مركز توثيق جرائم الحرب : الطمر الصحيّ والموادّ المشعّة يهددان ملايين البشر في العراق

الصورة: رمي النفايات في كل مكان، يؤكد عدم وجود مناطق طمر صحي نظامية.

وثق المركز العراقي لتوثيق جرائم الحرب ، في تقرير جديد صدر عنه ، يوم الاحد ، وكان يحمل عنوان  ( القتل الصامت ) ، حجم الكارثة البيئية الكبيرة بسبب مواقع الطمر الصحي والمواد المشعة التي تهدد حياة ملايين العراقيين ، جراء استخدام قوات الأحتلال الأميركية الأسلحة المحرمة دوليا في حربها ضد العراق ، والاضرار الناجمة عنها لسنوات طويلة .

وجاء في نص التقرير ، إنّ “حجم الكارثة البيئيّة التي أوجدها الاحتلال في العراق والمنطقة كبير جدا باستخدام الاحتلال لأسلحة محرمة دوليّاً منها اليورانيوم المنضّب – والذي تبقى إشعاعاته في أيّ مادة تتعرض له – ، وفي معظم المحافظات والمدن العراقيّة التي تعرّضت للهجوم المباشر – ومنها مدينة الفلوجة والسماوة والبصرة ومدن حزام بغداد- ؛ جُمعت عشرات المعدات والدبابات المدمّرة وبيعت لتجار هذه المواد من داخل العراق و خارجه، إلا المعدّات الموجودة في مدينة السماوة، لم يتم جمعها وذلك لعلمهم أنّ فيها اشعاعات مدمرة ؛ لذلك تم تنظيم تقرير دوليّ موجّه إلى الحكومة بذلك يطلعها بكون هذه المدينة مدينة موبوءة، وتمّ نصح أهالي المدينة بخطورة الوضع الصحيّ لهم اذا ما بقيت هذه المواد أو ما بقوا هم في المدينة والأفضل مغادرتها، حيث ارتفعت حالات الإصابة بالسرطان والتشوهات الخلقيّة والأمراض الخبيثة “.

وأوضح أن ”  مخاطر هذه النفايات تمكن في أنّها تكون عادة مواد عالية السم، وإذا تم دفنها في الأرض فمن الطبيعي أن تتسرب سمّيّتها إلى مصادر المياه الجوفيّة والتربة والمحاصيل الزراعية فتلوثها، وتعود بضررها على الإنسان من خلال سلسلة الغذاء فتؤدي إلى إصابته بأمراض فتاكة وتعود بالضرر على البيئة ككل وتمتد آثارها إلى آلاف السنين.

العراق والاتفاقيّات الدوليّة :-

انضمّ العراق إلى اتفاقيّة ستوكهولم بشأن الملوّثات العضويّة الثابتة (pops) لسنة 2001 والتي دخلت حيّز النفاذ في 17/5/2004 م.

الطمر الصحّيّ والنفايات المشعّة….

في العادة يقصد بالنفايات المشعة كل النفايات الناتجة عن الأنشطة المتعلّقة بالتشخيص والمتابعة والمعالجة الوقائيّة أو المسكّنة أو الشفائية في مجالات الطب البشري والبيطري، وكذا جميع النفايات الناتجة عن أنشطة المستشفيات العمومية والمصحات ومؤسسات البحث العلمي ومختبرات التحاليل العاملة في هذه المجالات وعن كل المؤسسات المماثلة “.

هذه النفايات قد تكون سامّة -بفعل تراكمها- للكائنات الحيّة وآثارها سامّة على النظم الحياتيّة، وبعضها الآخر خطر على الصحّة نتيجة التلوث الجرثومي، فهي ذات آثار متأخرة أو مزمنة، وتشمل أيضا النفايات التي تنفذ للجسم عبر استنشاقها أو نفاذها من الجلد وتسبب آثاراً متأخرة أو مزمنة من بينها التسبب في الأمراض السرطانية .

