الدولة العميقة في العراق: الحقيقة والمبالغات

منذ منتصف أيار/مايو 2018، عقب إجراء الانتخابات البرلمانية في العراق، واندلاع الأزمة السياسية الأصعب منذ الاحتلال الأميركي عام 2003، يتكرر الحديث عن "الدولة العميقة"، على لسان زعامات سياسية وأعضاء في البرلمان ومسؤولين ومراقبين للوضع السياسي في العراق، بوصفها المسؤولة عن الأزمات.

وهذه ليست المرة الأولى، إذ إنه بعد كل مشكلة سياسية تعصف بالعراق، أو خلل يصيب توازن مصالح الأحزاب في ما بينها، يظهر مصطلح "الدولة العميقة" ويتحول إلى "تهمة" تتراشق بها القوى السياسية. ويثير هذا الأمر تساؤلات حول حقيقة وجود دولة عميقة في العراق، وكيفية عملها.

يقول الباحث في الشأن السياسي العراقي، لقاء مكي إنه "بعد عام 2003 تم تهديم الدولة العراقية المعروفة، وبالتالي انتهت المرتكزات الرئيسة للدولة ولم تعد هناك أي مراكز قوى في البلاد، وبعد هذا التاريخ شخصياً لا أعتقد أن الدولة التي تم بناؤها تسمح ببناء دولة عميقة بالمعنى المعروف". ويتابع: "نعم هناك ما يمكن اعتباره اصطلاحاً الدولة العميقة لكن بشكل أكثر هشاشة عن باقي الدول، وفي كل الحالات إذا ما أردنا استخدام تعريف الدولة العميقة على ما يجري في العراق يمكن القول إنها تضم شبكة لأشخاص وقوى سياسية ومافيات فساد تلتقي مصالحهم معاً". وبالنسبة إليه، فإن "الدولة العميقة في العراق ليست بالقوة التي توجد بها في دول أخرى، وإذا ما قارنّا بين دور الدولة العميقة والتأثير الخارجي تجاه ما يجري في العراق، سيكون التأثير الخارجي أقوى في صناعة الأحداث من الدولة العميقة، وبالتالي فإن الإرادات الأجنبية تتغلب. كما أن الإرادات الأجنبية تستفيد من الدولة العميقة". ويضيف: "حتى الآن العراق لم يصنع لنفسه نظاماً راسخاً وقوياً والدولة غير ثابتة، وغالباً ما تتغول الدولة العميقة في دول راسخة، لذلك فإن ما يجري في العراق هو أقرب ما يكون إلى (هيمنة) مافيات منه إلى الدولة العميقة بمعناها المعروف".
ومنذ عام 2005، تحديداً مع تسلم حزب الدعوة الإسلامية السلطة من خلال إبراهيم الجعفري أولاً ومن بعده نوري المالكي بولايتين متخمتَين بالفساد والمشاكل والاحتقان الطائفي، يبحث عراقيون عن كثير من الأجوبة على أسئلة تطرح نفسها بشكل يومي تتعلق بأزمات أمنية وسياسية واقتصادية اندلعت وحُلّت بدون أن يعرف أحد كيف حدث ذلك.
وبحسب مسؤول مقرب من رئيس وزراء نظام المنطقة الخضراء السابق حيدر العبادي، فإن "حزب الدعوة بزعامة نوري المالكي هو المؤسس للدولة العميقة بعد الاحتلال الأميركي للعراق، وأول من عمد إلى توزيع موظفيه المنضوين في الحزب، في وزارات ودوائر الدولة لتسهيل أمور أعضاء الحزب في حال احتياجهم إلى أمر ما. بعدها دخلت على الخط منظمة بدر التي يتزعمها هادي العامري حتى استولت المنظمة مع مرور الوقت على أغلبية الوزارات لا سيما المرتبطة بوزارة الداخلية، من دوائر الجوازات والجنسية والإقامة. وتحوّل الموظفون فيها إلى أصحاب أموال طائلة من جراء المساومات والرشى التي يفرضونها على المواطنين، فضلاً عن بيع وشراء التعيينات في الهيئات الأمنية وأبرزها مديرية الأمن الوطني".

ويوضح المسؤول نفسه أن "الدولة العميقة أصبحت على قوتها الحالية بعد عام 2008، وقد بان أثرها بعد اتضاح سوء الإدارة العراقية، ولولا هذا السوء لما أصبحت هناك دولة تعمل بالخفاء".
ويلفت إلى أن "الهيكلية السيئة في الدولة العراقية أفرزت أساليب الدولة العميقة، والقصد أن هناك إدارات تعمل تحت الطاولة تدير الدولة، وهي مراكز قوة غير ظاهرة للعيان". ويقدّر بأن "75% من أمور الدولة والعراقيين تدار عبر الدولة العميقة، بواسطة شخصيات وعصابات وضعتها الأحزاب داخل المؤسسات الرسمية". كما يشير إلى أن هذه "القوى الخفية تمتلك الدعم السياسي والغطاء القانوني، كونها تعتمد على موظفين حقيقيين في الدولة العراقية، إلا أن أعمالهم كلها لمصالحهم ومصالح أحزابهم".
ووفقاً للمسؤول نفسه، فإن "صفقات كثيرة متعلقة بالأسلحة والنفط والتي تتم بين العراق ودول أخرى، تمرّ أولاً على الأحزاب عبر بيادقها في الوزارات، وبعد دراسة الملفات التي من المفترض أن يناقشها الوزير المختص، ترسل الأحزاب ملاحظاتها إلى الوزارات لتكون جزءاً من المباحثات". ويوضح أن "الدولة العميقة لن تنتهي في العراق إلا بسحب كل السلاح من أيدي المواطنين والعصابات والفصائل المسلحة. وحين يتساوى كل العراقيين في مقدار القوة والضعف، حينئذ لن تكون هناك دولة عميقة".
وتشترك داخل "الدولة العميقة" في العراق قوى سياسية مرتبطة بالأحزاب الموالية أصلاً لأنظمة خارجية، وأبرزها إيران، وقوى أمنية متمثلة في ضباط موالين لأحزابهم التي أوصلتهم إلى مراتب رفيعة، بالإضافة إلى فصائل "الحشد الشعبي" التي تعمل على تذليل الصعوبات التي تواجه بعض الكيانات السياسية. كما يسيطر موظفون بصيغة مديرين ووكلاء وزراء ومستشارين، على تمرير القرارات داخل إدارات الدولة. وقد تعلو صلاحيات بعض الموظفين العراقيين في المؤسسات الحكومية الصغيرة على صلاحية وزراء في الحكومة. ويعمل "جنود" الدولة العميقة في كل مفاصل الدولة العراقية على ترتيب مصالحها أولاً ومحاربة مصالح "الأعداء" ثانياً.

المصدر

comments powered by Disqus
خدمة RSS LinkedIn يوتيوب جوجل + فيسبوك تويتر Instagram

عدد الزوار :123,120,868

تطبيق الموبايل

-->

آخر الزيارات

مساحة اعلانية

الأكثر قراءة

الأكتر مشاهدة

تابعنا على "فيس بوك"