معجزة الكون الجميل

محمد عارف

«كل متر مكعب من الكون معجزة». قال ذلك الشاعر الأميركي «والت وايتمان». ولو عرف «وايتمان» ما يعرفه طلاب المدارس اليوم لقال: «كل ذرة في الكون معجزة». 

فالكون كما نعرفه الآن نشأ عن «الانفجار العظيم» الذي حدث قبل نحو 14 مليار عام. وأقرب صورة نعرفها اليوم للكون تعود إلى عام 480 مليوناً عقب الانفجار. التقط الصورة التلسكوب الفضائي «هابل» وكتبتُ عنه قبيل إطلاقه في نيسان/أبريل 1990: «إنه كما لو كنا جالسين على مرتفع يحيط بنا الضباب من كل جانب، ونكاد لا نرى على بعد خطوتين من مواقع أقدامنا، ثم ينقشع الضباب، وفجأة نبدأ نرى الناس والكائنات والبيئة التي تحيط بنا على امتداد البصر». 

و«إدوين هابل» (1889-1953) الذي أُطلق اسمه على التلسكوب، برهن على أن الكون أكبر كثيراً مما كان يُعتقدُ حتى مطلع القرن الماضي، وأنه يحتوي على مليارات المجرات الشبيهة بمجرتنا «درب التبانة» التي تضم مئة مليار نجم، وكل ما في الكون، بما فيه مجرتنا، يتباعد بعضه عن بعض بسرعة متعاظمة منذ «الانفجار العظيم». ذكر ذلك العالم اللبناني حسن شريف، مؤلف كتاب «في رحاب الكون». ولم تتغير صورة الكون الذي وصفه «شريف» في كتابه المنشور عام 1980، وما تزال التساؤلات قائمة حول «الذرة الأمّ» أو «البيضة الكونية» التي تفجّرت وولدت مادة كل شيء في الكون، بما فيه نحن البشر. وقد يتوقف تمدّد الكون ويتقلص مرة أخرى في بؤرة واحدة. الأمر الوحيد المؤكد حتى الآن هو أن «الانفجار العظيم» نظرية «ناجحة تماماً»، حسب أليكس فيليبنكو، عالم فيزياء الفلك في جامعة بيركلي في كاليفورنيا.
«ثم استوى إلى السماء وهي دخان»، هذه الآية الكريمة استشهد بها «شريف» عند حديثه عن نشوء الكون، حسب نظرية «الانفجار العظيم». وأحدث تأويل اليوم لهذه النظرية يماثل القول الديني «الواحد الأحد». وتنطلق النظرية من فكرة أن الكون بدأ بنقطة «التفرُّد» (singularity) أو «الواحد الأحد»، حيث لا حدّ للكثافة والحرارة، والتي تعجز عقولنا عن إدراك طبيعتها، وهي تماثل في هذا نظرية إينشتاين في «النسبية العامة». وتتيح لنا أحداثاً فضائية ساحرة هذه الأيام فرصة بديعة لأن نرفع رؤوسنا نحو السماء، ونرى زخة الشلال النيزكي «ليونيدز» الذي يبلغ ذروة زخِّه يوم غد الجمعة. واسم «ليونيدز» مستمد من نقطة انطلاق النيزك من برج نجوم «ليو». وأفضل موقع لرؤية النيزك بعيداً عن أضواء المدينة، حيث تُفضَلُ رؤيته بالعين المجردة، دون استخدام منظار أو تلسكوب، قد يُضيّقان فسحة السماء التي نتابعها. والنيازك بنات المذنبات، وشاهدتُ في تموز/يوليو عام 1994 حادث ارتطام مذنب جبار بكوكب «المشتري»، أكبر وأجمل كواكب المنظومة الشمسية. وتابعتُ من «مركز غودارد» الفضائي في ميريلاند بالولايات المتحدة ارتطام المذنب، الذي أحدث فجوات في «المشتري» بحجم الكرة الأرضية، وبلغت قوة انفجاره مليار طن. وهناك قالت ليُ مكتشفة المُذّنب، عالمة الفضاء الأميركية «كارولين شوميكر»، إنها تشعر بالعرفان لكوكب «المشتري» الذي قد يكون أنقذ الأرض عندما سحق بقوة جاذبيته المغناطيسية الجبارة المذنبَ واجتذبه إليه بعيداً عن الأرض. 
وأروع ما في الكون هو الكون، وهذه حصيلة تجربتي منذ انصرفتُ للكتابة العلمية عام 1989. آنذاك كانت مركبتا «فوياجر1» و«فوياجر2» اللتان أطلقتا عام 1977 قد وصلتا كوكب «نبتون»، وحققتا أعظم رحلة فضائية استكشافية في القرن العشرين. وتواصل المركبتان، اللتان تبعدان الآن أكثر من 21 مليار كيلومتر، تبادل الرسائل مع الأرض. ومع أنهما تبثان المعلومات بسرعة الضوء، إلاّ أنها تستغرق أكثر من 4 ساعات حتى تصل الأرض. وعقل الإنسان الذي يواصل إبداع هذه المركبات والعمليات هو أكثر ما يدهش في الكون.

 

نشر المقال هنا

comments powered by Disqus
خدمة RSS LinkedIn يوتيوب جوجل + فيسبوك تويتر Instagram

عدد الزوار :116,495,534

تطبيق الموبايل

-->

آخر الزيارات

مساحة اعلانية

الأكثر قراءة

الأكتر مشاهدة

تابعنا على "فيس بوك"