فوز عمران خان.. ارتياح في طهران وانزعاج في الرياض

اكتسب شهرته في عقدي السبعينيات والثمانينيات شخصية ناشطة في حفلاته التي لا تنتهي في نوادي لندن الليلية، على الرغم من أنه يدعي أنه يكره الحانات الإنجليزية، ولم يشرب الخمر ولم يدخن مطلقا.

واكتسب شهرة في أعمدة "القيل والقال" في صحف لندن، بسبب الفتيات الثريات والجميلات والرومنسيات اللواتي مررن مرورا عابرا في حياته.
غالبا ما وصف بأنه سياسي مغمور، وساذج، ليس له وزن يذكر في باكستان، وتصفه الصحف المحلية بـ"السياسي المفسد"، وليس الفاسد.
معارضوه يقولون بأنه "يمثل فشلا كاملا" في السياسة، وما يبقيه على قيد الحياة التغطية الإعلامية فقط.
ومن تصدر صفحات مجلة "بلاي بوي" في فترة الثمانينيات في لندن، قفز إلى الواجهة السياسية في دولة  تمتلك سلاحا نوويا، وبعدد سكان بلغ 250 مليون نسمة، ويعاني من "العنف" وعدم الاستقرار الاقتصادي، وعلاقات متوترة باستمرار مع الجارة الهند، ومع حليف استراتيجي مثل الولايات المتحدة الأميركية.
عمران خان نيازي المولود في عام 1952 في مدينة لاهور، عاصمة إقليم البنجاب، حيث استقر والده المهندس المدني الذي ينحدر من قبيلة نيازي من الباشتون، كان صبيا هادئا وشابا خجولا، تلقى تعليمه في "كلية أيتشسون" في مدينة لاهور، ومدرسة "القواعد الملكية" في إنجلترا، وفي عام 1972 ألحق بكلية "كيبل" في أكسفورد لدراسة الفلسفة والسياسة والاقتصاد.
في عام 1995، تزوج خان سيدة المجتمع الإنجليزية جيميما ابنة الملياردير جولد سميث التي تحولت إلى الإسلام، في حفل ديني مدته دقيقتان في باريس، وبعد ذلك تزوجا في حفل مدني في ريتشموند في إنجلترا، وبعد نحو 9 سنوات أعلن طلاقه من جيميما لصعوبة تأقلمها على المعيشة في باكستان.
بداية نجوميته كانت من خلال لعبة الكريكيت، وظهر خان لأول مرة بشكل باهت في هذه اللعبة، ولم يكن سوى لاعب كريكيت ذي معدل سرعة متوسطة.
في عام 1971، كان ظهوره الأول في مباراة تجريبية له بلعبة الكريكيت ضد إنجلترا في برمينجهام، وفي عام 1976، أصبح لاعبا أساسيا في فريقه الوطني.
تعلق خان بلعبة الكريكت الأكثر شعبية في باكستان منذ صغره، وبدأ نجمه بالسطوع في هذه اللعبة في بريطانيا ثم باكستان، التي قاد فريقها للفوز ببطولة العالم للكريكيت عام 1992 ضد إنجلترا في مدينة ملبورن في أستراليا، وامتد تعلقه بهذه اللعبة نحو السياسة، حيث اختار لحزبه شعارا انتخابيا هو مضرب الكريكت.
منذ تقاعده، تفرغ خان لكتابة مقالات رأي في صحف متنوعة، باكستانية وإنجليزية وآسيوية وهندية.
وركز خان جهوده بعد التقاعد من الرياضة على العمل الاجتماعي، وبحلول عام 1991، كان قد أسس مستشفى ومركز أبحاث السرطان، وهي منظمة خيرية تحمل اسم والدته شوكت خانوم التي توفيت متأثرة بهذا المرض، ويتحمل المستشفى 75% من تكلفة العلاج، كما أنه افتتح كلية تقنية في مقاطعة ماينوالي، أطلق عليها اسم "كلية نامال".
وبعد سنوات قليلة من عمله لاعبا، اقتحم خان ملاعب السياسة الوعرة، في الوقت الذي اعترف فيه أنه لم يصوت في أي انتخابات من قبل.

ومنذ أن ولج من باب السياسة الغامض بالنسبة له، كان أهم عمل سياسي قام به خان معارضة الحكام السياسيين، مثل: برويز مشرف، وآصف على زرداري، ونواز شريف، ومعارضته للسياسة الخارجية لبريطانيا والولايات المتحدة الأميركية.

