ملاحظات في الأداء السياسي والاعلامي السعودي خلال أزمة خاشقجي

مصطفى كامل

تفرض علينا أزمة اختفاء الصحفي جمال خاشقجي، ثم ثبوت اغتياله في قنصلية المملكة العربية السعودية في مدينة إسطنبول التركية لاحقاً، أن نتصارح مع الأشقاء في المملكة بشأن أدائهم السياسي والإعلامي ‏خلال الأزمة المستمرة، مصارحة مخلصة مهما أوجعت في مرارتها.‏

 

كان الأداء الإعلامي في السعودية ضعيفاً ومرتبكاً، مقارنة بالموقف المتعاطف مع الضحية الذي استمات لإثبات موقفه، بكل الوسائل، كذباً ‏وصدقاً، وهو أمر متوقع ومفهوم الدوافع ضد المملكة.‏

وكان لافتاً الغياب الكامل للدبلوماسية السعودية، وكأن قنصلية المملكة في إسطنبول لا تتبع وزارة الخارجية التي يديرها ‏الوزير عادل الجبير! وهو أمر ساهم في تعميق الأزمة على النحو الذي رأيناه.

كما نأت مؤسسة الديوان الملكي، أول الأمر، بنفسها تماماً عن الموضوع، وغابت إلا من تصريح يتيم للأمير محمد بن سلمان ينفي فيه ‏حصول الواقعة بالكامل، وهو التصريح الذي حوّله الطرف الاخر ضد الأمير وضد المملكة، لاحقاً!‏

وبصرف النظر عن دوافعه السياسية التي لا علاقة لها بكشف الجريمة والبحث عن العدالة ومحاسبة الجناة، فقد نقلل الطرف المتعاطف مع الضحية القضية إلى مستويات عالمية غير مسبوقة منذ سنوات، وتمكن من حشد كثير من دول ومنظمات ‏وشخصيات العالم، وهذا درس إعلامي يجب على الجميع دراسته بعمق، لفهم مدى أهمية وقدرة الاعلام على الحشد والتأثير، وتزييف الحقائق أيضاً واستغلالها سياسياً كذلك، في عالم اليوم.‏ وهو أمر مرفوض من جانبنا بلا نقاش.

ومن نافلة القول الإشارة إلى أن قناة الجزيرة لم تصنع الأزمة، فالسعودية، أو أطراف أمنية مسؤولة فيها، هي من صنعتها، لكن القناة استغلَّت الأمر إلى أقصى مدى.

ونجحت، وهي التي تتبادل مع الرياض العداء، في تحويل قضية اختفاء رجلٍ واحدٍ فردٍ إلى سلاح فعّال ضد المملكة، وألَّبت الرأي العام العربي والدولي، على نحو جدير بالدراسة والتحليل العميق.

وأياً كان الموقف من طرفي الأزمة، ومن طريقة تعاملهما خلالها، فلابد من تثبيت حقيقة أن الطرف الآخر بنى مؤسسات إعلامية مؤثرة وقادرة على الحشد والتعبئة، مثل قناة الجزيرة وغيرها، بينما بَنَتْ ‏‏السعودية قناتي روتانا و ‏mbc بكل ما تبثّه هاتان القناتان من تفاهات بعيدة عن قيم مجتمعاتنا العربية الإسلامية.

وقد اتَّضحت أهمية ذلك بقوة، مما يستدعي إعادة النظر في كل الأداء الاعلامي الخارجي للمملكة.‏

ولأن المدافعين عن موقف المملكة بنضج ورويّة يرفضون الظهور على شاشة "الجزيرة" فقد استغلّت القناة الفرصة على أفضل ما يحقق غرضها، وجلبت محللين بائسين كان همّهم إرضاء مشغّليهم في السعودية حتى لو كانت تبريراتهم فجّة متهافتة وحججهم داحضة مرفوضة، وهو أمر فاقم من بؤس الأداء الاعلامي السعودي ومن عرض وجهة النظر الرسمية بوضوح ودقة.

