البصرة مدينة الأوبئة والأمراض وآلاف الإصابات

تفاقمت أزمة الخدمات التي تعصف في محافظة البصرة منذ أعوام، حتى وصلت إلى حدّ انتشار الأمراض والأوبئة الناتجة عن تلوث المياه وعدم صلاحيتها للاستهلاك البشري، وإصابة الآلاف من أبناء المدينة، الغنيّة بالنفط، بأمراض معوية جراء تلوث المياه وارتفاع نسب الملوحة، من دون اتخاذ الحكومة الاتحادية في بغداد أي إجراء لإنقاذ أبناء المدينة «المنكوبة».

وتقرّ الجهات الرقابية والمعنية بحقوق الإنسان، أن الأوضاع في محافظة البصرة خطيرة، عازية السبب إلى ارتفاع نسبة الملوحة وزيادة التلوث.
مفوضية حقوق الإنسان (منظمة أممية غير حكومية) قالت في بيان «نظرا للأوضاع الخطيرة والدقيقة التي تمر بها محافظة البصرة هذه الأيام من ارتفاع اللسان الملحي وزيادة التلوث الذي أدى إلى إصابات لآلاف المواطنين، فأنه لم يتم تسجيل أي فعل حكومي يوازي حجم الكارثة».
ودعت المفوضية، الحكومة المركزية ممثلة في رئيس وزراء نظام المنطقة الخضراء حيدر العبادي إلى «الانتقال مع وزراء الصحة والبيئة والموارد المائية للبصرة للوقوف على هذه الكارثة والإطمئنان على أهلها الذين يعدون الثروة الأعظم من النفط والذين يفتك بهم التلوث وما تشهده المحافظة من نقص في الأدوية»، مطالبة رئاسة الوزراء بـ«إعلان البصرة مدينة منكوبة بكل المقاييس الإنسانية».

مطلوب معالجات سريعة

ولم يُفلح الحراك الاحتجاجي الذي انطلق من مدينة البصرة قبل أكثر من شهر، في الضغط على الحكومة الإتحادية لإيجاد حل لأزمة الخدمات التي يعاني منها أهالي المدينة، باستثناء وعود بـ«ملايين الدولارات» من دون أي تطبيق على الأرض.
ومنذ نهاية ثمانينيات القرن الماضي، برزت مشكلة توفير المياه الصالحة للشرب لأهالي البصرة، غير أن الأزمة تفاقمت بعد احتلال العراق ولم تعد المياه صالحة حتى للاستحمام، أو للاستخدامات الأخرى، الأمر الذي يضطر البصريين لشراء المياه.
ناشطون على مواقع التواصل الاجتماعي، أطلقوا حملة كبرى حملت عنوان «انقاذ البصرة،» من سوء الواقع المعيشي وتردي الخدمات وفي مقدمتها تلوث المياه.
ووجه الناشطون نداءات إلى «كل دول العالم، وإلى كل شرفاء العالم، وإلى كل السفارات والقنصليات في العراق، نخاطبكم باسم الإنسانية، البصرة تقتلها الحكومة الإتحادية بعدم الاهتمام بها».
وأضافوا «البصرة منكوبة، البصرة تباد بالجملة من خلال عدم توفر الماء الصالح للشرب. المستشفيات تكتظ بالمرضى نتيجة التسمم بالماء المالح. البصرة تفتقر إلى أبسط مقومات الحياة، هنالك هجرة جماعية للإنسان والحيوان والطيور من البصرة، الثروة السمكية تباد بالكامل».
وبعكس ما كان متوقعاً، جاء الرد الحكومي، عبر وزارة الصحة الاتحادية، مغايراً للواقع تماماً، حيث نفت الأخيرة «تفشي أي وباء خطير في البصرة»، وأرسلت فريقاً مختصاً بالأمراض المعوية، وشحنات أدوية إضافية للمدينة.
وقال خلية الإعلام الحكومي، برئاسة رئيس وزراء نظام المنطقة الخضراء حيدر العبادي، في بيان إن «وزارة الصحة أرسلت فريقا وزاريا من الخبراء والمتخصصين في التحري الوبائي والأمراض المعوية والفحص المختبري، وشحنات إضافية من الأدوية والمستلزمات الطبية والمختبرية لمحافظة البصرة»، مبينة أن «الفريق برئاسة مدير المركز الوطني للسيطرة على الأمراض الانتقالية».
واضافت أن «وزارة الصحة أرسلت فريقا وزاريا آخر برئاسة الوكيل الإداري للوزارة زامل العريبي ومعاون مدير عام الصحة العامة في الوزارة محمد جبر، لأخذ عينات من المصابين في مستشفيات البصرة، وفحصها في مختبر الصحة المركزي في بغداد»، مشيرة إلى أن «الوفد ما يزال يتابع عمله في المحافظة خلال أيّام عيد الأضحى».
وأكدت أنه »لا يوجد أي دليل على حالة تفشي وبائي خطير كالكوليرا، وكل الحالات بسيطة أو متوسطة»، موضحة أنها «انتهت بعلاجات بسيطة، لم تستلزم الرقود في المستشفى حتى».
ونقلت الخلية عن المتحدث لوزارة الصحة، سيف البدر، قول إنه «لا يوجد نقص في الأدوية والمستلزمات الطبية بالبصرة»، لافتا إلى «توجيه وزيرة الصحة إرسال شحنات إضافية، من المغذيات والأدوية والمستلزمات الطبية إلى البصرة تحسبا لأي طارئ».