المحافظات العراقيّة وأثر الطمر الصحيّ عليها

إنّ النفايات التي تقوم بطمرها الدوائر الحكوميّة في العراق، بعضها متراكم في شوارع العاصمة، والعديد من المناطق المحيطة بالمستشفيات والدور الآهلة بالسكان في مناطق بغداد، وبعضها منتشر في مئات “المزابل العشوائيّة” والمكبّات غير المراقبة صحيّا، والتي تسمى خطأً أو تضليلاً، “مطامر”. ويعود ذلك إلى الغياب الكليّ لتصنيف النفايات في العراق، ولانعدام الأجهزة والإدارة المتخصّصة في نقل وطمر هذه المواد صحيّاً وبالطرق المعمول بها دوليّاً كما جاء في اتفاقيّة (بازل) التي دعت الدّول الأطراف إلى تخفيف توليد النفايات في بلدانها، وشجعتها على إدارة نفاياتها في أقرب مكان وتوفير منشآت مناسبة لإدارتها بطريقة سليمة بيئيّاً.

يصعب تحديد الفئة التي تنتمي إليها نفايات العراق، وفق لائحة اتفاقية بازل المحددة في الملحق الأول، إذ أنّ نفايات العراق خليط متعدد من أنواع النفايات السامّة ، وبنسب غير معروفة. وهي، ربما بأكثرها، تنتمي إلى الفئة (Y46) شديدة الخطورة “.

وبين إنّر ” نفايات العراق غير المصنّفة، يمكن لها أن تحتوي على كميّات غير محددة، من النفايات التي يتضمنها الملحق الثامن، في اللائحة (أ)، وهي لائحة النفايات المصنفة خطرة، وفي اللائحة (ب) من الملحق الثامن لاتفاقيّة بازل، وهي لائحة النفايات القابلة لإعادة التدوير واسترجاع القيمة الماديّة والطاقويّة منها، فهي بالتأكيد تحتوي على سبيل المثال لا الحصر، كميات من البطاريات غير محددة الهويّة والنوع، وغير المفروزة، وتصنف في الفئة رقم  (A1170)، وكذلك النفايات الكهربائيّة والإلكترونيّة، التي تصنّف في الفئة (A1180) وهي تحتوي بالتأكيد على كابلات غير محددة الهويّة والمصدر والنوع وغير مفروزة، والتي تصنف في فئة (A1190) ، ونفاياتنا تحتوي على مكونات جلديّة وسلع جلديّة منتهية الاستعمال، وكذلك بقايا أدوية صيدلانية منتهية الصلاحيّة أو هي غير قابلة للاستعمال لأي سبب كان، ونفايات مرميّة من عيادات طبيّة أو طب الأسنان، أو مراكز للعناية الصحيّة والمختبرات، التي تصنف في فئات(A4010, A4020, A4030)  وهي بالتأكيد تحتوي على غيارات فلاتر المياه وغيرها من أنواع الفلاتر المحتوية على الكربون المنشّط بعد استعمالها، وتصنّف في فئة (A4160) ” .

واضاف إنّ ” هذه المراجعة السريعة وغير الدقيقة بشكل كاف، تشير لنا إلى أنّ طمر النفايات أو تصديرها سيتطلب، وفق أحكام اتفاقيّة بازل، العمل على تحديد هويّتها، وأصنافها وفئاتها، ونسب كل منها، وفرزها وفق معايير وطرق ملائمة، قبل السماح بطمرها أو نقلها.

ويزيد التعرض الطويل الأمد للنفايات الخطرة والمخلفات السامّة لاحتمالية الإصابة بتشوّهات واضطرابات مستقبليّة ولاديّة كما يحدث الآن في مدينة الفلوجة ومدن الجنوب، ينتج عنها مواليد يعانون من قصور في النمو واضطرابات في جهاز المناعة، وعطل في الغدد، وظهور أمراض سرطانيّة متعددة للأطفال والفئات العمرية الأخرى مثل النساء الحوامل.

(عمليّات طمر النفايات الكيميائيّة في باطن الأرض بما تحويه من عناصر كيميائية مثل غازات الميثان والنيتروجين وثاني أكسيد الكربون وغيرها من الغازات الخطيرة).

