الاستثمار السياسي في الوجع الشعبي

د. مثنى عبدالله

ها قد مضى شهر على ثورة الجياع والمحرومين في الجنوب العراقي. وفي الوقت الذي لا يجد العراقي في محافظات البصرة وميسان وذي قار والمثنى والقادسية وواسط، طريقا حديثا يسيرون عليه، أو مدرسة يقاتل فيها أبناؤهم الجهل والأمية، أو مستشفى حديثا يُحصنّهم من الأمراض، أو لقمة خبز بكرامة، تسرق الأحزاب والميليشيات الطائفية والعصابات المسلحة، الثروات من بحيرة النفط التي تحت أقدامهم، ثم تتحول الأموال المسروقة إلى أرصدة في البنوك العالمية، وقصور ويخوت وشركات في العواصم الكبرى لحساب زوجاتهم وأبنائهم وأقربائهم 

ومنذ انطلاقة التظاهرات الاحتجاجية على الوضع المأساوي الذي يعيشه الناس في الخامس من تموز/يوليو الماضي وحتى اليوم، صدرت مئات البيانات والتصريحات من قبل كل الطبقات السياسية الحاكمة، كانت كلها تدين الفساد وتعلن الحرب عليه. 
ولو أمعنا النظر في كل ذلك لوجدنا أن كل هؤلاء يحاولون ركوب موجة التظاهرات، والظهور بمظهر الحريص على الشعب والوطن، في حين أنهم هم الفاعلون الرئيسيون في الحالة العراقية الراهنة. علما أن مساهماتهم في صنع المأساة لم تكن وليدة لحظة الغزو والاحتلال، بل سبقتها بأكثر من عقد من الزمن. فمنذ عام 1991 حين فُرض الحصار على العراق، انطلقت هذه الأصوات نفسها من الاحزاب عينها، والشخصيات المتصدرة اليوم في المشهد، وكانوا كلهم يصرخون في الفضائيات بضرورة تدمير العراق. وكلما يُناقش المجتمع الدولي القرارات المفروضة علينا، لبيان إمكانية رفعها أو تخفيفها، يرتفع زعيقهم في عواصم الدول الاوروبية متوسلين بإبقاء الحصار، غير آبهين بملايين الأطفال الذي قُتلوا من جراء نقص الغذاء والدواء. وحين عقد الغزاة العزيمة على الغزو كانت هذه الأصوات عينها التي نسمعها اليوم، تطلق الخطط التنموية الانفجارية للعراق الجديد، وتُعلن عن مشاريع استراتيجية في البنية التحتية، وعن مفردات بطاقة تموينية مستوردة من أرقى شركات الغذاء العالمية، ثم تبخرت كل هذه الوعود وعاد العراق إلى العصر الحجري على أيديهم. 
اليوم يعود السيناريو نفسه إلى الواجهة، ويتكرر المشهد عينه ذلك الذي حدث بالامس، فها هو رئيس وزراء نظام المنطقة الخضراء العراقي يتحدث في التاسع والعشرين من الشهر الماضي، في لقاء مع وجهاء وشيوخ عشائر محافظة واسط، واعدا إياهم بتحسين الواقع الصحي، من خلال توسيع وإكمال المستشفيات المُعطلة، وتشغيل المصانع المتوقفة منذ عام 2003، وتدقيق فوري للاحتياجات من الأبنية المدرسية، ودعم القطاع الزراعي وإعادة جدولة الديون والقروض المترتبة على الفلاحين، وتأمين التخصيصات المالية لإعادة تأهيل وتحسين البنى التحتية، وإجراء التدقيق الفوري لعملية توزيع مواد البطاقة التموينية، وإنشاء ملعب رياضي لشباب المحافظة، وتأمين الحصة المقررة من الكهرباء إلى كل المدن والقرى فيها. كل هذه الوعود سينفذها رئيس وزراء نظام المنطقة الخضراء الحالي وهو رئيس وزارة تصريف أعمال لا غير. إذن أليس من الانصاف أن يُسأل لماذا لم يحقق كل هذه الوعود، أو نصفها أو ثلثها خلال مدة ولايته التي مضت والبالغة 4 سنوات؟ أما كان الأجدر أن ينهض أحد الوجهاء أو الشيوخ ليسأله هذه السؤال؟ لكن يبدو أن رئيس وزراء نظام المنطقة الخضراء أدرك أنه قد وضع نفسه في موضع الإدانة، وفهم أن إطلاق كل هذه الوعود دفعة واحدة تعني محاولته الواضحة لركوب موجة التظاهرات، والتسلق على أكتاف المحتجين لولاية ثانية. فما كان منه الا تبرير عجزه عن تنفيذ شيء خلال الأربع سنوات الماضية بالقول، «إن إستباب الأمن جزء مهم للنهوض بالبلد وتقديم الخدمات، وإن قواتنا مازالت تقوم بملاحقة ما تبقى من جيوب الإرهاب».
