عن ماذا يعتذرون؟!

مليح صالح شكر

أما وقد انقشع الغبار الذي رافق مسرحية الأنتخابات في العراق، يصبح من الضروري مشاهدة المسرح والممثلين على خشبته بشكل اكثر صراحة ووضوحاً.

 

ومن المؤكد أن المواطن العراقي قد لاحظ في الآونة الأخيرة قبل الانتخابات وخلالها وبعدها ، تسابق بعض عتاة مروجي غزو وأحتلال العراق ، وهم يقفزون من السفينة بعدما أحسوا بأنها ستغرق.

كتب احدهم رواية يبرر فيها ندمه على دعوته لأميركا لغزو العراق ، وإسقاط النظام السياسي فيه، وتواترت بعده فتاوي الندم السياسية ، من ذوي الشأن ، ومن من هم أقل شأناً منهم ، وجميعهم اكتشف بعد 15 عاماً من الخراب الذي شاركوا فيه وبفعالية ، أنهم قد فقدوا امتيازاتهم أو منافعهم لصالح جهات دينية سياسية كانوا هم قبل الاحتلال ممن شاركها في العمل لتخريب العراق.

وها هم العراقيون يصرخون بوجوه من تبقى منهم يوم 12 أيار/ مايو (لا مدوية)، وأطاح بالعديد من بقايا الاحتلال ، وسيأتي الدور على البقية لاحقاً.

قرأت في الفترة الأخيرة مناقشات تدين وتستنكر لجوء شخص ساند بكل ما عنده من قدرات ، الغزو الأميركي للعراق وأحتلاله في نيسان/ أبريل عام 2003.

شبه هذا الشخص دوي الصواريخ والقنابل والطائرات والمدافع وهي تقتل أهل العراق، بالاستماع الى عزف (سيمفونية)، وكان فرحاً ومغتبطاً بقصف بغداد بكل أنواع الأسلحة والقنابل والصواريخ البعيدة المدى والقصيرة ، وكروز ، وحرق الأخضر واليابس.

وبعد كل ما قاله ،وفعله، وأفتراه، ولفقه، وفبركه، وكتبه، ونشره، قبل الغزو العسكري الأميركي وخلاله وبعده ، لن يكفر هو وغيره عن ذنوبهم تجاه العراق حتى لو اغتسلوا بماء زمزم .

يريدنا النادمون الجدد أن نقبل اعتذارهم، ولكن عن أي خطيئة من الخطايا التي ارتكبوها يعتذرون، منذ أن التحقوا بركب مؤتمر أحمد الجلبي (الوطني)، وركب غيره حتى وصلوا بغداد وراء غبار الدبابات الغازية؟

أحدهم سارع الخطى كما طلب منه ، لخمط وحوسمة أكثر مجموعة من وثائق الحكومة العراقية ومن دوائرها الحساسة ثم يستعجل المغادرة ليبدأ الفصل الجديد من تبرير الغزو العسكري.

قيل أن بول بريمر كان يريده أن يقيم متحفاً مماثلاً لمتحف ضحايا النازية، الهوليكوست، ويعرض فيه الملايين الثلاثة من الوثائق العراقية التي تعرضت للنهب من دوائر الدولة بحماية المارينز ، أو التي إستولت الأحزاب الكردية عليها.

لم يغفر العراقيون ما حصل في بعض الفترات من أخطاء، في تاريخ العراق، ولم يغفر البعض منهم ما نسبوه وفبركوه لنظام ما قبل غزو عام 2003، مع الاعتراف بأنه لم يكن نظاماً ديمقراطياً، فلماذا يطلبون منهم أن يغفروا لمن ساهم في قتل أهل العراق، ودمر العراق، ونهب تراث العراق، وسرق آثار العراق، ووثائق العراق، وكنوزه الوطنية، بل وتسبب في هجرة ملايين العراقيين، وملايين اخرى من اليتامي والأرامل؟ والعراق يعرف كل ما ارتكبه أذناب الاحتلال وحتى أصغرهم، جيداً جداً.

شارك هؤلاء النادمون، مع المعممين قبل الغزو في كل طبخاتهم لتقسيم العراق في مؤتمرات دمشق وصلاح الدين ولندن ونيويورك، والتعاون معهم حين كانوا يتصدرون المنصات في تلك الاجتماعات لـ (تحرير العراق).