في عام 2014 قال مدير بيئة كربلاء “حامد عبيد” في بيان له إنّ “ادارة ملف النفايات الصلبة ومواقع الطمر الصحيّ بالمحافظة تعتمد بشكل عشوائيّ على مواقع تحددها كوادر مديريات البلديّة في المحافظة”، و “هناك عدد من مواقع الرمي العشوائيّ للنفايات بالمحافظة وهي غير خاضعة لأبسط الشروط والمؤهلات الخاصة بمثل هذه الأنشطة”. وطالب “حامد عبيد” وزارة البيئة بمخاطبة وزارة البلديّات ومطالبتها بضرورة ايجاد مواقع طمر صحيّ نظاميّة وعلى وجه السرعة، إلّا أنّ وزارة البلديّات لم تستجب”.

وفي عام 2016 أكّد وزير البيئة السابق “قتيبة الجبوري”: “أنَّ مواقع الطمر الصحيّ في العراق غير صحيحة من الناحية الفنّيّة، مبيّناً أنَّ الطمر قرب المناطق السكنيّة يسبب انتشاراً للأمراض كما يسبب مخاطر بيئيّة”.

وكشف مدير الصحة العامّة في دائرة صحة محافظة ديالى الدكتور “نبيل فاضل” عام 2017م عن وجود “مخاطر صحيّة تهدد نحو (25) ألف مدنيّ في المحافظة بسبب موقع طمر صحيّ للنفايات غير نظاميّ في منطقة العثمانيّة “، وأنَّه قام برفع أكثر من شكوى ضدَّ الجهات المعنيَّة لاغلاق المطمر الخطير ولكن لم يتلقَّ أيَّ إجابة من الحكومة في انقاذ المدنيين.

وعدّ مدير دائرة بيئة محافظة ديالى “عبد الله الشمري” أنَّ “مطمر العثمانيّة للنفايات يعتبر المطمر الأكبر خطراً في بعقوبة لوقوعه قرب منطقة سكنيّة يقطنها أكثر من 25 ألف نسمة من المدنيين” .

وتشهد المناطق السكنيّة القريبة من المطامر الصحيّة للنفايات مختلف الأمراض التي تصيب المواطنين بسبب التلوّث الصحيّ والبيئيّ، الناتج عن تجمّع النفايات بشكل غير نظاميّ فيها.

وصرّحت النائبة “زينب الخزرجي”  أنَّ “ما يسمى بمواقع الطمر الصحيّ في محافظة ذي قار هي في الحقيقة ليست مواقع طمر صحيّ وإنّما هي مكبّات للنفايات وأنّها منتشرة بعموم المحافظة بما يقارب 16 موقعاً وجميعها مخالفة لشروط السلامة والبيئة وقريبة جدّاً من مواقع السكن للأهالي”. وأنَّ هذه النفايات ترمى بصورة مباشرة وعشوائيّة في المواقع القريبة من السكان المدنيين ممّا يعرّضهم لخطر الإصابة بأمراض وبائيّة عديدة منها السرطان، وأنَّ عمليَّة حرق النفايات بطريقة غير صحيحة تؤدي إلى انبعاث غازات سامّة تهدد حياة المدنيين.

ولا تختلف منطقة المعامل – شرقيّ بغداد – عن مدن أخرى موبوءة بهذا الطمر غير الصحيّ؛ حيث طالب أهالي المنطقة بإلغاء المطامر ومكبّات النفايات في حيّ العماري وذلك بسبب الآثار السلبيّة التي خلّفتها هذه الأماكن على أبنائهم وعلى البيئة، ويروي أبناء المنطقة بأنَّ عجلات أمانة بغداد تقوم وباستمرار برمي النفايات بطريقة عشوائيّة وغير صحيّة في المنطقة وقرب البيوت والأماكن العامة.

وتؤكد تقارير صحيّة إصابة عدد من الأطفال دون سن الخامسة إضافة إلى عدد من النساء الحوامل باختناق جراء حرق مكبات النفايات ومواقع الطمر الصحيّ وانبعاث الغازات منها وإصابات بأمراض غريبة و مزمنة.

وصرّح رئيس لجنة البيئة في مجلس محافظة بغداد “نعيم هاتو” بارتفاع نسبة التلوّث في منطقة العماري بسبب رمي النفايات بشكل عشوائي وانتشار معامل الصهر غير المجازة أو الرسميّة.

