من المستفيد من فتح البوابة العُمانية للكيان الصهيوني؟

مثنى عبدالله

في السادس والعشرين من الشهر الجاري، وصل رئيس الوزراء الصهيوني بنيامين نتنياهو إلى مسقط في زيارة رسمية إلى عُمان، التي لا ترتبط بعلاقات دبلوماسية مع الكيان الصهيوني. وقد فاجأ الحدث الكثير من الأوساط السياسية والشعبية، على الرغم من أن زيارات سابقة حصلت بهذا المستوى وما دونه، لكنها كانت في ظروف فلسطينية وعربية ودولية مختلفة تماما عن الوضع الراهن.

صحيح أن النظام الرسمي العربي لم يغلق الباب بوجه العدو الصهيوني تماما، بل فتحها من خلال ما يسمى بالمبادرة العربية، وكذلك بمعاهدات السلام بين مصر والأردن من جهة والكيان من جهة أخرى، ومن خلال زيارات سرية وعلنية اليها، لكن ما الذي جناه العرب من وراء كل ذلك؟ لا شيء تماما، فالكيان الصهيوني تغوّل أكثر مما سبق وثبت أركانه على أرض فلسطين، ضارب عرض الحائط كل الاتفاقيات التي قبل بها، بل حتى المجتمع الدولي بات أكثر انسياقا مع التوجهات الصهيونية، وتخلى عن كل الضمانات التي قدمها للأقطار العربية بأنها إن تقدمت خطوات نحو الصلح مع الكيان الصهيوني، فإنه سيضغط ويعمل جاهدا من أجل إقامة الدولة الفلسطينية، إذن من المستفيد من فتح عُمان أبوابها للصهاينة؟
لقد التزمت السلطنة بما يسمى سياسة الحياد في الازمات التي تعصف بالمنطقة، وطرحت نفسها وسيطا في النزاعات الإقليمية في منطقة الشرق الاوسط. وقد نجحت في القيام بأدوار كثيرة بهذه السياسة، فعلى سبيل المثال حررت البحارة الانكليز في عام 2007، بعد أن ألقت القبض عليهم السلطات الايرانية في شط العرب. كما ساعدت في الإفراج عن عمال فرنسيين كانوا محتجزين لدى القاعدة في اليمن، إضافة إلى تقريب وجهات النظر بين الايرانيين والاميركان حتى توصلوا إلى الاتفاق النووي في عهد أوباما، لكن ليس من السهل فهم قيام عُمان بهذا الدور في موضوع النزاع العربي ـ الصهيوني، لأنها يجب أن لا تكون طرفا محايدا في هذه القضية. هم اليوم يبررون قبولهم الزيارة بأنها ليست مقدمة لإقامة علاقات دبلوماسية بين الطرفين، لان ذلك مرتبط بالتزام عُماني ـ عربي بضرورة حل الصراع وإقامة الدولة الفلسطينية قبل أي شيء آخر، لكن ربط جدية العلاقات بموضوع التبادل الدبلوماسي من عدمه بات أمرا غير واقعي في هذه الأيام، فإذا كانت الزيارات تتم على أعلى المستويات، والتواصل السياسي والامني يسير باتجاه تفاعلي أكثر من أي وقت مضى، فهل يصبح عدم التمثيل الدبلوماسي هو العامل الوحيد في الالتزام العربي ضد الكيان الصهيوني؟ يقينا لا، لان رئيس الوزراء الصهيوني عندما أعلن مؤخرا من على منصة الامم المتحدة قائلا (بيننا وبين دول عربية صداقة غير مسبوقة لم أرها في حياتي. قبل بضع سنوات كان من المستحيل تخيل ذلك). إذن هو لا يُعير أهمية للتمثيل الدبلوماسي، لأنه لابد أن تكون حاصلة مستقبلا. المهم بالنسبة له ولجميع الصهاينة هو أن يتخلى العرب عن قضيتهم وتصبح مجرد وجهة نظر. إذن الزيارة أضفت المصداقية على تصريحاته من أن لهم علاقات مع الدول العربية أكثر مما يعتقد البعض.
المعلومات المتوفرة تقول إن السلطان قابوس عرض على رئيس السلطة الفلسطينية إمكانية لعب دور الوسيط بينهم وبين الكيان الصهيوني، وقد وافق الطرفان على ذلك. ولو لاحظنا تشكيلة الوفد المرافق لرئيس الوزراء الصهيوني نجد فيه رئيس الموساد، ومستشاره العسكري، ومستشار الامن القومي، أي أن الزيارة ليست بروتوكولية. وهذا يعطي انطباعا بأن المفاوضات بين الجانبين كانت تجري منذ فترة، وأن الطابع الأمني للوفد المرافق يدل على أنه حصلت بعض التفاهمات على نقاط مهمة معينة، وباتت المفاوضات الآن في الملف الامني بين الطرف الصهيوني والطرف الفلسطيني. وربما يكون ملفا القدس واللاجئين قد تم الاتفاق على تأجيل النظر فيهما إلى مرحلة لاحقة. فالمهم الان هو العودة إلى المفاوضات، بهدف إبعاد حالة الصراع من المنطقة، التي هي أصلا في حالة تداعيات كبرى على أكثر من صعيد. وقد يكون هذا المنحى قد جرى بضغط دولي، حيث لا يمكن أن تكون الولايات المتحدة بعيدة عن الدوافع التي نتجت عنها زيارة رئيس الوزراء الصهيوني إلى عُمان. فلا يمكن أن تتطور العلاقة بين السلطة الفلسطينية والكيان الصهيوني بمعزل عن حلحلة حدثت في العلاقة بين الرئيس عباس وترمب.

