الخطر الإيـراني جنوب سوريا تجاه (إسرائيل)… اختفى أم كان وهماً؟

بالرغم من صمت (إسرائيل) عن التواجد الإيراني العلني في سوريا منذ سنوات، وإجماع الكثيرين على أن الفرق العسكرية المدعومة من إيران على حدود الكيان (الإسرائيلي) ليست مسلحة بالشكل الذي يهدد أمن الأخيرة، كما انه يمكن ل(اسرائيل) التعامل معها وسحقها حتى اقتلاع قواعدها بهجوم جوي وبري، إذا لزم الامر، الا ان تل ابيب انتفضت من جديد ضد الوجود الإيراني بالقرب من حدودها، ورأت به بعد مرور أكثر من 6 سنوات على تواجده تهديداً مباشراً لأمنها، حيث كشف مسؤول (إسرائيلي)، عن رفض حكومته طرحاً روسياً خلال اجتماع بين رئيس الوزراء (الإسرائيلي) بنيامين نتنياهو ووزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف، يقضي بإبعاد القوات الإيرانية لمسافة مئة كيلومتر على الأقل عن خط وقف إطلاق النار في هضبة الجولان، حيث قال نتنياهو «لن نسمح للإيرانيين بإرساء وجودهم حتى ولو على بعد مئة كيلومتر من الحدود»، مما أثار تساؤلات حول سماح (إسرائيل) بدخول تلك الميليشيات الى سوريا منذ 2012، والوصول الى حدودها، فكيف لها ان تكون خائفة أصلاً من الوجود الإيراني؟

ما يُقلق (اسرائيل)، برأي خبراء ومحللين ليس وجود ميليشيا حزب الله اللبناني والحرس الثوري الإيراني الذي يقوده قاسم سليماني وغير ذلك من الميليشيات التابعة له، بل هو قلق من إضفاء الشرعية الروسية على الوجود الإيراني الاستراتيجي على المدى الطويل في سوريا، خصوصاً بعد تصريحات إيرانية رسمية بأن قواتها موجودة في سوريا بناء على طلب رسمي من النظام السوري، فضلاً عن محاولة روسيا تطمين (اسرائيل) عبر تصريحات المبعوث الروسي إلى سوريا امس بأن القوات الإيرانية سحبت أسلحتها الثقيلة إلى مسافة 85 كيلومتراً من الحدود بين (اسرائيل) وسوريا في هضبة الجولان، وهو ما يتناقض مع الاتفاق الموقع بين روسيا والولايات المتحدة والأردن، في الحادي عشر من تشرين الثاني /نوفمبر العام الفائت، الذي نص على أنه يتعين على جميع القوات الأجنبية الانسحاب من سوريا بشكل كامل.

«الهلال الشيعي»

وفي هذا الإطار قال الباحث السياسي سعد الشارع إن الخطر الإيراني على (اسرائيل) لا يتلخص في تموضع إيران في المنطقة الجنوبية من سوريا على حدود الكيان (الاسرائيلي)، بل يتعداه الى تواجدها في العمق السوري، وخاصة ان ميليشيات ايران تسيطر على الطريق البري الذي يسمى الهلال الشيعي الذي ارادت بناءه منذ سنوات، حيث تمكنت خلال الاشهر الأخيرة بالفعل من ايصال مناطق سيطرتها جغرافياً من طهران مروراً ببغداد، إلى دمشق وبيروت.

ومن الواضح ان هذا الطريق يدعم الوجود الإيراني لوجستياً وعسكرياً، وهو يزيد من نفوذها الاداري والاجتماعي وحتى الديني، مما يساهم في تعاظم نفوذ ايران ويشكل خطراً على الكيان (الاسرائيلي).

وذهب المتحدث السوري الى ان (اسرائيل) تخشى ان يتم الاستفادة من هذا الطريق او من الحضور الايراني في سوريا من قبل حركة «حماس» الفلسطينية، وهذه النقطة تشكل قلقاً من اي دعم ايراني لمجموعات حماس عبر هذا الطريق.

وفي سياق السياسة الروسية التي تسعى الى تطمين (اسرائيل) كان التصريح الروسي الذي قال امس ان السلاح الايراني ابتعد عن حدود الكيان (الاسرائيلي) نحو 85 كيلو مترًا، حيث رأى «الشارع» ان ذلك لن يلبي رغبات (اسرائيل) او يرضيها حتى ولو كان مرحليًا. وأضاف ان (اسرائيل) طموحاتها اعلى من ذلك، فهي تريد ان تخلي سوريا بالكامل من هذه الميليشيات، لاهداف بعيدة، وربما تنتظر توافقات إقليمية على ذلك، أهمها إصرار أميركي لاقتلاع ايران من سوريا، مشيراً الى ان «المقاربة الأمريكية قائمة على إعادة تجاذبات في الملفات الايرانية كاملة سواء بوجودها في سوريا او نفوذها في الدول الخليجية».