وصرفت لهم أموالاً على قدر أحجامهم، بعضهم من البنتاغون والبعض الاخر من وكالة التنمية الخارجية، ومن هنا وهناك .

وفي عام 2013، نقلت صحيفة نيويورك تايمس لنا بعد 10 سنوات بالتمام من الغزو والاحتلال، ما يروج به أحدهم لفرحته بأن الربيع العربي الذي كانت فوضاه تضرب الدول العربية، كان قد بدأ في العراق أصلاً. بل زعم أموراً لم تحصل، حين إدعى أن شعارات طائفية كانت مكتوبة على الدبابات العراقية، هذا بالرغم من خيبة أملهم لسيطرة الأحزاب الدينية الطائفية على الأمور، وفبركوا افلاماً وخيالات.

تلقيت قبل بضعة سنوات تعليقاً نادماً على البريد الالكتروني من أحد من كان قد إنتفع مالياً بصفته طبالاً في السنوات الاولى للاحتلال ومجلس الحكم وحكومة أياد علاوي، لكنه شق طبله وعاد أدراجه الى خارج العراق، ويزعم أنه من النادمين!

وتتوالى إعلانات الندم هذه الايام من عدد ممن لهث وراء الاحتلال وأصدر النظريات والفتاوي السياسية لتبريره، وها هم اليوم يقفزون من السفينة قبل غرقها، ويعلنون الندم وكأنهم يعترفون بأستيقاظ ضمائرهم، ويريدون الآن من العراقيين، وبعد كل هذه الدماء والدمار، أن يقبلوا ندمهم لأن الأمور لم تجر كما كانوا يحلمون به، ويهويهم، ويطمعون!

فهل هذه صحوة انتخابات فقط، وستعود حليمة الى عادتها القديمة، أم لا؟ وقد أهمل العراقيون لعبة من تبقى منهم، وهزمهم في الامتناع، عن المشاركة في انتخاباتهم، أو مقاطعتها.

هذا يزعم أنه بكى وقال لزوجته أموراً كان هو نفسه يهاجم من يقولها، ويتوالى هروبهم من ما ارتكبوه من حماقات ونثر الورود امام قوات الغزو الأميركية .

وآخر يزعم أنه توهم بنوايا أميركا لأنه وغيره في (المعارضة) كانوا يريدون من أميركا إسقاط النظام وليس إسقاط الدولة!

ما شاء الله بعد 15 عاماً من الاستمتاع بمخلفات الاحتلال الأميركي، يكتشفون أن أميركا أسقطت الدولة!

ويقول آخر ومن شاشة إحدى القنوات التلفزيونية بأنه يفكر بالذهاب إلى إيران (إذا صار شي)!

أحدهم حمل السلاح مع القوات الإيرانية ضد العراق خلال الحرب، ويزعم الان انهم لم يكونوا يتوقعون ان ينتهى الاحتلال وإسقاط النظام السياسي بالقوة العسكرية الأميركية، الى هذه النتيجة المأساوية!

وللمعلومات التاريخية فإن أول من إتصل بالإدارة الأميركية عام 1991 كان ممن يعرب اليوم في عام 2018 عن ندمه، ووقع مع غيره على الرسالة التي تطالب الرئيس جورج بوش الأب بإحتلال العراق.

(الاعتراف بالخطأ فضيلة) لا ينطبق اطلاقاً، وبعد كل هذا التخريب والدمار للعراق ولأهله، على من دعا وشارك وإنتفع ونفذ وهلهل لغزو العراق واحتلاله، قبل عام 2003 وبعده.

ولن يصنف التاريخ مثل هؤلاء سوى بالطريقة التي صنف التاريخ بها إبن العلقمي صاحب الجريمة النكراء، في مساعدة هولاكو المغولي على غزو بغداد عام 656 هجرية، 10 شباط/ فبراير عام 1258 ميلادية.

 

نشر المقال هنا

comments powered by Disqus
خدمة RSS LinkedIn يوتيوب جوجل + فيسبوك تويتر Instagram

عدد الزوار :110,329,300

تطبيق الموبايل

-->

آخر الزيارات

مساحة اعلانية

الأكثر قراءة

الأكتر مشاهدة

تابعنا على "فيس بوك"