البصرة: تدخل أميركي أم صراع شيعي ـ شيعي؟

هيفاء زنكنة

انتفاضة البصرة هي الحدث الاول الذي يشغل بال العراقيين الآن. فهي المركز الذي تقع على هامشه بقية الاحداث، منذ اندلاعها في 11 تموز/ يوليو للمطالبة بتوفير الخدمات وأهمها الماء الصالح للشرب والكهرباء، وتمثلت الاستجابة الاولية باطلاق النار على المتظاهرين مما ادى الى مقتل 12 متظاهرا واصابة العشرات.

غطت الانتفاضة، مع ازدياد عدد شهدائها وجرحاها، ومع انتشار الاصابة بالتسمم جراء تلوث مياه الشرب، على العديد من الامور المهمة التي تمكن الساسة من تمريرها، في غفلة من الناس المنشغلين بالمطالبة بايجاد حل آني، سريع، لانقاذ حياتهم وحياة عوائلهم. وبينما كان المتظاهرون والمعتصمون يواصلون الاحتجاجات، ويشعلون فتيل الغضب العارم، بمدينة البصرة وضواحيها، تمكنت الاحزاب وميليشياتها من تمرير نتائج الانتخابات المزورة ومأسسة هيكلية غريبة لنمط الحكومة المقبلة. فالمعروف، عادة، ان الاحزاب تؤسس منظمات وميليشيات كأذرع وملحقات تابعة لها، مهمتها تنفيذ سياستها، بشكل غير مباشر. الا ان الوضع الحالي، بالعراق، يشهد تغييرا جوهريا في هيكلية الاحزاب والميليشيات، انقلبت فيه الآية فأصبح الحزب ذراعا للميليشيا، يأتمر بأمرها، ويسير وفق ولائها لمن يزودها بالمال والسلاح. 
ان التكهن بما ستقود اليه انتفاضة البصرة صعب، خاصة، ونحن نستعيد كيف تعاملت حكومة حزب الدعوة الإسلامي، برئاسة نوري المالكي، مع متظاهري الفلوجة والرمادي وعموم الانبار والموصل، حين تم قصفهم بالبراميل الحارقة. كما نستعيد التعامل الوحشي مع متظاهري ساحة التحرير، ببغداد حين تم اعتقال وتعذيب وقتل العديد منهم. وكانت النتيجة، أينما خرج المواطنون للمطالبة بحقوقهم، استغلال دماء الشهداء من قبل جهات في العملية السياسية تتبنى إعلاميا هذا الحراك الشعبي كالتيار الصدري وعشائر المحافظات الغربية، للمقايضة بمناصب ومحاصصة سياسية وعقود نفط وسلاح.
الا ان صعوبة التكهن بما سيحدث لا يمنع من رؤية ما حققته الانتفاضة حتى اليوم. وهي انجازات بالغة الاهمية. الانجاز الاول هو التخلص من «المقدس» والتبعية له، سواء كان رمزا دينيا طائفيا عراقيا او إيرانيا، حيث مزق المتظاهرون غشاء القدسية وحرقوا صور وهياكل التبعية الطائفية. الانجاز الثاني هو كسر حاجز الخوف من الاحزاب والميليشيات التي تتخذ من طائفية الدين عباءة ترتديها وعمامة تمنحها «العصمة» لارتكاب ما تشاء ضد بقية البشر. فأحرقت مقرات ميليشيات «منظمة بدر» و«حركة إرادة» و«عصائب أهل الحق»، و«حركة النجباء» و«انصار الله الأوفياء» و«كتائب حزب الله» و«سرايا الخرساني» بالاضافة الى مقرات «حزب الدعوة» و«حزب الفضيلة» و«المجلس الأعلى».
الانجاز الثالث هو اجبارها كافة قادة الميليشيات والأحزاب ورجال الأعمال على الهرولة الى استديوهاتهم (فلكل ميليشيا قناتها التلفزيونية ولكل رجل اعمال قناته) اولا لادانة الفساد، وان كانوا هم أنفسهم أجنة رحم الفساد وثانيا لتقديم أنفسهم كشخصيات نزيهة، غير طائفية، تبذل جهدها لخدمة المواطنين. هنا اكتسبت الانتفاضة خواص الكلور المعقم ولو الى حين. ولها يعود الفضل في تغيير الخطاب والمواقف. وهنا يأتي دور الانجاز الرابع للانتفاضة الذي أجبر المرجعية، التي كانت سعيدة بالقاء موعظة اسبوعية على الملأ عبر وكلائها، ان تسارع، بعد حرق صورها، الى ارسال وكيلها السيد الصافي، يوم الجمعة الماضي، مؤكداً أن «السيد السيستاني أمرنا بشراء مضخات المياه من أموال المرجعية الدينية العليا». مع العلم ان «اموال المرجعية الدينية» مستخلصة من ابناء الطائفة ومنهم المتظاهرون انفسهم، وكان من الواجب صرفها عليهم، بدون منية، وقبل ان يدفعوا حياة ابنائهم ثمنا لها. 