وعلى ما يبدو أنه ليس من اولويات واشنطن الآن التواجد الإيراني في سوريا، لذلك انسحاب إيران ولو كان جزئياً من المنطقة الجنوبية من سوريا لا يجعل (اسرائيل) بمأمن بحسب التصريحات (الاسرائيلية) على الأقل.

ونفذت (اسرائيل) في وقت سابق من العام الجاري سلسلة واسعة من الغارات الجوية على المواقع العسكرية داخل سوريا قالت إنها موجهة ضد تمركز القوات الإيرانية في العديد من المحافظات السورية.

الوهم الإيراني

ولم تكن إيران، وفق المحلل السياسي والعسكري السوري محمد العطار، تشكل خطراً حقيقياً على (اسرائيل)، وكل ما نفذته إيران منذ عام 1980 حتى اليوم، أي من أيام «الثورة الإسلامية الإيرانية»، كانت سياستها الخارجية تنفيذاً لمآرب (اسرائيل)، ضمن مخطط بيني غير معلن، ولكن انعكاساته على الأرض تصب في هذا الاتجاه.

وفي أحداث الثورة السورية، رأى العطار، أن التوغل الإيراني في العمق السوري، كان تلبية للرغبات (الاسرائيلية)، ولو لم يكن كذلك، لما سمح لها بالتحرك المريح في سوريا.

ولكن التصور (الاسرائيلي) المستقبلي، من وجهة نظر المصدر، يركز على المدى البعيد، فالتصور (الاسرائيلي) للانتشار الإيراني الشيعي في سوريا، قد يشكل تهديدات أو إبتزازات ل(اسرائيل) أو الولايات المتحدة الأميركية، خاصة مع نجاح طهران بتخريب النسيج الاجتماعي السوري، والسيطرة على مفاصل الدولة فيها.

وقال العطار: «الانسحاب الإيراني غير المشروط من جنوب سوريا، يعطي ورقة قوة جديدة لل(اسرائيليين)، بأنهم القوى العظمى الوحيدة في الشرق الأوسط، وكل ما ترغب به تل أبيب، يجب أن ينفذه الجميع، وإيران بكل تأكيد، على رأس الجهات المعنية بذلك».

وحظيت عودة قوات النظام السوري لحدود هضبة الجولان المحتل، بحفاوة (اسرائيلية) رسمية، إذ بدا وزير الحرب (الاسرائيلي) أفيغدور ليبرمان أكثر تفاؤلاً أثناء جولة تفقد فيها بطاريات الصواريخ المضادة للطائرات، بسبب ما وصفها بـ»انتهاء الحرب الأهلية في سوريا، وعودة حدود الجولان المحتل للهدوء، مع عودة نفوذ حكومة دمشق على المنطقة».

ليبرمان قال للصحافيين، وفق ما نقلته رويترز: «من منظورنا فإن الوضع يعود إلى ما كان عليه قبل الحرب الأهلية مما يعني أن هناك جهة يمكن مخاطبتها وشخصاً مسؤولاً وحكماً مركزياً»، وقال: «لا نسعى لاحتكاكات، لكننا سنعرف كيف نرد على أي استفزازات وأي تحديات».

من هو العدو؟

عودة قوات النظام السوري إلى حدودها والاحتفاء به، هو مطلب (اسرائيلي)، ولو لم يكن ل(اسرائيل) يد بعودة النظام للحدود، لما حقق الأسد أدنى الخطوات في هذا الاتجاه، وبالتالي فإن عودة قوات النظام السوري للحدود، كان مشروعاً (اسرائيليا)ً، نفذه جيش الأسد.

البهجة (الاسرائيلية) بعودة النظام السوري إلى حدودها، حدث هام لتل أبيب، بحسب رؤية العطار، فهذه القوة التي عادت، حمت حدودها لعقود طويلة، لم يحدث خلالها تطور واحد لا على مستوى الأفراد أو الكتل ضد الجيش (الاسرائيلي)، ومن هنا ف(اسرائيل) تعرف وتدرك من جلبت إلى حدودها.

توقيت قاتل

الخبير في العلاقات الدولية العطار، قال: «إذا ما لاحظنا توقيت عودة النظام السوري إلى الحدود مع (اسرائيل)، فسنجد أن الأسد بعد نجاح المخطط (الاسرائيلي) الأول، بالحفاظ على الأسد، مقابل تدمير المحافظات السورية، وتمزيق المجتمع المدني، وإعادة سوريا مئة عام للخلف».

وبالتالي فإن عودة النظام إلى الحدود، هدفه إنعاشه إلى مئة عام قادمة، وبالتالي يمكننا القول: «الشعب السوري، كان العدو المشترك للأسد و(الاسرائيلين)، وكلاهما خطط ونسق لإيصاله للنتيجة التي وصل إليها اليوم».

