رئة مَن ستتنفس بها إيران؟

د. مثنى عبدالله

ابتداء من يوم الثلاثاء 7 آب/أغسطس الجاري، أصبحت العقوبات الأميركية على إيران نافذة. العقوبات شملت جوانب عديدة، منها مشتريات الحكومة الإيرانية من النقد الاميركي (الدولار)، وتجارة إيران من الذهب والمعادن الثمينة الأخرى، والتحويلات المالية بالريال الإيراني، إضافة إلى نشاطات تتعلق بأي إجراءات مالية لجمع تمويلات تخص الدين السيادي الإيراني. 

وغرد الرئيس الأميركي ترمب على موقع التواصل الاجتماعي تويتر قائلا «كل من يتعامل تجاريا مع إيران لن يتعامل تجاريا مع الولايات المتحدة». وقد وصف العديد من الخبراء الاقتصاديين هذه الاجراءات العقابية بأنها الأقسى على طهران، وأنها ستشل الاقتصاد الإيراني، وتجعله مغلقا في وجه التعاملات الخارجية. فهل ستكون البوابة العراقية رئة تتنفس بها إيران، كي لا تخنقها العقوبات الاقتصادية؟
عادة ما تشكل دول الجوار المنقذ في حالة تعرض دولة ما لحصار اقتصادي فردي أو جماعي. ولو نظرنا إلى العلاقات السياسية والاقتصادية التي تربط طهران ببغداد، لوجدنا أن الاخيرة تشكل فرصة تاريخية للأولى في اللحظة الراهنة. فعلى المستوى الاقتصادي يتبين أولا، حجم التبادل التجاري بين الطرفين يقدر ما بين 9 إلى 14 مليار دولار سنويا لصالح إيران، وتدخل العراق يوميا أكثر من 2000 حاوية محملة بالبضائع.

ثانيا، حتى بضعة أسابيع مضت كانت محافظات الجنوب والوسط تستورد الطاقة الكهربائية من إيران، كما يشكل الغاز الإيراني مصدرا لنسبة 47% من الإنتاج الكلي للطاقة الكهربائية في العراق. ثالثا، تشكل السوق العراقية وجهة مثلى للتجارة الايرانية، بحكم الجوار الجغرافي، حيث لا تبعد مراكز ست عشرة محافظة عراقية عن إيران سوى 100 كيلومتر، ما يشكل فرصة كبرى لتجارة التهريب وامتصاص البضائع، على الرغم من سوء كفاءتها.

رابعا، سعت إيران إلى إنشاء مناطق للتجارة الحرة على الحدود مع العراق، لتعزيز صادراتها التجارية، ما جعلها في موقع جيو- اقتصادي مهم. وهنا لابد من الإشارة إلى أن معظم التجارة بين العراق وإيران هي تجارة بينية تتم خارج النظام المصرفي العام. وغالبا ما يتم البيع والشراء بين التجار العراقيين والايرانيين بالعملات المحلية لكلا البلدين، حيث يستفيد التاجر الايراني من بيع ما يملك من العملة العراقية للزوار القادمين إلى العراق بالملايين سنويا من إيران.

