مسيرات الضياع العربي في شوارع لندن

د. مثنى عبدالله

في شهر آب / أغسطس من كل عام يتقاطر المئات من الشباب العربي من سكان الخليج إلى العاصمة البريطانية لندن، لقضاء عطلتهم الصيفية فيها لبضعة أسابيع. وفي هذا الوقت بالذات تعج الصحافة البريطانية بالتقارير عن هؤلاء، وكيف يستعرضون ثراءهم الفاحش، من خلال مقتنياتهم الشخصية من سيارات فارهة مثل لامبورغيني وفيراري وماكلارين ومرسيدس ورلزرويس. وقد تبلغ قيمة الواحدة منها حوالي مليون جنيه إسترليني. 

وتشير الصحف في معرض تعليقاتها على هذا الموضوع، بأن كلفة نقل كل واحدة منها بالطائرة إلى بريطانيا تبلغ حوالي عشرين ألف جنيه أسترليني، وأن البعض من هؤلاء الشباب يجلب معه سيارتين أو 3 سيارات. ويتخذ مالكو هذه السيارات من الحي اللندني الراقي (نايتسبريدج) مسرحا حيا لاستعراض ثرائهم، إلى الحد الذي دفع السكان لتقديم شكوى من الضوضاء المفرطة، وسوء قيادة السيارات، والوقوف في أماكن ممنوعة. كما أن البعض من هؤلاء يتصرفون بطريقة معادية للمجتمع، ويتعاملون في المنطقة وكأنها حلبة شخصية لهم، ما دفع المجلس البلدي للمدينة لفرض أوامر حماية الاماكن العامة في الحي المذكور، التي تعنى التعامل مع مستوى مفرط من الضوضاء والازعاج والخطر والإصابة. 
ومع أن وصول هذه السيارات يثير انتباه الشرطة المحلية، بسبب لوحات التسجيل غير الصحيحة والتأمين ومخالفات تنظيم السيارات، التي تكون قيمة الغرامات فيها تصل إلى ألف جنيه، فإن تراكم هذه الغرامات لا يثير أي انزعاج لدى مالكيها، كما لا يبالون وهم يدفعون أضعاف هذا المبلغ بسبب تكرار المخالفة، حسب قول الصحف، بل لقد تبين فشل هذا الإجراء في الحد من هذه التصرفات، حيث يرصفون سياراتهم في الشوارع الرئيسية على هيئة طوابير، ويقومون بفتح الأبواب وتشغيل المحركات لاستعراض ما يملكون أمام المارة.
وعلى الرغم من أن هذه الفئة أقلية، وأن الممارسات التي يقومون بها تدخل في حيز الحريات الشخصية، وأن ما ينتج عنها من تصرفات غير عقلانية لا يمكن تعميمها على الجميع، لكن البعض من الغربيين، صحافة ورأيا عاما ومؤسسات ثقافية شبابية وأكاديميين، راحوا يتساءلون عن طبيعة اهتمامات الشباب العربي ومدى قربهم أو بعدهم عن الواقع الذي يعيشونه، سواء في بلدانهم أو في البلدان العربية الشقيقة والمجاوره لهم. فما تمر به الأمة العربية من أهوال وتهديدات وجودية وكوارث إنسانية، تستدعي على الاقل أن يمتلك البعض أناقة الاحساس بالحياء، وذلك أضعف الإيمان، إن لم يكن المشاركة الفاعلة في دفع الضرر عن الآخرين وهو واجب شرعي وأخلاقي. فإذا كانت الامم تباهي غيرها بالرموز الحضارية في مجالات العلم والتكنولوجيا، والثقافية في مجالات الفكر والإبداع الأدبي، والتي يغزون بها العالم، حتى باتت موجودة في كل بيت ومؤسسة، فما الذي يباهي به هؤلاء الشباب؟ إنهم يتابهون برموز صنعها غيرهم. فالسيارات التي يستقلونها صنعها الآخرون، والطائرات التي ينقلونها بها هي ليست من صنع أيديهم، وهو دليل كبير على أنهم يستخدمون رموز الآخرين الحضارية والثقافية في استعراضاتهم هذه. في حين أننا بحاجة ماسة إلى الاضافة، كي يعرف العالم من نحن، وعندها فقط سنستطيع أن نجلس مع الاخرين على الطاولة نفسها.
