أفول الاستثنائية الأميركية وبزوغ عصر الصين

د. مثنى عبدالله

منذ إقرار مبدأ «مونرو» في عشرينيات القرن الماضي، وأميركا دائما بين سياسة الانعزال والتدخل. كل السياسة الأميركية تسير بهذا الشكل أو ذاك تحت هذه الراية، وأحجار الزاوية فيها هي الانعزال والتدخل. 

وقد أكلت هذه السياسة الكثير من استثنائية هذا البلد، ومن الرموز العديدة التي كانت تدل على ثقافته وعناصر قوته الناعمة. فحتى السبعينيات والثمانينيات كان الأوروبيون يتحدثون عن جاذبية الحياة الأميركية. وكان الشباب في هذه البلدان وفي غيرها يرتدون ملابس على هيئة أقرانهم الأميركان، ويستحضرون فورا قوة هذا البلد وجاذبيته حين يشاهدون دراجة هارلي ديفدسون، وبيل غيتس، وماكدونالد. لكن كل ذلك لم يعد مُبهرا لأحد بعد اليوم. وحسب صحيفة «شبيغل» الألمانية فأن 88% من الألمان لا يطيقون العيش في نظام الليبرالية الأميركية، ولا تشكل رموز أميركا شيئا بالنسبة لهم. كما تقول وزيرة الخارجية الأميركية السابقة كونداليزا رايس، في وصف الحالة الأميركية، «أننا نرى بلادنا منقسمة. بلاد فقد أبناؤها هدفهم المشترك وقصتهم المشتركة، ولا تستطيع أي دولة أن تستمر دون ذلك». ولعل ما نراه في اللحظة الراهنة من السياسة الأميركية، يعطي مؤشرا قويا على أنها ماضية وبسرعة إلى دخول نفق السياسة الانعزالية. فبعد سلسلة انسحابات من معاهدات دولية، مثل معاهدة التبادل الحر لآسيا والمحيط الهادي، والمعاهدة الدولية للهجرة، والانسحاب من اتفاقية باريس للمناخ، والانسحاب من منظمة اليونسكو، والتهديد بالانسحاب من المنظمة العالمية للتجارة، ووقف تمويل الأونروا، وصولا إلى تهديد قضاة محكمة الجنايات الدولية، كلها مؤشرات واضحة على الولوج لمرحلة السياسة الانعزالية. وقد بات واضحا تخليها عن الأدوات الناعمة في تحقيق السياسة مثل المساعدات ودعم الأمم المتحدة وغيرها. كما أنها اليوم تحمل أكبر دين وعجز مالي، وقوتها الآنية تستند إلى طبع دولارات لا رصيد لها، تعود لاقتراضها من دول العالم. وأساس المداخيل الأميركية هي صناعة الدولار، حيث الورقة الواحدة من فئة 100 دولار تكلفة صناعتها 7 سنتات فقط والباقي أرباح، لذلك هي تحافظ على منطقة الدولار بكل الوسائل. ومع ذلك، وعلى الرغم من أن في عالمنا المعاصر محاور لقوى معاصرة، لكن لا يمكنها أن تكون نقيضا للولايات المتحدة، وفي الوقت نفسه من المستحيل أن تكون قادرة على التفاعل معها، مثل روسيا وبلدان أميركا اللاتينية ودول بريكست.