بينما يستفيد التاجر العراقي من العملة المحلية الايرانية التي يملكها لشراء البضائع من إيران. وفي الوقت الذي يُعتبر انخفاض العملة الإيرانية عاملا إيجابيا للسوق العراقية، حيث سترتفع القوة الشرائية للتاجر العراقي، وتمنحه فرصة شراء المزيد من البضائع، فإنه في الوقت نفسه يكون عاملا إيجابيا لايران في زيادة صادراتها إلى العراق، حيث أن انخفاض العملة تقابله زيادة في الصادرات. لذا ستكون الصادرات الايرانية إلى العراق المنقذ الرئيس للاقتصاد الإيراني.
أما في الجانب السياسي فلابد من القول بأن مستوى التأثير الإيراني في العراق لا يوازي التأثيرات الاخرى المقبلة من دول الجوار إطلاقا، بل يفوقها بكثير لأنها موجودة في بنية النظام السياسي العراقي، بينما تأثيرات الآخرين في مد وجزر، اعتمادا على عوامل كثيرة. هذا الوجود البنيوي منحها القدرة على استثمار واستغلال كل الإمكانات العراقية، وتطويعها لخدمة سياساتها، ودفع الأذى السياسي والاقتصادي عنها، لذلك كانت ردود الفعل شديدة وبلغة قريبة إلى لغة التهديد، تلك التي صدرت من كل أحزاب الإسلام السياسي الشيعي، على تصريحات رئيس الوزراء، الذي بين بأنه يرفض العقوبات على طهران، لكنه سيلتزم بها. فصانع القرار السياسي الايراني غير قادر على هضم مواقف كهذه، كما أنه يرفض رفضا قاطعا الفصل ما بين الساحات التي يتواجد أو ينشط فيها. إنهم يعتقدون أن سياسة التماهي مع العقوبات، والنأي بالنفس ومسك العصا من الوسط، تخلخل التماسك الذي يجب أن يكون عليه بينها وبين حلفائها، كما أنها تعتبر ذلك بداية لظهور تيار يشجع قيام سياسة منعزلة عنها، وهو ما لا تسمح به إطلاقا.
إن المرحلة المقبلة ستشهد نشاطا اقتصاديا كبيرا لإيران في العراق، في محاولة جادة للتخفيف من تأثيرات العقوبات الاقتصادية الاميركية عليها. وستتخذ خطوات كثيرة تعزز بها ما لديها من موارد بالعملة الصعبة من خلال السوق العراقية. فالبنك المركزي العراقي لديه مزاد يومي يبيع فيه مئات الملايين من الدولارات للمصارف المحلية والتجار العراقيين، الذين يشترون لتغطية تعاملاتهم التجارية مع الخارج. وهذه العملية يشوبها الكثير من الفساد، حيث تبين بأن العديد منهم يقدمون فواتير مزورة لبضائع وهمية بهدف الحصول على الدولار وتهريبه للخارج، وبذلك ستكون فرصة كبرى كي تدفع إيران بأذرعها لشراء العملة الصعبة من هذا المنفذ. ما سيؤدي إلى ازدياد الطلب على العملة الصعبة، ويشكل خطرا حقيقيا على اقتصاد البلاد، الذي هو في الأساس في حالة انهيار وشلل تام. كما أنها ستتخذ خطوات سريعة لإنشاء العديد من الشركات والمؤسسات تحت علم العراق، تكون منفذا يتيح لها استيراد ما حُظر عليها استيراده، إضافة إلى أنها ستسعى إلى تنويع طرق الشحن البري مع العراق وتوسيع مناطق التجارة الحرة معه، وابتكار وسائل وأساليب تزيد من تصدير بضائعها إليه، حيث قام العديد من المؤسسات والشركات التجارية الايرانية بتخفيض أسعار بضائعها للتجار العراقيين، شرط أن يكون الدفع بالدولار الاميركي.
يقينا سيكون الحصار الاقتصادي الاميركي على إيران مناسبة أخرى لتعزيز دورها السياسي في العراق، أكثر من أي وقت مضى. فلا يمكن فصل المسار الاقتصادي عن السياسي، وأن الاجتياح الاقتصادي الايراني الذي طاف في السوق العراقي، لم يكن ليحدث لولا السيطرة الكاملة على القرار السياسي فيه. لذا ستكون أكثر حرصا على إخراس كل صوت يغرد خارج سرب أعوانها وأذرعها في العراق.
هنا يجب الإشارة إلى أن العراق، وعلى الرغم من أنه بات سوقا رائجة للبضاعة الإيرانية، لكنه لن يكون حرا في التعامل التجاري مع إيران بعد العقوبات الأخيرة. فلن تقف الولايات المتحدة مكتوفة الايدي في حالة شعورها بأنه بات رئة تتنفس بها إيران. فالاميركيون قادرون على تقليص تدفق العملة الصعبة العائدة له من تصدير النفط من خلال عرقلة صادراته بالضغط على أسواقه النفطية.

نشر المقال هنا

comments powered by Disqus
خدمة RSS LinkedIn يوتيوب جوجل + فيسبوك تويتر Instagram

عدد الزوار :116,790,591

تطبيق الموبايل

-->

آخر الزيارات

مساحة اعلانية

الأكثر قراءة

الأكتر مشاهدة

تابعنا على "فيس بوك"