إذن سلطنة عُمان كانت أيضا متواجدة كوسيط بين الطرفين، أي أن الوساطة العُمانية كانت باتجاه بعث العلاقة من جديد بين الفلسطينيين من جهة، والصهاينة والاميركان من جهة أخرى لكن كلا على حدة، وهنا يجب الاشارة إلى أن هذه التحركات تدخل في نطاق ما يسمى صفقة القرن، وإعادة بعث الروح في المفاوضات بين جميع الاطراف للوصول اليها، وهي تجري بعلم دول عربية أخرى منها السعودية ومصر والأردن.
السؤال الذي يطرح نفسه في شأن هذه الزيارة، هو هل تم التطرق إلى الموضوع الايراني من عدمه؟ العُمانيون يجيبون بالنفي على ذلك، لكن الموقع الجغرافي لعُمان بالقرب من السعودية وإيران، يجعل نتنياهو بمجرد وقوفه على أرض هذا البلد تكون رسالته واضحة للسعوديين، من أنه حان الوقت لتطوير علاقاتنا وإخراجها من طابع السرية. وللايرانيين من أننا نقف في المنطقة المقابلة لكم من الجهة الاخرى لمضيق هرمز.
كما أن رسالته للرئيس الفلسطيني عباس تقول، إن العرب يفتحون أبوابهم لنا علنا، فإذا كنت تريد أن تتحاور معنا فنحن جاهزون بشروطنا. أما إذا رفضت فستصبح معزولا ليس من الادارة الاميركية وحدها بل من أشقائك العرب أيضا.
إن المشكلة الكبرى التي تعانيها الأقطار العربية هي وجود خلل بنيوي عميق في إدراك المصالح العربية، لذلك نجد التناقض موجودا في سياساتها، وتجاه نظرتها للقضايا العربية المركزية. هم يفهمون ما يجب فعله بشكل مجزءا وليس موحدا. بعضهم يريد علاقات مع الكيان الصهيوني علانية، وآخرون يريدونها سرية، في الوقت الحاضر. في حين أن منظومة الأمن القومي العربي غير موجودة، أو في أضعف الايمان ليست قائمة على أسس جماعية، وغائبة الآليات والأهداف، بينما التأثير الخارجي أقوى من أي وقت مضى.
يقينا أن الزيارة لن تقدم أي شيء للقضية الفلسطينية، لانها ستجعل صانع القرار الصهيوني يعتقد بأنه ليس مُجبرا على تقديم تنازلات للجانب الفلسطيني، مادام بات مقبولا ومُرحبّا به في الاقطار العربية، وإذا كان بعضها يعتقد بأنه يمكن أن يحقق بعض الخروقات في الوضع المتجمد بين الفلسطينيين والصهاينة، من خلال قبول زيارات على شاكلة زيارة نتنياهو الاخيرة، فهذا وهم كبير لأن دول كبرى ولها ثقل على الطرفين فشلت في تحقيق ذلك من قبل.

نشر المقال هنا

 

 

comments powered by Disqus
خدمة RSS LinkedIn يوتيوب جوجل + فيسبوك تويتر Instagram

عدد الزوار :113,779,178

تطبيق الموبايل

-->

آخر الزيارات

مساحة اعلانية

الأكثر قراءة

الأكتر مشاهدة

تابعنا على "فيس بوك"