هنا يبرز المارد الصيني وبقوة على المسرح الدولي، ويكاد يلقى المقبولية والترحيب من أكثر من جهة، بعد أن ضاق الكثيرون من الهيمنة الأميركية. فعلى العكس من الزعماء الأميركان، لم يخرج زعيم صيني ملوحا باستخدام القوة الصلبة ضد الآخرين. حتى عندما هددت الولايات المتحدة الصين كونها ستتعرض إلى هجوم أن هاجمت تايوان، رد الزعيم الصيني في ذلك الوقت بالقول «على الأميركان أن يعلموا أن الصينيين لو ذهبوا إلى البحر ليسبحوا فستغرق الولايات المتحدة من الطرف الآخر». ويستغل الزعيم الصيني الموقف الدولي ليقول في مؤتمر الحزب الحاكم، أن الصين في طريقها للقطع مع سياسة المهادنة والصوت الخافت داخل المحفل الدولي لكن من خلال القوة الناعمة. لقد اختارت الاستناد إلى مبدأ القوة الاقتصادية التي من خلالها تضمن نفوذها في العالم، وفي الوقت نفسه لن يثير هذا النفوذ حفيظة أحد. وقد أعلنت في العام الماضي عن مشروعها الاقتصادي الكبير لعام 2025 «صنع في الصين»، الذي سيكون مزاوجة بين صناعة القوة الناعمة والقوة الصلبة معا، وهذا يعطيها مساحة كبيرة في المجتمع الدولي كي تكون لها كلمة مؤثرة، بها تواجه الهيمنة الأميركية. انه مشروع يلخص كل طموحات ومشاريع هذا البلد ويضعه في الواجهة، على غرار مشروع «صنع في اليابان» الذي وضعها في الواجهة من قبل. وهو ليس برنامجا يهتم بلعبة السوق فقط بل سيكون انتقالا حاسما على كل المستويات العسكرية والسياسية والاقتصادية والثقافية. هذا بالتأكيد سيكون مزاحمة سياسية كبرى لقوى من المراتب الأولى في السياسة الدولية، إلى مراتب أدنى كي تطلع الصين إلى المراتب الأولى. هذا التوجه بانت ملامحه الأولى في التحالف الاستراتيجي بينها وبين الباكستان، التي فتحت موانئها لطريق الحرير، وابتعدت كثيرا عن الولايات المتحدة الأميركية التي هي محسوبة عليها. وقد نشهد دولا أخرى تسلك السلوك الباكستاني نفسه وتبتعد عن أميركا بسبب ازدواجية القوة الصينية عسكريا واقتصاديا. وقد سبق للصين أن تحركت على افريقيا ودخلت إلى النسيج الافريقي بكل تفاصيله في ريادة واضحة. كما دخلت الشرق الأوسط من بوابات تبدو أنها محسوبة على الغرب ووضعت فيها استثمارات ضخمة. وهذان المسرحان يعتبران هامشيين في صناعة القوة، ما يعني أنها تتقدم نحو القلب وهذه حقيقة صينية ماثلة للعيان. فالولايات المتحدة تعتبر اليوم أكبر سوق تجاري للبضائع الصينية والشركاء التجاريين لها. كما أنها أكبر دولة تملك سندات من الخزينة الأميركية، حتى أن بعض الخبراء يذهبون إلى القول، لو أن الصين طرحت احتياطها الجبار من الدولار في السوق الدولية، فان الدولار والاقتصاد الأميركي سينهاران تماما. حتى في أوروبا لديها استثمارات كبيرة وبدأت تنافس الشركات المحلية فيها.

وإذا كانت العولمة التي هي فكرة من منتوج غربي، تعني ربط العالم من الغرب إلى الشرق أو شده إلى الغرب، فان الصين تطلق اليوم عولمة بالاتجاه المعاكس، من خلال ربط عالمي جديد تحت تسمية طريق الحرير البري والبحري. وهذا تحول كبير وأساسي في السياسة القديمة التي أرساها باني الصين الحديثة دين جاو بنغ، الذي قال تمسكنوا حتى تتمكنوا. فالطريق البري يبدأ من الصين، كازخستان، روسيا، وبريطانيا. أما الطريق البحري فيبدأ من الصين، سنغافورة، سريلانكا، مضيق هرمز، كينيا، باب المندب، قناة السويس، وأوروبا. وفي هذا المشروع تظهر أهمية الممرات المائية لتجارتها، حيث تستثمر في أكثر من 60 دولة نامية بحدود 900 مشروع بنى تحتية. وهذه جاذبية استثمارية تفوق أضعاف الجاذبية الأميركية. أما جيوسياسيا فستصبح الصين بهذا المشروع العملاق تطل على 3 محيطات هي الهادي والهندي والأطلسي.

أن الجاذبية في المشروع الحضاري الصيني تكمن في معادلة الحضارة القديمة العريقة، مع الاستجابة لضرورات التغيرات الاقتصادية والتكنولوجية، ومتطلبات العالم المتطور المعاصر، وإعادة تشكيل وصياغة ما يتطلب التغيير. هي تستقطب الاستثمارات التي تراها مثمرة، لكنها لا تسمح بدخول النظم الليبرالية المالية. كذلك هي تبقي على فلسفة لا صدام ولا خصام ولا نزاعات بل تعاون.

المصدر

comments powered by Disqus
خدمة RSS LinkedIn يوتيوب جوجل + فيسبوك تويتر Instagram

عدد الزوار :116,789,301

تطبيق الموبايل

-->

آخر الزيارات

مساحة اعلانية

الأكثر قراءة

الأكتر مشاهدة

تابعنا على "فيس بوك"