الانجاز الخامس هو إبلاغ الميليشيات واحزابها الفاسدة بان استخدامها السلاح الطائفي الذي طوق رقاب الشباب بنير الدولارات الشهرية المغموسة بقدسية الطائفة والترهيب من «الآخر» لم يعد بذات الفاعلية السابقة. مما جعلها تعمق اتهاماتها بالإرهاب والاندساس من قبل قوى خارجية، وتلويث صورة المتظاهرين اعلاميا. صارت النبرة الاعلى هي تخويف اهل البصرة من «المندسين» وما سيجلبونه على اهل البصرة «المعروفين بطيبتهم». محاولين بذلك عزل المتظاهرين عن بقية السكان وترسيخ صورتهم كغرباء. وهو اسلوب استعماري قديم، غالبا ما يستخدم لاشاعة التفرقة واضعاف الحركات الثورية والانتفاضات الشعبية. هكذا، فجأة، وبعد 15 عاما، من حكم الاحزاب الطائفية التي تدعي تمثيل أهل البصرة، ومع عدم تنفيذ أي انجاز يضع حدا للذل اليومي لاهل مدينة النفط، أصبح كل الساسة والميليشيات يتسارعون للتباهي بانتمائهم الى أهل البصرة ووجوب مساعدتهم. 
مقابل هذه الانجازات تصاعدت، حملة الساسة وقادة الميليشيات باضفاء طابع الوطنية على انفسهم، وربط المتظاهرين بأجندات خارجية غير وطنية. فكثر المحذرون من التدخل الأميركي على الرغم من الوجود الأميركي الدائم المتمثل بما يزيد على 7000 «استشاري ومدرب»، باستثناء المتعاقدين الأمنيين والمرتزقة، حسب اعلان البنتاغون في الأسبوع الماضي، بانهم سيبقون الى ان «يستقر الأمن»، ولا يحتاج قرار بقائهم موافقة البرلمان لأنه ينفذ وفق المعاهدة الاستراتيجية. 
هناك، أيضا، متبرعون بالتخويف من الاحتلال الإيراني، في الوقت الذي يعلم فيه الجميع ان العراق محتل إيرانيا وانه ورقة تستخدمها إيران لتسوية نزاعها مع أميركا. وتنبري جهة ثالثة للتخويف من التدخل التركي واقامتها معسكرات تدريب بعثية لقلب النظام «الديمقراطي». في ذات الوقت الذي تقصف فيه تركيا شمال العراق وتتدخل، متى شاءت، بحجة حماية أمنها من « الإرهابيين» الاكراد.
وأصدرت قيادة ميليشيا الحشد الشعبي بيانا باسم «حركة النجباء»، يوم 9 أيلول/سبتمبر، وصفت فيه ما جرى بانه «ليلة فتنة سوداء هدفها حل الحشد» متهمة القنصلية الأميركية، بالبصرة، بادارة الاحداث وسقوط القتلى والجرحى. وان الميليشيا لديها «الادلة القطعية بان القنصلية تدير الاحداث منذ عام 2013» وان ما تريده «هو اظهار صراع شيعي شيعي»، وهددت الميليشيا بانها ستعمل «بحزم لإيقاف أي تآمر». 
وبطبيعة الحال، ليس من المستبعد وجود تدخل أميركي ضمن صراعها القائم مع إيران، لا في البصرة فقط بل في جميع ارجاء العراق، الا ان هلوسة الحشد تثير تساؤلات عديدة، اهمها لماذا لم يثر الحشد مسألة التدخل الأميركي قبل الآن خاصة وانه يدعي قيامها بذلك منذ 5 أعوام؟ هل سكت الحشد لأنه كان متعاونا مع أميركا تحت مظلة «التحرير»؟ 
ان مظاهرات واعتصامات اهل البصرة ومن قبلهم الفلوجة وبغداد وكربلاء، وكل المدن العراقية، على مر سنوات الاحتلال، ودفعهم الثمن غاليا، هي وجه آخر من أوجه المقاومة والتغيير العضوي المنبثق من داخل البلد نفسه، في مسيرة تحقيق الاستقلال الوطني ـ الاقتصادي، الشامل لكل المواطنين، بعيدا عن التقسيم الديني والطائفي والعرقي. ومع ادراكنا انها، قد لا تؤدي الى تحقيق ذلك كله في المستقبل القريب، الا انها، بالتأكيد، سببت من التغيير ما يعيق عودة الاوضاع الى سابق عهدها.

نشر المقال هنا

comments powered by Disqus
خدمة RSS LinkedIn يوتيوب جوجل + فيسبوك تويتر Instagram

عدد الزوار :106,976,317

تطبيق الموبايل

-->

آخر الزيارات

مساحة اعلانية

الأكثر قراءة

الأكتر مشاهدة

تابعنا على "فيس بوك"