نفط واحتجاجات ونزيف دم

د. مثنى عبدالله

عجبا، كيف لمن يدعي أنه يعمل من أجل الشأن العام، أن يستغل معاناة الناس ويثري على حسابهم؟ وعجبا وألف عجب لمن يسرق لقمة شعب ويبيع وطنا، ثم يدعي أنه يساند ويتضامن مع المعوزين والمقهورين والمقموعين حين يخرجون ساخطين عليه؟

منطق جديد في السلوك السياسي اخترعه ساسة العراق الجديد بعد الغزو والاحتلال في عام 2003. فعلى الرغم من أنهم يتربعون على قمة هرم السلطة السياسية، ويمدون أذرعهم في كل مفاصل الدولة العراقية، ويُنصّبون أعوانهم وأقرباءهم وأزلامهم في مصادر القرار في كل الوزارت والمؤسسات، مع ذلك فإنهم دائما مايقفون على المنصات الإعلامية وفي التجمعات السياسية والحزبية يشكون مافيات الفساد وعصابات الجريمة المنظمة وغير المنظمة، وسرقة وإهدار المال العام، والفشل في تقديم الخدمات الإساسية، حتى يخالهم البعيد عن المشهد بأنهم زعماء معارضة.

قد يبدو أنه سيناريو يناقض العقل والمنطق ويتعاكس تماما مع كل التجارب السياسية في العالم الأول والثاني والثالث والأخير. لكنه في الحقيقة لايستحق من المرء الكثير من الجهد والعناء لاكتشاف حقيقته. فالرجوع إلى تاريخ الطبقة السياسية القائمة اليوم، وتقليب صفحاتهم للعقدين الماضيين لا أكثر، يعطي صورة واضحة عن أنهم ليسوا سوى دُمى تتحكم بها قوى دولية وإقليمية.

وبالتالي فإن كل ما يجري على الساحة من ظواهر مرئية ومخفية هم فيها أدوات تنفيذ وتستير لا أكثر، وهم أجراء في صناعة الفساد وهدر الثروات. لذلك لم نسمع، وعلى مدى أكثر من خمسة عشر عاما، أعلانا صادرا من الولايات المتحدة الأميركية أو المملكة المتحدة أو غيرهما من دول الغرب، الذين شاركوا في غزو وأحتلال العراق، يسرد لنا بالأسماء والشواهد الثابتة المفسدين وحجم الفساد.

على الرغم من أن الأجهزة الاستخباراتية لهذه الدول تعرف كل شاردة وواردة في العراق. وهم على أطلاع تام على كل الاتصالات الهاتفية للساسة العراقيين ودهاليز العمولات والصفقات التجارية الفاسدة. كما كانت لديهم لجان أستشارية في كل الوزارات العراقية في الأيام الأولى للاحتلال حتى عام 2011 . في حين أن المنطق يقول بأن هذه الدول كان عليها أن تقوم بذلك منذ أول يوم من أيام العراق الجديد، لأن التجربة السياسية بعد الاحتلال هي تجربتهم، وأن كل من يُسيء إليها سوف يتحملون هم وزرها. إذن لماذا الصمت؟ وهل يُعقل أن يحتل العراق المركز 169 عالميا في قائمة الفساد دون أن يخجل الراعيان الأميركي والبريطاني؟ بل أين التجربة التي تم التسويق لها عالميا على أنها ستكون النموذج ومصدر الإشعاع في المنطقة؟ 
وللإجابة على هذه التساؤلات يكفي فقط أن نعرف بأن صفقة عمولات قيمتها ستة عشر مليار دولار، قد تمت بين مسؤولين عراقيين وموظفين في السفارة الأميركية في بغداد، في السنوات الخمس الأولى من الاحتلال في سياق ما سُمي إعادة الإعمار، حسب تقارير ظهرت في الصحافة العالمية.