ولم تؤخذ توجهات خان على محمل الجد، وكما قيل، وباعترافه هو شخصيا، فإن أبرز مؤيديه السياسيين كانوا من النساء والشباب. 
وكانت معركته السياسية متأثرة بالرئيس السابق للمخابرات الباكستانية الفريق حامد جول، والمشهور بدعمه لصعود "طالبان" ومناهضته لوجهات النظر الغربية.
وفي عام 1996، أسس خان حزبا سياسيا، أطلق عليه اسم "باكستان تحريك إنصاف"، مع شعار مقترح "إنصاف، وإنسانية، واحترام الذات".
وفي أول تجربة انتخابية له عام 1997، هزم خان بشكل شامل، ولم يتمكن من الحصول على أي مقعد في البرلمان.
ورغم دعمه للانقلاب العسكري بقيادة الجنرال برويز مشرف عام 1999، إلا أنه عاد وندد برئاسته قبل أشهر عدة من الانتخابات العامة في عام 2002.
والعديد من المعلقين السياسيين ومعارضي خان وصفوه بالمتقلب، الذي يغير موقفه بشكل انتهازي، وقد شرح وجهة نظره لاحقا بقوله: "آسف على دعم الاستفتاء، لقد أُفهمت أنه عندما يفوز فإن الجنرال سيبدأ في عملية لإصلاح الفساد، لكن حقيقة لم يكن هذا شغله الشاغل".
في موسم انتخابات عام 2002، عبر عن معارضته لدعم باكستان اللوجستي لقوات الولايات المتحدة، بدعوى أن دولتهم أصبحت خادما للولايات المتحدة. موقفه هذا ساعده على الفوز بمقعد واحد في الانتخابات البرلمانية لاحقا.
وكان خان من أوائل الشخصيات التي انتقدت في عام 2005 مقالة نشرت في مجلة "نيوزويك"، عن "تدنيس" القرآن الكريم  في سجن عسكري للولايات المتحدة في  غوانتانامو. 
وفي عام 2006، ذكر متعجبا: "مشرف يجلس هنا وهو يلعق حذائي بوش". 
وأضاف في نقده لزعماء العالم الإسلامي لدعمهم إدارة بوش: "إنهم عرائس متحركة يحكمون العالم الإسلامي، نحن نريد السيادة الباكستانية. لا نريد لرئيسنا أن يكون كلبا لجورج بوش".
وخلال زيارة جورج بوش لباكستان في عام 2006 وضع خان قيد الإقامة الجبرية في إسلام أباد بعد تهديداته بتنظيم مظاهرة احتجاجية.
وفي عام 2007، وضع خان قيد الإقامة الجبرية في منزل والده بعد ساعات من إعلان الرئيس مشرف حالة الطوارئ في باكستان. وطالب خان بعقوبة الإعدام لمشرف بعد فرض حالة الطوارئ، والتي سوى بينها وبين "الخيانة".

هرب خان من السلطات الباكستانية واختبأ في مكان مجهول لينضم إلى حركة الطلاب المعارضة في جامعة البنجاب، وألقي القبض عليه فيما بعد بمقتضى قانون مكافحة الإرهاب، بزعم تحريض الشعب على حمل السلاح، والدعوة للعصيان المدني، ونشر الكراهية.