إذن عُدنا مرة أخرى للتعكز على نغمة العجز عن تقديم الخدمات بحجة محاربة الارهاب، وعلى الرغم من أن الإرهاب الذي يتحدث عنه، ويعتبره سببا في الحالة العراقية الراهنة، من جوع وعوز وفقدان أبسط مستلزمات الحياة، كان بسبب السياسات الاقصائية الهوجاء والعقيمة التي مارسها حزبه، عندما كان أمين عام الحزب رئيسا للوزراء ل8 سنوات. فإن رئيس وزراء نظام المنطقة الخضراء يبدو وكأنه لم يقرأ جيدا تاريخ بلده المملكة المتحدة، التي يحمل جنسيتها باعتباره مواطنا بريطانيا، ففي أثناء الحرب العالمية الثانية كانت الصواريخ تتساقط على لندن، لكن الساسة الإنكليز كانوا يجتمعون في أي مكان يمكن أن يكون آمنا كي يناقشوا ما يمكن تقديمه إلى شعبهم في تلك الظروف الحالكة. وكان أن أسسوا أول وأهم نظام للحماية الاجتماعية في كل أوروبا الى الآن. كما شرعوا بتوفير الغذاء والدواء وإيصاله الى المحتاجين والعجزة والمعوزين في كل الخريطة البريطانية. 
معنى ذلك أن تحقيق الإصلاحات الاجتماعية والاقتصادية يمكن أن يتم حتى في أحلك الظروف مرارة، في حال وجود طبقة سياسية شريفة تؤمن بأن دورها هو خدمة الانسان بكل نكران ذات وإخلاص. لذا فالحجة بتأجيل الإصلاحات لظروف داخلية أو خارجية، سوف تُبقي الاصلاحات دائما مؤجلة، لأن الظروف لا يمكن التحكم بها أو ضمانها في أن تكون دائما في مصلحة الدولة. كما أن التأجيل لا يخدم أي نظام سياسي، لأن الحياة في حالة حركة دائمة، ومطالب الشعب الحياتية تبقى في حالة توسع.
إن التحذيرات التي يطلقها رئيس وزراء نظام المنطقة الخضراء العراقي، وغيره من أركان الطبقة السياسية الفاسدة، (من محاولة الفاسدين ركوب الموجة) وأن (هؤلاء يحملون شعارات براقة ويجب التعاون لكشفهم)، وفق نص قوله الذي نشره مكتبه الإعلامي، هي كلها محاولات مستميتة لوأد الحراك الجماهيري الذي يجوب المحافظات الجنوبية. إنهم يسعون بكل الوسائل لتشويه التظاهرات العفوية والمطلبية، وتصويرها على أنها خروقات أمنية تستهدف أمن الدولة والمجتمع، وتسعى لتقويض النظام السياسي في البلد، لأنهم يعرفون جيدا أنهم قد استنفدوا الفترة المسموحة لهم من قبل الشعب، ولم يحققوا أي إنجاز يمكن الاستناد إليه كمرتكز شرعي يبرر وجودهم في قمة هرم السلطة، بل إن وجودهم كشف عُقمهم حتى لمن كانوا يُعتبرون مؤيدين ومناصرين لهم. وكان أكبر دليل على ذلك هو سقوط الرؤس الكبيرة في الانتخابات الماضية، بعد عزوف كبير عن المشاركة مارسه الناس بعفوية كاملة.
إن الطبقة السياسية الحالية ما زالت تُراهن على أن الارتباط بالخارج أهم من السلم الأهلي، لأنهم يرون في ذلك دعما سياسيا يؤبد وجودهم في السلطة. ولأن قوى الخارج الدولية والإقليمية لا تريد لهذه التجربة أن تُفنى، فإن التشويه والتخوين والقتل والاعتقالات ستبقى مقاربة مستمرة ضد التظاهرات الحالية. كما أنهم سيبقون يستعملون ورقة الإرهاب بوجه كل حراك جماهيري، لأن ظاهرة ما يسمى بالإرهاب أصبحت ظاهرة أقتصادية سياسية بالنسبة لهم. بها يوفرون أدوات تأثير وتحكم في المجتمع لتوجيه الجمهور وفق ما يريدون، وبها أيضا يستدرّون مخاوف الدول الأخرى لتقديم العون المادي والسياسي لهم. وهذا ما دفع رئيس الوزراء للهرب من مواجهة الاستحقاقات الشعبية بالقول «إن قواتنا ما زالت تقوم بملاحقة ما تبقى من جيوب الإرهاب، ونحن نعمل للقضاء على فكر الإرهاب وأيديولوجيته الفاسدة».
تبا لهم إنهم لا يريدون الاعتراف بأن سلوكهم السياسي على مدى أكثر من خمسة عشر عاما، كان أكبر حاضنة للإرهاب.

نشر المقال هنا

comments powered by Disqus
خدمة RSS LinkedIn يوتيوب جوجل + فيسبوك تويتر Instagram

عدد الزوار :110,370,300

تطبيق الموبايل

-->

آخر الزيارات

مساحة اعلانية

الأكثر قراءة

الأكتر مشاهدة

تابعنا على "فيس بوك"