تمّ هزّ شباك طهران فماذا بعد؟

د. مثنى عبدالله

واهمٌ من يتصور أن ساحة الشرق الأوسط هي مَتجَر فَخّار، وأنه الفيل الوحيد الذي يتجول فيها فيحطم ما شاء وقتما يشاء. ففي هذه الجغرافية صناعة وتدريب وتسليح وتمويل المُعارضات ماركة مسجلة، وأن من يرمي الآخرين بحجر سيتعرض إلى وابل من الأحجار مهما طال أو قصر زمن الرد.

ولأن هذه المنطقة تتفجّر بالظلم والإقصاء والتهميش والتمييز، فإنها سوقٌ دائم للاستثمار، بالضد من حكوماتها وأنظمتها السياسية، ومن السهولة التحرك فيها وخلق قوى معارضة مسلحة وغير مسلحة من هذا الطرف أو ذاك ضد الآخر.
في هذا السياق أتى الحادث الأخير الذي هز الشباك الايرانية، والذي وقع في الثاني والعشرين من الشهر الجاري، خلال عرض عسكري في مدينة الأحواز العربية جنوب غرب إيران. وهو حدث يقام سنويا بمناسبة ذكرى بدء الحرب العراقية الايرانية التي دارت بين عامي 1980 ـ 1988. وقد أسفر الحادث عن مقتل 25 من عناصر الحرس الثوري الايراني، وجرح العديد منهم، بعدما استهدف الهجوم منصة احتشد فيها كبار المسؤولين في المدينة، يتقدمهم آية الله جزائري ممثل المرشد الأعلى في المحافظة، ومحافظ المدينة ورئيس البلدية فيها، إضافة الى العديد من قادة الجيش والحرس الثوري. وتبنت المقاومة الوطنية الأحوازية ـ كتائب محيي الدين آل ناصر، مسؤوليتها عن الهجوم، حيث تخفّى 4 أفراد منها بزي الحرس الثوري، وقاموا بعملية تعتبر نوعية وناجحة، بعد أن اخترقوا المكان وحققوا أهدافهم. ولأن الصراخ على قدر الألم فقد تناثرت التصريحات من قبل أركان النظام، كل يلقي مسؤولية ما حدث على جهات وأطراف محلية وإقليمية ودولية، حتى لم تعد قوة في العالم إلا وكانت مشاركة في صنع الحدث، حسب تصريحاتهم.
فقد قال المرشد الأعلى «هذه الجريمة استمرار لمؤامرات دول المنطقة، وهي دمى في أيدي الولايات المتحدة. وهدف تلك العملية هو انعدام الأمن في بلدنا العزيز». أما الرئيس الإيراني حسن روحاني فقد قال في مؤتمر صحافي له في مطار مهر آباد في العاصمة طهران، إنهم يعرفون جيدا المنظمة المسؤولة عن تنفيذ الهجوم، زاعما أنها كانت تتلقى الدعم من النظام السياسي العراقي قبل عام 2003، والان يعملون لصالح دولة أخرى. بينما ذهب وزير خارجيته محمد جواد ظريف بتغريدة في تويتر إلى القول إن إيران «تُحمّل الإرهابيين الإقليميين وأسيادهم الأميركيين مسؤولية الهجمات الارهابية». في حين قال المتحدث باسم القوات المسلحة الايرانية الجنرال أبو الفضل شكارجي، «إن المهاجمين تدربوا على يد دولتين عربيتين خليجيتين، لهما صلات بأميركا والموساد».
ولقد بدا عمق الصدمة والارتباك واضحين على السلطات الايرانية، حيث اتهموا فورا من قام بالهجوم بأنهم مسلحون تكفيريون ثم عادوا للقول بأنهم انفصاليون عرب، خبأوا الأسلحة في منطقة بالقرب من طريق العرض العسكري قبل عدة أيام من الهجوم، وأن الخلية معروفة لدى السلطات، وأنها أدخلت أسلحتها الى البلاد مؤخرا. بما يعني أنها كانت مرصودة من قبل الأجهزة الامنية، فإذا كانت هي كذلك فماذا يمكن أن يعتبر الهجوم الذي حصل؟ غير أن التصريحات المتناقضة تشير فعليا إلى أن السلطات كانت متفاجئة تماما بما حدث، بما يعطي تصورا بأنها أُخذت على حين غرة، لان العروض العسكرية يفترض أن تكون مؤمنه تماما. وأن الحديث عن رصد الخلية ومعرفة حاضنيها مجرد محاولة لاستعادة الهيبة التي سقطت في ذلك اليوم. فالهجوم هو الأكبر والأشد والأعنف في هذه المنطقة. وهو يدل على أنه ليس محصورا بأفراد محددين أو خلية معروفة قامت بالعملية.