على ضوء ما جرى معه وممارسات مشرف قرر حزبه مقاطعة الانتخابات المحلية في عام 2008. فأعيد خان من جديد إلى الإقامة الجبرية في حملة قام بها الرئيس الباكستاني آصف علي زرداري على الاحتجاجات المناهضة للحكومة عام 2009.
وتضمن برنامج خان السياسي وتصريحاته مجموعة من المفاهيم والقيم الإسلامية، وما كرس نفسه له خلال فترة التسعينيات، من اقتصاد حر، وخلق دولة الرفاه، ومحاربة البيروقراطية، وإقرار قوانين مكافحة الفساد، وضمان حكومة نظيفة، وتأسيس قضاء مستقل، وإصلاح نظام شرطة الدولة، ومجابهة الرؤية العسكرية لباكستان ديمقراطي.
وكعضو في البرلمان، فقد صوت خان أحيانا لصالح كتلة التيار الإسلامي "المتشدد"، مثل تحالف الأحزاب الدينية في باكستان، ويوضح خان موقفه بقوله: "إنه ومع مرور الوقت فلا بد للفكر الديني أن يتطور، ولكنه ليس تطورا، إنه رد فعل ضد الثقافة الغربية، وفي الغالب ليس لديه ما يقوم به تجاه العقيدة أو الدين".
والمراقبون السياسيون يقولون إن الجماهير التي يجذبها خان تعود بالدرجة الأولى إلى كونه لاعب كريكيت شهير، والجماهير تعتبره شخصية للتسلية أكثر منه سلطة سياسية جادة.
فيما وصفت صحيفة "الغارديان" البريطانية خان بأنه "سياسي بائس"، ملاحظة أن أفكار خان وانتماءاته قد انحرفت وانزلقت منذ دخوله المعترك السياسي، كـ"عربة يد في الأمطار"، فهو يدعو إلى الديمقراطية في يوم ثم يعطي صوته لزعيم ديني في اليوم التالي.
التهمة التي دائما ما أثيرت ضد خان هي "النفاق والانتهازية"، بما في ذلك "منعطف حياته من مستهتر إلى متزمت".
ما اتهم به خان من قبل منافسيه ووسائل الإعلام لم يكن له أي تأثير على وضعه السياسي فقد واصل خان تقدمه حتى تمكن في عام 2011 من مزاحمة حزب "الشعب".
وفي انتخابات عام 2013 حل حزبه في الترتيب الثالث في البرلمان الاتحادي، ونجح في تشكيل حكومة ائتلافية في أحد الأقاليم مع أحزاب عدة من أبرزها "الجماعة الإسلامية".
وفي فترة حكومة حزب "الرابطة الإسلامية"، اتهم خان، الحزب بتزوير الانتخابات في عدد من الدوائر الانتخابية، وقاد حملة احتجاجات واعتصامات ضد سياسات حكومة نواز شريف كان أبرزها اعتصام عام 2014 بمشاركة "حركة منهاج القرآن" التي كادت أن تطيح بالحكومة.
ومعارضة خان لحكومة شريف لم تتوقف عند أية خطوط، وكان الكشف عما يعرف بقضية أوراق بنما عام 2016 حول "ملاذات آمنة" وتهريب لأموال وممتلكات شخصيات دولية، علامة فارقة، وبالرغم من أن الوثائق لم تتضمن اسم شريف، إلا أن ورود أسماء 3 من أبنائه مثل فرصة ذهبية لعمران وحزبه للمطالبة باستقالة شريف والتحقيق معه وأسرته بالفساد.
وبالفعل تكللت محاولات عمران خان بالنجاح وأقيل شريف من منصبه لعدم الأهلية، ولاحقا تمت ملاحقته وأفراد من أسرته وعدد من قادة حزبه قضائيا، وهو ما استفاد منه خان في حملته الانتخابية وحشد أنصاره حتى أنه استمال بعض قادة حزب "الرابطة" للانضمام إلى صفوفه والفوز في انتخابات عام 2018.
يتهم خان بأنه لم يكن ليفوز في الانتخابات أواخر الشهر الماضي دون دعم ما يوصف بـ"الدولة العميقة" وعلى رأسها الجيش وهو ما نفاه الجيش وعمران مرارا.
وفي خطاب النصر أطلق خان وعودا عريضة، ودعا إلى الوحدة وطالب بفتح صفحة جديدة مع خصومه، وأكد أن حكومته لن تضطهد أيا من خصومها سياسيا، لكنها ستنفذ القانون على الجميع، وأعرب عن استعداده لفتح تحقيق في اتهامات بعض الأحزاب بالتلاعب وتزوير الانتخابات.
وخلال خطابه، أكد أنه يتطلع لعلاقات متوازنة مع الولايات المتحدة مبنية على المصالح المتبادلة، وشدد على أهمية عودة الأمن والاستقرار إلى أفغانستان، معتبرا أن ذلك يصب في مصلحة باكستان.
وحول العلاقات الهندية الباكستانية أعرب خان عن استعداده للحوار والسلام مع نيودلهي بما يصب في مصلحة البلدين والمنطقة، لكنه لم ينس انتقاد الانتهاكات التي تقوم بها القوات الهندية في كشمير وتدخلها في الشؤون الباكستانية.
لا يبدو صعود عمران خان مطمئنا لبعض الدول العربية ومن بينها المملكة العربية السعودية، في المقابل لم تخف إيران ارتياحها لفوز خان الذي يتوقع أن يقوم بخطوات مؤثرة من بينها قد يكون الانسحاب من التحالف الإسلامي وغيرها من الخطوات الإقليمية التي لن تعجب عواصم عربية أخرى. 

فوزه الصادم قد يحتاج إلى وقت لاستيعابه، وكانت العالمة السياسية كريستين فاير في تصريحات لصحيفة "نيويورك تايمز" الأميركية، صريحة بقولها إن "عمران خان مجرد دمية متحركة، وصل إلى مكانته اليوم بفضل مؤسسة الجيش وجهاز المخابرات العسكرية"، وأن هذه الجهات سخرت كل جهودها لفوز عمران خان في الانتخابات.
وعلى الرغم من أن عمران خان ينتمي إلى عائلة ثرية، إلا أنه لم تسجل ضده أي فضيحة فساد مالي، الأمر الذي دفعه إلى انتقاد السياسيين السابقين بحرية مطلقة. 

لكن وهج النصر قد لا يدوم طويلا، فالجهات الداعمة له ستطالبه بدفع الثمن كما دفعه غيره، والدول الإقليمية والمؤثرة ستحاول استثمار الوافد الجديد على الساحة السياسية الباكستانية.

المصدر

comments powered by Disqus
خدمة RSS LinkedIn يوتيوب جوجل + فيسبوك تويتر Instagram

عدد الزوار :110,601,758

تطبيق الموبايل

-->

آخر الزيارات

مساحة اعلانية

الأكثر قراءة

الأكتر مشاهدة

تابعنا على "فيس بوك"