وكانت قناة العربية غاية في التهافت والركاكة، ومع أن ضعف أداءها كان انعكاساً لضعف الموقف السعودي وغياب حجّته المنطقية المقبولة، إلا إنها زادت من ذلك ‏وفاقمت منه، الأمر الذي يفرض إعادة النظر بهذه القناة وقيادتها العاملين فيها جملة وتفصيلا.‏

وفي موقع تويتر، حيث ينشط الساسة والصحفيون وصنّاع القرار، وحيث يتواجد مواطنو الخليج العربي بكثرة، وتحديداً السعوديون، تعامل معظم المغرّدين المدافعين عن موقف المملكة، أول أيام الأزمة المستمرة، بقدرٍ كبيرٍ من الاستعلاء واللامبالاة، ثم تحوّلوا إلى ‏التنمّر ضعيف الحجة، والكذب المتعمّد. كما غاب صوت المغرّدين باللغات الأجنبية. وهذان أمران أفقدا الرياض كثيراً من الفرص للتأثير في الرأي العام العربي والعالمي وكسبه، أو تحييده في أقل تقدير، فيما تعامل الطرف الآخر بشكلٍ مغايرٍ تماماً، ونجح في مسعاه، بدوافعه السياسية المعروفة، والمشار إليها في أعلاه.

والآن وقد أعلنت المملكة ثبوت اغتيال الصحفي جمال خاشقجي على يد مجموعة من عناصرها الأمنيين داخل قنصليتها، بصرف النظر عن مدى قبول أو رفض ما صرّحت به الرياض بشأن (الشجار) الذي أدى إلى وفاته، ورغم كل الثغرات الفادحة في هذا الإعلان ومنها وجود مدير الطب الشرعي بمديرية الأدلة الجنائية في وزارة الداخلية السعودية ضمن الفريق الذي يُفترض أنه كان مخصصاً لمفاوضة الرجل، ورغم التأخر الكبير الذي دام 18 يوماً للاعتراف بحقيقة وفاته، يجدر بنا أن نقدم للأشقاء في السعودية نصائح مخلصة صادقة بخصوص ما حدث وبحسب ما ورد في رؤيتنا له المدرجة في أعلاه.

أول ما يجب على العقلاء في المملكة التخلّص من الزعانف الإعلامية والواجهات والمنظمات التي أنفقت الرياض عليها مبالغ طائلة خلال السنوات ‏الأخيرة، وبان عوارها الفاقع أثناء الأزمة المستمرة، واتضح أن تلك الأموال بُدّدت بإسراف وغباء، فهناك فرق هائل بين الضرب على طبل أجوف وقيادة أوركسترا متناغمة متفاعلة بوعي ودأب.‏

كما يجدر بولاة الأمر في السعودية، وهم يواجهون أقسى أزمة تعرّضوا لها طيلة عقود، الشروع ببناء مؤسسات إعلامية مؤثرة ‏وقادرة على عرض وتوضيح مواقفهم والدفاع عنها بشكل جدي يحترم عقل المتلقي ويؤثر فيه ويكسبه، كما يحترم مواقف المملكة ويعبر عنها بأمانة واحتراف.‏

وأعتقد أن الملك سلمان بن عبدالعزيز أدرك ذلك بعمق، حينما قرر إعفاء سعود القحطاني الذي يبدو أن فشله الذريع في الأداء الاعلامي ‏كان سبب إعفائه، إلا إذا كان عضواً في مجموعة الاغتيال!‏

أما الجهد المخابراتي لمجموعة التخطيط والتنفيذ فكان على قدر هائلٍ من الغباء والفشل، بما لا يسمح لي بإبداء أي رأي أو ‏موقف. وأترك للمتخصصين تقييمه وإبداء الملاحظات بشأنه، لكنني أؤكد ما أعلنته منذ اليوم الأول للأزمة أن العملية أغبى جريمة اغتيال سياسي جرت في التاريخ المعاصر.‏

ولنا ثقة في أن القضاء العادل الحاكم بشرع الله سيقتصّ من الجناة ومن برّر لهم جريمتهم، كلٌ حسب ما يستحق. فليس مقبولاً من إنسان السكوت عن جريمة بشعة بكل المعايير.

وللأشقاء في المملكة العربية السعودية نقول: يشهد الله أن ما ورد في أعلاه ملاحظات أخٍ لكم، محبٍ مخلصٍ في محبته، صادق في إنتمائه لأمته، حريصٍ عليها أشدَّ الحرص، ‏مدافعٍ أمينٍ عن المملكة ومكانتها وسمعتها الدولية التي تستحق، والله الموفّق والمستعان.‏


comments powered by Disqus
خدمة RSS LinkedIn يوتيوب جوجل + فيسبوك تويتر Instagram

عدد الزوار :113,121,201

تطبيق الموبايل

-->

آخر الزيارات

مساحة اعلانية

الأكثر قراءة

الأكتر مشاهدة

تابعنا على "فيس بوك"