وقال الباحث الدولي في مركز عمران للدراسات معن طلاع: شكلت معارك الجنوب السوري، تحولاً متوقعاً في التعاطي الأميركي مع الملف السوري، إذ باتت بوصلته متوافقة (في الهدف) مع الحركية العسكرية الروسية الرامية لتعزيز سلطة قوات النظام السوري على الحدود والمعابر السورية، مقابل ادعاءات موسكو بضبط ميليشيات طهران في الجنوب والتي باتت جزءاً أصيلاً في مكونات الجيش لا سيما الفرقة الرابعة والحرس الجمهوري وقوات النمر.

روسيا تبيع الأوهام

هذا الادعاء، وفق ما قاله طلاع ، أتاح لموسكو تزايد فرص بيعها للمجتمع الدولي وهماً اسمه ضبط وإعادة هندسة التموضع الإيراني الذي لا تمتلك روسيا الرغبة أو القدرة في تنفيذ هذا المطلب حتى لو صرحت مراراً وتكراراً حول رغبتها في تنفيذه، وذلك بحكم تغلغل إيران الواضح في بنية وعصب النظام لاسيما في مؤسسات الأمن والدفاع.

من جهة ثانية تكشف هذه الصفقة، وفق الباحث، وما رافقها من موافقة مبدئية من (اسرائيل) ثوابت عدة باتت جلية في معادلات أمن المنطقة، أولها مدى ثقة (اسرائيل) بتواجد قوات الأسد على حدودها لضمان عودة الضبط، وهذا يكشف بما لا لبس فيه زيف شعارات المقاومة والتصدي التي استخدمها النظام وحليفه الإيراني كسلعة استهلاكية لشرعنة حركتهما السياسية محلياً واقليمياً، فضمان تواجدهم كعناصر أساسية في هذه المعادلات من شأنه تعزيز فرص تموضعهم المركزي في أي نظام إقليمي آخذ بالتشكل.

ومن جهة ثالثة، ثبتت طبيعة التفاهمات الأمنية في الجنوب السوري تفرد موسكو بكافة الأدوات السياسية والعسكرية والتي استخدمتها سياسياً، متكئة على «مكتسباتها الميدانية» في تحقيق انحرافات عدة في شكل العملية السياسية وأجندتها، وجعلها أكثر اتساقاً مع استراتيجية «تمكين النظام مع بعض الإصلاحات الشكلية؛ وتنفيس استحقاقاته كافة المرتبطة عضوياً بمسببات الصراع وليس نتائجه فقط.

«الأسد أو التطرف السني»

ودفع النظام ومن خلفه طهران إلى توجيه المشهد السوري نحو ثنائية (الأسد أو التطرف السني)، وذلك عبر أدوات عدة أهمها، وفق ما قاله الباحث في مركز عمران معن طلاع، الخطاب الطائفي الذي مارسته طلائع ميليشياتها في سوريا منذ بداية عام 2012؛ والذي شكل محرضاً لتبلور قوى عسكرية إسلامية مناهضة لهذا التواجد، ناهيك عن أدرك النظام مع بداية العام 2014 أهمية «الإرهاب» كمدخل في إعادة تحسين تموضعه السياسي واحتمالية التعويم الدولي، فكان أن اعتمد إلى نقل الصراع إلى مستويات جديدة والبدء مع العام 2014 بإدارة الإرهاب بشكل غير مباشر ضمن الصراع، عبر عدة تكتيكات أهمها؛ دعم تنظيم الدولة الإسلامية على التمدد في الجغرافية السورية ككتلة سائلة، من خلال تسهيل سيطرته على مساحات جغرافية واسعة عبر عمليات انسحاب عسكري مدروس من عدة نقاط لتسهيل حركة التنظيم وتوجيهها (العمليات الأخيرة في السويداء نموذجاً)، في إطار تحقيق أهداف عدة على المستوى المحلي والإقليمي والدولي.

في المقابل انتقل التعاطي السياسي الدولي باتجاه هذا الدفع متغاضياً عن كم الجرائم والانتهاكات التي مارستها ولا تزال تلك الميليشيات والتي كانت سبباً رئيسياً في التهجير وتنامي خطاب «التطرف»، وعلى الرغم من هذه البراغماتية الدولية إلا أن معطيات الاستقرار ستبقى مرتبطة بسياسات تراعي جذر المشكلة ومسبباتها وهذا ما لا يلحظ في عموم السياسات المتبعة، الامر الذي من شأنه أن يجعل أي استقرار متخيل هش ولا يملك أسباب استدامته.

المصدر

comments powered by Disqus
خدمة RSS LinkedIn يوتيوب جوجل + فيسبوك تويتر Instagram

عدد الزوار :104,946,116

تطبيق الموبايل

-->

آخر الزيارات

مساحة اعلانية

الأكثر قراءة

الأكتر مشاهدة

تابعنا على "فيس بوك"