كما أن الكثير من أبناء وأقرباء الطبقة السياسية الحاكمة، قاموا بأنشاء مكاتب تجارية كانت تعمل كوزارات ظل للوزارات العراقية، تحت سمع وبصر الأجهزة الأمنية الغربية في لندن ونيويورك وغيرهما من عواصم الغرب. وكانت هذه المكاتب تحيل وبدون منافسة العقود التي تعلنها الوزارات على الشركات الأجنبية مقابل عمولات مالية كبرى، دخلت في حسابات الأحزاب والشخصيات السياسية الحاكمة. كما كان الشاهد الأكبر على أن الفساد في العراق هو صناعة دول الغزو، حين قامت القوات الأميركية بأطلاق سراح وزير الكهرباء الأسبق من التوقيف، ومرافقته إلى المطار حيث أستقل طائرة أتجهت به إلى الولايات المتحدة الأميركية على أعتبار أنه مواطن أميركي.
وإذا كان رئيس الوزراء الحالي قد أفتتح عهده في المسؤولية، بالكشف عن وجود خمسين الف اسم وهمي في بعض التشكيلات العسكرية تُصرف لهم رواتب شهرية، فإن ذلك لم يكن أبدا بشارة خير على أن عهد الفساد قد انتهى أو تقلص أو بات تحت المتابعة على أقل تقدير، بل إن ولايته البالغة 4 سنوات قد انتهت من دون أن يتبع ذلك الاكتشاف بقرار آخر يعزز من ثقة الناس بالإجراءات التي وعد بها في الضرب على الفساد والفاسدين بيد من حديد كما قال.

وقد يقول البعض من أنصاره ها قد استجاب الرجل اليوم للمتظاهرين وأصدر قرارا بسحب يد وزير الكهرباء من منصبه، كما أمر بفتح تحقيقات في ملفات العقود والتوظيف والمشاريع غير المنجزة، لكن ألا يستحق أن ننصت أيضا للمواطنين الذين يقولون أين كان رئيس الوزراء طوال فترة حكمه من هذا الموضوع ؟ لماذا لم يتحرك ويصدر هذه القرارات إلا حين تظاهر الناس في الشوارع بعد أن بلغ السيل الزبى؟ لماذا لم يصدر هذه الأوامر وهو رئيس وزراء أصيل وليس رئيس حكومة تصريف أعمال، كما هو حاله اليوم؟ ألا يعني ذلك بأنه يريد أن يركب موجة التظاهرات، ويظهر بحُلة جديدة اسمها محاربة الفساد بعد أن كان يرتدي حُلة محاربة الارهاب؟
إن هذه التساؤلات وغيرها تبقى مشروعة لأن حالة انعدام الثقة باتت هي سيدة الموقف بين الشعب والحكومات المتعاقبة. ففي كل مرة يخرج فيها الناس إلى الشوارع محتجين على السلطات، تتبارى الأحزاب المشاركة في السلطة بأصدار بيانات التضامن مع المحتجين، والادعاء بالوقوف معهم في الخندق نفسه. وربما كانت الصورة في احتجاجات الجنوب العراقي التي مازالت مستمرة خير دليل على هذا الخداع الأسطوري. ففي الوقت الذي أصدرت فيه الأحزاب والميليشيات بيانات التأييد للتظاهرات، وكأنهم جميعا ليس لهم أي علاقة بالسلطة والحكم والفساد، فتح حراس مقراتهم النار صوب صدور المحتجين وأسقطوا من بينهم الكثير من الضحايا. فهل يمكن بعد كل ذلك المراهنة من جديد على هؤلاء؟
إن العراق أمام حالة معروفة في التراث السياسي، وهي غليان شعبي بسبب ظهور وضع لا تحتمله الطبقات الفقيرة والمتوسطة في المجتمع، وتفاقم العوامل الاجتماعية والاقتصادية بصورة لاتطاق، يقابله عدم قدرة الطبقة السياسية مواصلة الحكم، وعدم القدرة أيضا عن التخلي عن نظرية امتلاك الدولة.

فالكثير ممن يتبوأون المراكز العليا كانوا يعيشون على الإعانات في دول اللجوء، وباتوا اليوم يرتدون الزي الرسمي وربطات العنق، ويذهبون إلى المكاتب الأنيقة، وكل هذا يجعلهم يحتاجون إلى مبالغ مالية ضخمة، تعبر عن متطلبات المرحلة لأشخاص يشعرون بأنهم هم الذين جاءوا (بالتحرير والاستقلال والسيادة) للعراق، كما يزعمون.

نشر المقال هنا

comments powered by Disqus
خدمة RSS LinkedIn يوتيوب جوجل + فيسبوك تويتر Instagram

عدد الزوار :116,741,765

تطبيق الموبايل

-->

آخر الزيارات

مساحة اعلانية

الأكثر قراءة

الأكتر مشاهدة

تابعنا على "فيس بوك"