لقد سادت لدى الأكثرية النظرة الأفقية للحياة، ولم يعد للنظرة العمودية من مكان في عقول الكثيرين من الشباب العربي. وباتت صناعة نموذج خاص بهم يكون مصدرا للاجيال القادمة من بعدهم، غير مدرج تماما على جدول حياتهم. وهذا قادهم إلى أن يكونوا مجرد مستودع لكل التقاليد والعادات الغربية، ومكب نفايات لقشور الحضارات الاخرى. حتى تجمدت الدماء في عروق الاكثرية منهم، ولم تعد تحترق لموقف أو أزمة أو محنة أو وجع أو كارثة، على الرغم من كثرة كل هذه الاحداث حولنا، التي نعيش معها في كل ساعة من ساعات حياتنا. في حين كانت قضية فلسطين، على الرغم من أنها هي القضية العربية الوحيدة في القرن الماضي، لكنها كانت الشغل الشاغل لعقول الشباب العربي آنذاك، حتى أن الكثير منهم لم يترك لهو الحياة ومتعها وحسب، بل ترك أهله ومستقبله الدراسي أو وظيفته المهمة، وآثر أن ينخرط في العمل الفدائي في المنظمات الفلسطينية، التي كانت تقاتل في سبيل تحرير فلسطين. لذلك وجدنا الأطباء والمهندسين والاكاديميين وهم يتطوعون في هذا العمل، كما وجدنا فيها شباب عربي من كل الأقطار العربية.
لقد غاب عن الحياة العربية ذلك النموذج الذي ملأ العقل العربي قرونا طويلة. كما غاب الوعي والإدراك بما نحتاج الحصول عليه، وليس ما لا نحتاجه لنتخلص منه. وهذا قاد الشباب العربي إلى تصور خاطئ يقوم على أن أمامهم طريقين لا ثالث لهما، إما العودة إلى الماضي وتقريم حجوم عقولهم كي يصبحوا على مقاساته ويعيشون في كنفه، أو الاتجاه نحو قشور الحضارة الغربية والتقاليد والعادات والثقافات الغريبة تماما عن مجتمعاتنا، حتى بات من الصعوبة بمكان أن نجد من يتحدث العربية بلسان عربي مبين، من دون أن يدغم كلامه بمئات العبارات الأجنبية من لغات أخرى. في حين كان العامل البشري عنصرا حاسما في صنع التاريخ إلى جانب الجغرافية في المنطقة العربية على مدى عصور طويلة. وهذا دليل واضح على أن الإنسان على هذه الأرض هو الذي مثل الثقل السياسي عبر التاريخ. إذن نحن اليوم بحاجة ماسة إلى جلاء الصدأ الذي ران على النفوس، كما بنا حاجة ماسة إلى أن نضع تحت رحمة الشمس عراء نفوسنا أيضا.
إن الشباب العربي بحاجة إلى عصر نهضة يمهد لهم طريق التحرر الفكري والتطور العلمي. فعندما بزغ هذا العصر في أوروبا قلبها من حال إلى حال، بات فيه الاهتمام بتحصيل العلوم والفكر والفلسفة هو الطاغي. وإذا كان واقعنا اليوم يزخر بالعديد من النكسات والهزائم المتكررة في كل المجالات، فإن ذلك ليس مدعاة لان يهزم اليأس قوة العزيمة لدى الشباب. لقد بدأت الثورة الفرنسية، التي جذبت أهدافها وشعاراتها العالم كله، بمجموعة تحرير العمل المؤلفة من خمسة أشخاص فقط، وهذا يعني عدم التعويل بصورة مطلقة على عدد الاشخاص. ما هو مهم هو أننا لسنا بحاجة إلى شعارات عامة، فهي تختلف عن العمل النهضوي الدقيق، لان الشعارات قادرة على الإثارة، لكنها عاجزة عن بناء أي شيء. كما أن بناء المجتمعات يحتاج إلى تصور، مثل ما الذي تبقيه قبل أن تهدم منزلك؟ 

نشر المقال هنا

comments powered by Disqus
خدمة RSS LinkedIn يوتيوب جوجل + فيسبوك تويتر Instagram

عدد الزوار :116,695,816

تطبيق الموبايل

-->

آخر الزيارات

مساحة اعلانية

الأكثر قراءة

الأكتر مشاهدة

تابعنا على "فيس بوك"