هل تصادر أميركا أموال السعودية؟

تعجز فنزويلا منذ شهرين، عن استرداد 14 طنا من ذهبها، ما يعادل نصف مليار دولار، الموجود في خزانات المملكة المتحدة.

فهل تستطيع المملكة العربية السعودية استرداد احتياطياتها النقدية المودعة في سندات الولايات المتحدة الأميركية إذا ما نشبت بينهما خلافات ثنائية؟

تعتزم الولايات المتحدة الأميركية فرض عقوبات على فنزويلا، تمنعها بموجبها من التعامل في ممتلكاتها من الذهب، وبينما تنتظر بريطانيا دخول هذه العقوبات حيز التنفيذ، تحاول بشتى الطرق إفشال جميع محاولات فنزويلا استرداد ممتلكاتها قبل موعد سريان العقوبات.

علاوة على ذلك فقد بدأت لندن في مصادرة العقارات التي يعجز أصحابها عن إثبات مصدر الأموال التي استثمروها في شرائها، وكان من ضمن أولى الضحايا، زاميرا غاجيفا، زوجة مصرفي من أذربيجان. فكيف حدث ذلك؟ هل يعني ذلك أن  لندن توقفت فجأة عن لعب دور المرفأ الآمن للفاسدين العرب، والأوليغارشيين الروس، وكل من تمكن من سرقة أموال في أوطانهم ليستثمروها في عقارات لندنية يمضون فيها شيخوختهم؟

كذلك تواردت أنباء مؤخرا من بلجيكا حول ضياع أكثر من 10 مليارات دولار أميركي، من أصل 16 مليار من الأموال الليبية المجمّدة في حسابات بلجيكية، ولا يدور الحديث هنا عن ضياع تلك الأموال في الصومال أو زيمبابوي، وإنما في إحدى العواصم الأوروبية "المتحضرة".

يدفعنا ذلك إلى التساؤل عما إذا كانت الولايات المتحدة الأميركية وبريطانيا، أو دعنا نقول الغرب بشكل عام، مكانا آمنا لتخزين احتياطيات المملكة العربية السعودية، والدول العربية وغيرها من الدول؟ أعود وأذكّر بأن العالم بأسره يخزّن احتياطياته في سندات الولايات المتحدة الأميركية، ووفقا للوضع في آب/أغسطس 2018، فإن العربية السعودية تضع هناك 169.5 مليار دولار، والإمارات 59 مليار دولار، والكويت 43.6 مليار دولار، والعراق 29.8 مليار دولار، وسلطنة عمان 11.4 مليار دولار، والمغرب 3.2 مليار دولار، ومصر ما لا يقل عن 2.1 مليار دولار، وقطر مالا يقل عن 1.3 مليار دولار، والبحرين 0.9 مليار دولار، والجزائر 0.7 مليار دولار.

فهل تعدّ تلك الحوادث أمرا عارضا، أم أنها تترابط فيما بينها، لتشكّل بداية لتوجه أوسع؟ أعتقد أنها مجرد بداية لتحوّل هائل في طريقة الغرب في التعامل، بما في ذلك الولايات المتحدة الأميركية، إنها قواعد اللعبة الجديدة، التي تتميز بكونها "لعبة بلا قواعد".

يحدث ذلك فحسب، حينما يصبح ثمن التضرر من فقدان السمعة، أقل من المكاسب الممكن تحقيقها من خلال المصادرة والقرصنة، ولذلك سببان:

الأول، هو أن الهرم الائتماني للولايات المتحدة يقترب من الانهيار، ولم يتبق من سمعة البنوك الغربية إلا النذر اليسير، ولم يعد هناك أمل في إنقاذ الهرم الائتماني الأميركي، ولكي يقوم الأميركيون بسداد هذه القروض، عليهم أن يخفضوا كثيرا من مستوى حياتهم لعقود قادمة. لكننا نرى كيف أدت بضع سنوات صعبة عقب أزمة 2008 المالية إلى تصويت انتقامي للناخب الأميركي، جاء على أثره الرئيس، دونالد ترمب، ناهيك عن انقسام الشارع الأميركي على النحو الذي نراه، أمّا في حال حدوث "تقشف" من أجل خفض معدل الدين الأميركي، فإن الأميركيين سوف يكونون على استعداد لانتخاب أي شخص، حتى ولو كان "هتلر" شخصيا، فالبلاد لا تحتمل أي سياسة تقشفية، وبين خياري عدم سداد الديون، والحرب الأهلية، أعتقد أن خيار القيادة الأميركية سوف يقع على الأول، حيث ستعمّم تلك الوصفة على الغرب بشكل عام. وفي ذلك الظرف الذي تستعدّ فيه الولايات المتحدة الأميركية للامتناع عن سداد الديون، لم يعد أحد يكترث بما يظنه الآخرون عن سمعة الخزائن الآمنة للنقود "المرافئ الآمنة" Safe Haven.

