينهم (10124) وجهت له تهمة الارهاب، بمعدل (7358) عملية اعتقال في الشهر الواحد، و(245) عملية اعتقال يوميا، وسجل شهر أيلول /سبتمبر من 2015 أعلى نسبة في تبرئة محتجزين، وبلغ عددهم (9480)، ويليه شهر كانون الأول/ديسمبر وبلغ عددهم (9268)، ولم توضح البيانات أعداد الذين وجهت إليهم تهما بالإرهاب، إذ يتحفظ القضاء عن نشر هذه التفاصيل في بعض الفترات.

أما بخصوص عام 2014، فأعلن مجلس القضاء الأعلى خلال المؤتمر الإعلامي السنوي لأعضاء السلطة القضائية عن تبرئة (150158) موقوفا، بينهم (8957) وجهت إليهم تهم الإرهاب، وهو أكبر من عدد الموقوفين الأبرياء في عامي 2015 و2016، وبمعدل شهري (12513) موقوفاً بريئاً، حيث بين التحقيق ان الهجوم الذي شنه تنظيم داعش في حزيران/يونيو 2014 والفوضى التي عمت البلاد بعد ذلك كانا وراء تصاعد نسبة "الموقوفين الأبرياء" في ذاك العام.

وبجمع هذه الإحصاءات، فإن (314870) شخصا بريئا أوقفوا بشكل خاطئ على مدى الأعوام الثلاثة، بمعدل (8996) موقوفا في الشهر الواحد، و300 في اليوم الواحد، و12 شخصا في الساعة، وشخص واحد كل 5 دقائق، تشمل جميع الموقوفين بمختلف التهم سواء إرهابية أو جنائية.

وأشار تحقيق الشبكة العراقية للصحافة الاستقصائية إلى ان "أعداد السجناء الأبرياء تكشف وجود مشكلة حقيقية في النظام الأمني والتحقيقي في العراق بحسب خبراء، حيث تنفذ آلاف عمليات الاعتقال العشوائية لمواجهة تصاعد أعمال العنف، وتخلق هذه الاعتقالات مشكلات في السلم المجتمعي وتؤدي إلى خلافات بين القوى السياسية".

وأوضح أن "الإحصاءات المذكورة لا تشمل اعتقالات في سجون تابعة لبعض فصائل الحشد الشعبي التي تأسست في صيف 2014 "، حيث أفاد نائب سابق عن محافظة الأنبار، ان كتائب "حزب الله" اعتقلت 3 آلاف من سكان الأنبار على مراحل منذ انطلاق معركة استعادة مدينة الفلوجة من داعش في أيار/مايو عام 2016، مؤكدا ان  مصيرهم لا يزال مجهولاً.

ووفقا للبيانات التي حصلت عليها الشبكة، والممهورة بأختام مجلس القضاء الأعلى فإن (27499) شخصا اعتقلوا من قبل الأجهزة الأمنية بموجب المادة الرابعة من قانون مكافحة الإرهاب تحديدا، على مدى أعوام (2014-2015-2016) وتبين لاحقاً أنهم أبرياء بعد أن كانوا يواجهون عقوبة الإعدام، معظمهم من محافظات وسط العراق وغربه، وقد درج سياسيون وزعماء عشائر من تلك المحافظات على استخدام مصطلح "أربعة سنة" في إشارة إلى أن المادة الرابعة تستهدف المكون السني فقط، وتستند هذه المادة القانونية إلى قانون مكافحة الارهاب رقم (13) لسنة 2005  الذي ينص على عقوبة الإعدام "لكل من ارتكب بصفته فاعلا أصليا أو شريكا، عملا من الأعمال الإرهابية… ويعاقب المحرض والمخطط والممول وكل من مكن الإرهابيين من القيام بالجرائم… بعقوبة الفاعل الأصلي، ويعاقب بالسجن المؤبد من أخفى عن عمد أي عمل إرهابي وآوى شخصا ارهابياً بهدف التستر".

من جهة ثانية أكد نائب سابق في البرلمان أن هناك مساومات تجرى بين الأجهزة الأمنية وذوي السجناء بدفع أموال مقابل إطلاق سراح أبنائهم من السجون، وعن الطريقة التي ترتب فيها المساومة قال إن "العملية تتم عبر المحامين المكلفين بمتابعة أوراق القضية، ومن لا يملك المال لا يمكنه الخروج من السجن، على رغم براءته"، أما فيما يتعلق بالتسعيرة المتداولة لإطلاق سراح الموقوفين الأبرياء، بين النائب السابق انها تختلف وفق نوع التهمة، فتهمة الإرهاب هي الأعلى ثمنا بين التهم ويصل المبلغ إلى مئتين أو 300 ألف دولار وتليها السرقة".

أما بالنسبة لحالات تشابه الأسماء، فان عمليات الاعتقال الخاطئة تحصل أيضا نتيجة تشابه الأسماء وهي ظاهرة شائعة داخل العراق، فأسماء الأشخاص المألوفة كثيرة ومستمدة من التراث الديني والعشائري، وشهدت البلاد مئات حالات الاعتقال لأشخاص على أنهم مطلوبون للقضاء ليتبين أن قوات الأمن اعتقلت الشخص الخطأ، حيث تمتلك المفارز الأمنية عند نقاط التفتيش المنتشرة عند مداخل المحافظات العراقية وبين الأحياء أجهزة حواسيب تتضمن قوائم المطلوبين للقضاء بتهم إرهابية أو جنائية يحصلون عليها من القضاء العراقي، ولكن المشكلة أن القوائم تتضمن اسم المطلوب وأباه وفيما ندر جده، مع التهمة والمحكمة التي تطالب به، من دون أن تتضمن معلومات أخرى كاسم الأم واللقب وأوصاف الشخص أو صورته الشخصية.

وختمت الشبكة تحقيقها بالقول إن "عمليات الاعتقال العشوائية لأشخاص يتبين لاحقا أنهم أبرياء لا تحصل فقط عبر المداهمات المفاجئة التي تنفذها قوات الأمن لمناطق تعتبرها وفق تصنيفاتها ساخنة وحاضنة للإرهابيين، بل تتجاوزها إلى معلومات ترد إليها من قبل ما يعرف بالمخبر السري وهي وظيفة أمنية تستند في الأصل إلى قانون أصول المحاكمات الجزائية رقم 23 لسنة 1971 المعدل، وقرر مجلس الوزراء في آذار/مارس 2013 الغاء العمل به بعد احتجاجات شهدتها محافظات تقطنها غالبية سنية.

ويرى ناشطون أنه وسط دوامة الأزمات الأمنية والصراعات السياسية في البلاد، والعقد المتعلقة بالفساد والابتزاز في ظل خلل الاجراءات الأمنية وعجز المعاملات القضائية، ما زال آلاف الأبرياء يقبعون في مراكز التوقيف والسجون في انتظار حسم أوضاعهم.

المصدر

comments powered by Disqus
خدمة RSS LinkedIn يوتيوب جوجل + فيسبوك تويتر Instagram

عدد الزوار :104,946,111

تطبيق الموبايل

-->

آخر الزيارات

مساحة اعلانية

الأكثر قراءة

الأكتر مشاهدة

تابعنا على "فيس بوك"