حق بديهي

وزير الموارد المائية، حسن الجنابي، أعلن «تعاطفه» مع أهالي البصرة، وفيما اعتبر توفير المياه «حقا بديهيا» للمواطنين، ألقى بجزء من المسؤولية على وزارة البلديات والأشغال العامة.
وقال في بيان «للتزود بمياه الشرب يجب توفر 3 عناصر: أولها مصدر المياه الخام، وثانيها محطات الإسالة لتنقية المياه وتعقيمها، وثالثها محطات الضخ وشبكة نقل وتوزيع المياه الصالحة للشرب إلى المنازل ومرافق الدولة الأخرى».
وبيّن أن «الجهة المسؤولة عن المياه الخام هي وزارة الموارد المائية، أما محطات الإسالة ومحطات الضخ وشبكات النقل وتوزيع المياه فهي مسؤولية وزارة البلديات في محافظات العراق كافة، ما عدا في بغداد فهي مسؤولية أمانة بغداد».
وأضاف «يوجد في البصرة أكثر من 14 محطة إسالة لمياه الشرب، تتراوح اعمارها بين 40 إلى 80 سنة، انشأت كلها على شط العرب بسبب عذوبة مياهه سابقا».
كذلك «أنشأت عشرات المجمعات المائية بعد عام 2003 وبعض وحدات التحلية التي لم يتم تشغيلها لأسباب عديدة، فمنذ الثمانينيات تردت مياه شط العرب وأصبحت غير صالحة للشرب وهي مستمرة بانحدار نوعيتها حتى يومنا هذا».
وتابع «في عام 1992 قررت الحكومة، وبناءً على استشارة دولية من قبل شركة بيني بارتنرز تزويد البصرة بمياه الشرب من نهر الغراف من منطقة تسمى "البدعة" في محافظة ذي قار التي تبعد عن البصرة 240 كم».
وأوضح أن «الاستشاري الدولي، آنذاك اقترح إنشاء محطة إسالة كبيرة في منطقة البدعة وضخ مياه الشرب إلى البصرة عن طريق إنبوب ناقل (دكتايل)، من البدعة إلى البصرة، للحفاظ على مياه الشرب من التجاوز وتوصيل الكمية التي تحتاجها البصرة».
لكن، ووفق المصدر ذاته «الحكومة السابقة وبسبب الحصار الإقتصادي ألغت فكرة إنشاء محطة الإسالة في منطقة البدعة وقررت بدلاً عن ذلك الاستمرار باستخدام محطات الإسالة القديمة المنشأة في البصرة على شط العرب، كما ألغت فكرة الأنبوب الناقل واستبدلت ذلك بقناة مفتوحة ثلثاها مبطن والثلث الأخير ترابي».
وحسب الوزير فإن «هذه القناة أنشأتها وتديرها وزارة الموارد المائية، وهي تعمل منذ عام 1997، وتنقل حالياً ما معدله 7 مترات مكعبة بالثانية، إلى أحواض مجمعة في البصرة قرب المطار، تسمى محطة (آر زيرو) تكفي هذه الأحواض لتزويد البصرة بمياه الشرب لمدة خمسة أيام في حال قطع قناة البدعة لأي سبب كان».
