النخبة التي قضي عليها في العراق!

كرم نعمة

عندما يتعلم ذوو الأصول الوضيعة شدّ أربطة العنق في مراحل متأخرة من أعمارهم، فإنهم يعتقدون بقوة أن عصر النخب قد تمّ القضاء عليه تماما.

ذلك جزء من المشهد، ثمّة مساحة اجتماعية غائبة هي بالأساس المعبّر بجدارة عن عصر النخب المنهار، بينما المساحة السياسية والدينية تقدّم نفسها بكل رثاثتها كبديل شرعي للنخب.

ربما يستطيع أيّ من قادة الأحزاب الحاكمة ومن المسؤولين في الحكومة الافتراضية بالمنطقة الخضراء في بغداد استعارة كلام الرئيس الأميركي دونالد ترمب بشأن النخب، بوصفه معبرا عمّا يحدث من انقلاب اجتماعي يحطم القيم ويسلب الثقة من التحضر.

هناك ما يستدعي الانتباه في كلام ترمب لأنه لا يمسّ النخبة في المجتمع الأميركي فقط بل يمتدّ إلى مجتمع عربي غابت فيه أربطة العنق وحضرت عمامة (رجل الدين) بوصفه ممثلا ساميا، فيما يدور حوله ذوو الأصول الوضيعة على أمل الظفر بتقبيل يده.

قال ترمب “يسمونهم النخبة! نحن لدينا مال أكثر، ولدينا عقول أفضل، ولدينا منازل وشقق أفضل، ولدينا قوارب أجمل، ونحن أكثر ذكاء منهم ويقولون إنهم النخبة”.

يمكن تحويل كلام ترمب عندما يتعلق الأمر بالكائنات الافتراضية الحاكمة في المنطقة الخضراء في بغداد إلى: استحوذنا على مال البلاد ونتحكم بما هو موجود في البنوك أيضا، لدينا ذاكرة أفضل لسرد وقائع التاريخ الدينية وفق مشيئة المذهب، المنازل والقصور كانت جاهزة كي نسكن فيها، ولم نضف إليها قطعة حجر واحدة، لدينا حسينيات أكثر وأوسع، نحن أهم وأحق في الاستحواذ على المشهد برمته.

هكذا تكون النخبة في العصر السياسي والديني الرث تعبيرا عن الكراهية السياسية لعصرنا، وفق تعبير سايمون كوبر المحلل في صحيفة فايننشيال تايمز.

لقد جمعت النخب الحقيقية ثرواتها على مدى عقود من السلم. كانت تنظر إلى المال من أجل الارتقاء بالذائقة والاحتفاء بالعمران، ويرث اليوم لوردات القتل منازلها في أقل من عقد من الحرب.

كانت النخبة تدفع بأبنائها إلى المدارس وتدعم توسعها، تبارك الاختلاط من أجل تعلم الانضباط وإشاعة الحرية، فيما تقمع اليوم “نخب الزمن الرث” الفتيات بوضعهن في الكيس الأسود وتحول دون تعليمهن، يكفيهن أن يقضين شهورا من النحيب على الخرافة التاريخية. البلاد في نظر الطبقة الصاعدة لا تحتاج إلى مدارس عندما يكون لديها المزيد من الحسينيات.

المال هو الكلمة الفعالة هنا، بينما القيم الوطنية تصبح كتلة طينية يتم تشكيلها وفق مشيئة الدين والمذهب والطائفة والملة والقومية، وهكذا يصبح المال المحدد القوي لصناعة السياسة أكثر من كونه مجرّد دخل.

الطبقة الصاعدة التي قضت على النخب الحقيقية، تواجه اليوم ازدراء الفقراء أكثر من الأسر التي سُرق مجدها، في وطن مخطوف، تلك الطبقة لا تمتّ بصلة إلى لغة العصر والملابس وديكور المنازل والمطاعم وكياسة الكلام، فرجالها تعلموا شدّ أربطة العنق مؤخرا، بطريقة الغربان التي تريد أن تدخل التاريخ عنوة بعد أن تدون سياسة الرماد.


نشر المقال هنا

comments powered by Disqus
خدمة RSS LinkedIn يوتيوب جوجل + فيسبوك تويتر Instagram

عدد الزوار :110,135,931

تطبيق الموبايل

-->

آخر الزيارات

مساحة اعلانية

الأكثر قراءة

الأكتر مشاهدة

تابعنا على "فيس بوك"