الثاني، هو أن الغرب والولايات المتحدة يفقدون زعامتهم تدريجيا، لذلك يلجؤون إلى خطوات جذرية، من أجل فرض إرادتهم على الدول المحيطة، حتى لو جلب لهم ذلك مزيدا من الضرر على المدى الطويل. أي أن الغرب يتحوّل الآن من لعب دور "المصرفي" إلى لعب دور "القرصان" و"الصليبي"، ذلك أن الزمن الذي كان العالم يتمتع فيه بالنمو الاقتصادي والازدهار قد انتهى، وأصبح الجنرالات الأميركيون يعلنونها جهارا نهارا أن الولايات المتحدة الأميركية سوف تحارب الصين خلال 15 عاما، كذلك انسحبت الولايات المتحدة الأميركية من معاهدة الحد من انتشار الصواريخ الإستراتيجية قصيرة ومتوسطة المدى، لتتنصل واشنطن من تحمل أي مسؤولية في إطار الحفاظ على الاستقرار والسلم العالميين.

إن الولايات المتحدة الأميركية والغرب يعدّون العدّة للحرب، التي يمكن أن تندلع لامتناعهم عن سداد ديون الصين، التي أودعت حوالى 1.2 تريليون دولار في السندات الأميركية. لكن الحرب، إذا ما بدأت، فلن تبدأ سوى بمبادرة أميركية. على كل الأحوال، وأيا كان البادئ بالحرب، فإن جميع احتياطيات الدول الموجودة لدى الغرب سوف تحترق، أو تجمّد أو تصادر.

أعتقد أن العالم قد دخل فعليا في عصر التغييرات الكبرى، وعلينا أن نتخلّى عن الكثير من الأوهام، التي سادت لفترة طويلة، وأحد تلك الأوهام، هي أن الغرب يعيش في إطار القواعد والقوانين، وأن حرمة حقوق الملكية السائدة هناك غير قابلة للانتهاك.

كان من حظ روسيا أن تكون الأولى، التي تواجه مصادرة أموال نخبها أثناء أزمة البنوك القبرصية عام 2013، حينما رفضت البنوك القبرصية، بموافقة الاتحاد الأوروبي، وفي إطار برنامجه لإنقاذ تلك البنوك، ردّ إيداعات روسية بقيمة 3.2 مليار يورو (وفقا لبعض التقديرات)، بينما ذهبت الأموال لإنقاذ البنوك. لا شك أن الأوهام باهظة الثمن، لكن روسيا تعلّمت الدرس جيدا، وأصبحت، نتيجة لذلك، أسرع دول العالم في تنمية احتياطياتها من الذهب، بينما أصبحت احتياطياتها من سندات الولايات المتحدة الأميركية تقترب من الصفر.

فهل لا زالت هناك فرصة لإنقاذ احتياطيات الدول العربية من براثن الأميركيين؟ أشك في ذلك.

أعتقد أن الأوان قد فات بالنسبة للمملكة العربية السعودية بالتأكيد، خاصة بعدما وقعت بالكامل تحت سيطرة واشنطن، على خلفية تطورات قضية خاشقجي، ولن يقتصر الأمر على ذلك، بل أعتقد أن السعودية ستجبر على زيادة قيمة استثماراتها في الديون الأميركية.

المصدر

comments powered by Disqus
خدمة RSS LinkedIn يوتيوب جوجل + فيسبوك تويتر Instagram

عدد الزوار :113,779,250

تطبيق الموبايل

-->

آخر الزيارات

مساحة اعلانية

الأكثر قراءة

الأكتر مشاهدة

تابعنا على "فيس بوك"