وبين أن «في موقع (آر زيرو) تبدأ مسؤولية وزارة البلديات، المنقولة بعض صلاحياتها إلى الحكومة المحلية، وتنتهي مسؤولية وزارة الموارد المائية، فيجري ضخ المياه الخام عن طريق أنابيب ناقلة إلى محطات الإسالة القديمة الواقعة على شط العرب، بغرض تنقيتها ومن ثم ضخها في شبكات التوزيع إلى المنازل».
وأوضح أن «كمية المياه الخام التي تضخها وزارة الموارد المائية إلى أحواض (آر زيرو) والبالغ معدلها سبعة أمتار مكعبة بالثانية تكفي لتغطية إحتياجات ثلاثة ملايين مواطن على أساس 200 لتر للشخص باليوم، أما إذا كان معدل الضخ إلى الأحواض هو ستة أمتار مكعبة في الثانية فيكفي لتزويد مليونين ونصف المليون مواطن بكمية 200 لتر للشخص باليوم».
وأكد أن «الأنابيب الناقلة وشبكات التوزيع متهرئة أو مكسرة أو متجاوز عليها وتتسرب منها المياه العذبة (ملوحتها بحدود 630 جزءا بالمليون وهي أقل من معايير منظمة الصحة العالمية البالغة 700 جزء بالمليون) في حين أن ملوحة المياه في الحنفيات مرتفعة جدا». 
وتابع «منذ التسعينيات والبصرة بحاجة إلى إنشاء محطة تحلية كبرى لمياه البحر والتخلص من محطات الإسالة المتهالكة القديمة، وكذلك إنشاء شبكات توزيع وخطوط ناقلة جديدة ومحكمة، او إصلاح الشبكات القائمة، وبذلك تحل مشكلة مياه الشرب في البصرة، وهذه تقوم به الحكومة المحلية بالتعاون مع وزارة البلديات».
وأشار إلى أنه «لا يمكن لأي مشروع لتزويد مياه الشرب للبصرة أن ينجح دون إصلاح شبكات الأنابيب الناقلة وتوزيع مياه الشرب للأحياء والمنازل»، مبينا أن «استبدال المياه الخام بمياه البحر وإصلاح المضخات وشبكات التوزيع هو الكفيل بتحقيق الأمن المائي في البصرة».
وختم الوزير الجنابي حديثه بالقول «أقدر حجم الغضب السائد لدى المواطنين، وادعو إلى أن تقوم المؤسسات المعنية بدورها كاملا بعيدا عن الاختلافات السياسية او غيرها، أما وزارة الموارد المائية فتضع إمكانياتها بخدمة المدينة».

comments powered by Disqus
خدمة RSS LinkedIn يوتيوب جوجل + فيسبوك تويتر Instagram

عدد الزوار :116,477,483

تطبيق الموبايل

-->

آخر الزيارات

مساحة اعلانية

الأكثر قراءة

الأكتر مشاهدة

تابعنا على "فيس بوك"