وفي منطقة أبي غريب -غربي بغداد- لا يقل الأمر خطورة عن العماري؛ فانتشار المطامر الصحيّة والمعدّات المشعّة في المنطقة أمر يثير الاستغراب والجدل، وناشد أهالي المنطقة المركز العراقيّ في إيصال مناشداتهم الى الجهات الدّوليّة من أجل وضع حدّ لهذه الظاهرة الخطيرة، ويرون أنّ الحكومة تتعمد إرسال هذه النفايات إلى مناطقهم، وتحدث (ي . ع) للمركز العراقي لتوثيق جرائم الحرب عن إصابة ابنته البالغة من العمر (سنة ونصف) بمرض السرطان في الكِلية وانتشاره في جسمها بسبب موقع الطمر القريب من منطقتهم بحسب التقارير الطبيّة التي تذكر الحالة.

وتحدثت (هـ. ي) مواطنة أخرى من القضاء للمركز العراقي عن كونهم يصابون بنوبات اختناق في الليل بسبب إحراق المطامر في المنطقة وأحياناً يصاب الأطفال بتشنجات جرّاء السعال المتكرر، وفي بعض الأيام ينقلب النهار ليلاً بسبب الدخان المتصاعد من عمليّة الإحراق “.

وافاد انه “وفي مدينة الفلوجة التي تعرّضت للموادّ المشعة الموجودة في القنابل والمتفجرات التي ألقتها قوّات الاحتلال الأميركيّ في معركة الفلوجة الأولى والثانية، تشير التقارير الطبّيّة إلى كون نسبة التشوّهات في مواليد المدينة فاقت التوقّعات، وذكرت اختصاصيّة الأطفال، وعضوة لجنة متابعة التشوّهات الخلقيّة في مدينة الفلوجة، الدكتورة “سميرة العاني”: “أنَّ أغلب الإحصائيات المتوفرة تعود للسنوات السابقة نظراً لعدم تمكّن الفرق الطبّيّة من إجراء مسح جديد نتيجة ظروف البلاد”، لافتة إلى أنَّ “الدراسة التي أعدّت عام 2011 تشير إلى أنَّ مقابل كل ألف مولود جديد هناك نحو (147) يولدون بتشوّهات خلقيّة، وأنَّ نسبة تشوهات أطفال الفلوجة تزيد 14 مرة عن مثيلاتها في مدينتي هيروشيما وناغازاكي اليابانيتين”.

كما “وجد الباحثون زيادة بنسبة (38) مرة في أعداد الإصابة بسرطان الدم بين سكان مدينة الفلوجة، مقابل زيادة بلغت (17) مرّة بين سكان هيروشيما اليابانية. في حين ارتفعت إصابات سرطان الثدي لدى الإناث عشرة أضعاف، كما سجلت زيادات كبيرة في أورام الدماغ لدى البالغين”.

و “يوثق حساب التشوهات الخلقية في مستشفى الفلوجة، على موقع “تويتر” (https://twitter.com/FDefects )، مئات الحالات منذ عام 2003م وإلى اليوم، منها تشوّهات لم يُعرف مثلها من قبل”.

وتشير تقارير مختصّة  إلى “أنَّ كميّة اليورانيوم الذي استخدم في العراق بلغت نحو 350 طناً، فضلاً عن القنابل التي تحتوي على الإشعاع النوويّ والتي انتشرت بشكل واسع في البلاد”.

وذكرت إحصائيّات رسميّة سابقة لوزارة البيئة الحكوميّة وجود (300) موقع ملوّث في البلاد يحتاج إلى مليارات من الدولارات وعشرات السنين لمكافحة أخطاره، إضافة إلى (63) موقعاً عسكريّاً ملوّثاً نتيجة العمليّات العسكريّة، فضلاً عن انتشار الملوّثات الإشعاعيّة والعجلات المدمّرة الملوثة في عدة مدن عراقيّة ” بحسب التقرير .

المصدر

comments powered by Disqus
خدمة RSS LinkedIn يوتيوب جوجل + فيسبوك تويتر Instagram

عدد الزوار :106,976,519

تطبيق الموبايل

-->

آخر الزيارات

مساحة اعلانية

الأكثر قراءة

الأكتر مشاهدة

تابعنا على "فيس بوك"