وإذا ما بحثنا في دلالات الحادث نجد أنه مُثقل بالرمزية، رمزية المكان ورمزية الزمان أيضا. فالمكان هو الأحواز العربية التي يعاني سكانها من الاضطهاد والتهميش، وسياسة محمومة لتغيير هويتها وطبوغرافيتها منذ عقود من الزمن، بينما نسبة النفط الذي يُستخرج من هذه الارض أكثر من 80% من مجموع النفط المستخرج من عموم البلاد. كما أنها شهدت انتفاضات كبرى تم قمعها، كان آخرها انتفاضة العطش في الشهر الماضي، في حين أن هنالك 3 روافد فيها. أما رمزية الزمان فقد كانت واضحة من خلال احتفالية ما يسمى (أسبوع الدفاع المقدس) بمناسبة ذكرى الحرب العراقية ـ الايرانية في ثمانينيات القرن المنصرم، التي تستغلها طهران دائما لبث رسالة للعالم بأنها قوية وموجودة، من خلال استعراضات عسكرية تبرز فيها قوة التسليح وهيبة التدريب. كما أن الهجوم جاء متزامنا مع توجه الرئيس الايراني الى نيويورك، لإلقاء كلمة أمام الاجتماع السنوي للجمعية العامة للأمم المتحدة.
ولأن الهجوم استهدف الحرس الثوري، وكان مصمما للنيل من هيبته التي أكسبته قدحا مُعلّى في القيادة الايرانية على حساب الاخرين، فهي أقسى رسالة وجهها المهاجمون إلى النظام الإيراني. فهذا الفصيل الذي طالما تفاخرت به طهران من أنه قوتها الضاربة في المنطقة والعالم، وأنه من يسيطر على 4 عواصم عربية، شاهد الملايين من الناس كيف أن هيبة ضباطه الذين كانوا في المكان قد تمزقت، وهم يزحفون على الأرض ويختبأون في أخاديد المياه على كتف الشارع، بينما تنهمر نيران المسلحين عليهم. وهذا المشهد سيشكل من الان وصاعدا ضغطا كبيرا على سلطات طهران كي ترد على الهجوم.
أما الدلالة السياسية الكبرى للحادث، فتشير الى أن النظام أصابته الشيخوخة داخليا وخارجيا. وأن هذه الحالة لم تعد مقتصرة على الجانب السياسي فحسب، بل شملت الجوانب الاقتصادية والفكرية والثقافية والاجتماعية والأمنية، حسب قواعد علم النظم السياسية. فمنذ أربعين عاما لم يشهد دماء سياسية جديدة تجري في عروقه، ولم يكن مستعدا لإجراء أي تغيير في الخطاب السياسي المعلن، وحتى في أوقات الأزمات التي كانت تفرض عليه انفتاحا على الآخرين على الصعيدين الداخلي والخارجي، كان يقدم قدما ويتراجع خطوتين الى الوراء. كما بقيت الصراعات مستفحلة بين أجنحته بعضها مع الاخر، وبين الاجنحة نفسها على الصعيد الداخلي. وقد تعزز في ظل كل ذلك سوء إدارة الاقتصاد والموارد والثروات وانتشر الفساد المالي بشكل كبير.
يقينا أن أستهداف قيادات عسكرية وأمنية وسياسية واعتبارية في الحادث الاخير، يشير الى هشاشة النظام بشكل واضح تماما. وإذا كان إرهاب الدولة هو العدالة بنظر السلطات، فإن العنف ضد الدولة هو العدالة في منظور المقموعين والمظلومين والمهمشين. وإذا ما ربطنا هذا الحادث بحادثة حرق القنصلية الايرانية في البصرة، يتبين حجم المأزق الذي يعانيه النظام داخليا وخارجيا.

نشر المقال هنا

comments powered by Disqus
خدمة RSS LinkedIn يوتيوب جوجل + فيسبوك تويتر Instagram

عدد الزوار :110,601,498

تطبيق الموبايل

-->

آخر الزيارات

مساحة اعلانية

الأكثر قراءة

الأكتر مشاهدة

تابعنا على "فيس بوك"