الحكومة العراقية وأوهام الإصلاح

عوني القلمجي

أي متابع بسيط للشان العراقي يستطيع الوقوف على حقيقة الحكومة الجديدة، وعلى الادعاءات الفارغة والاكاذيب المكررة، فهي قد فضحت نفسها بنفسها، خاصة فيما يتعلق بالوعود والتعهدات التي قطعها عادل عبد المهدي على نفسه، حول تشكيل "حكومة مستقلة نزيهة بعيدة عن الطائفية وبعيدة عن الفاسدين". 

ومعروف ما حدث، حيث تراجع الرجل عن وعوده بقدرة الميليشيات المسلحة، وفسح المجال واسعا امام الكتل والاحزاب الطائفية، لتنال 11 وزير من المجموع الكلي البالغ عددهم 14 وزير، واكتفى بمنصب عريف الحفل لجلسة البرلمان المخصصة لمنح الثقة للحكومة. اما الوزراء الثلاثة الذي رشحهم، فقد قدموا لقادة الطائفية شهادة حسن السيرة والسلوك، مشفوعة بتعهد خطي بالولاء والطاعة. في حين وصف "نزاهة" الحكومة الجديدة، علي البيدري النائب في كتلة الإصلاح والإعمار، بتصريح علني قال فيه بان "اغلب الوزراء الذين نالو الثقة مشكوك في نزاهتهم ولهم ملفات فساد لدى القضاء وهيئة النزاهة والمساءلة.

ومع ذلك لم تكتف هذه الاحزاب والميليشيات بما كسبت، فطالب قادتها بالوزارات الثمانية، التي لم يعلن عنها لحد الان، وحددوا الاسماء ايضا. فعلى سبيل المثال، فقد هدد هادي العامري بسحب الثقة من الحكومة، اذا لم يحصل فالح الفياض على وزارة الداخلية، وتعهد اياد علاوي بنفس اللغة، اذا لم يحصل فيصل الجربا على وزارة الدفاع، في حين اصر قيس الخزعلي على منح حسن كزار الربيعي وزارة الثقافة. ولم يتاخر عمار الحكيم زعيم تيار الحكمة عن الركب، فطالب بوزارة التعليم العالي والبحث العلمي.

ليس هناك ما يدعو الى الاستغراب، اذ ليس بامكان عادل عبد المهدي ولا غيره التمرد على نظام المحاصصة، او التلاعب بالحصص، او حتى تدوير الوزارات فيما بين الكتل والاحزاب الطائفية، بحيث اصبح منصب رئيس الجمهورية مسجلا باسم الكرد  ورئاسة مجلس النواب  باسم "السنة" ورئيس الحكومة باسم "الشيعة"، وحتى الوزارات صارت مشمولة ايضا بهذا النظام المقيت، فوزير الدفاع للسنة والداخلية للشيعة والمالية للكرد. هذه المحاصصة التي ابتكرها الأميركان، هي كلمة السر لتقسيم المجتمع العراقي تمهيدا لتقسيم العراق، وتدميره دول ومجتمعا. وهي في نفس الوقت، الحصن المنيع لادوات الاحتلال، من الاحزاب والكتل الطائفية والميليشيات المسلحة، بل شملت ايضا العصابات والمافيات التي انتشرت في الاونة الاخيرة بشكل واسع.

هذه الحكومات وبهذه المواصفات السرطانية، تمثل، بالنسبة للمحتل، آلية سياسية، لحكم البلاد بطريقة غير مباشرة، بعد فشله في حكم البلاد عبر الحاكم العسكري جي كارنر والحاكم المدني بول بريمر، جراء اندلاع المقاومة العراقية وتكبيد قوات الاحتلال العسكرية خسائر جسيمة. وهذه تحكي قصة معروفة،  فامام عدم قدرة المحتل البريطاني للعراق عام 1917 على مواجهة رجال ثورة العشرين المجيدة، وما ترتب عليها من خسائر بشرية ومادية كبيرة لقوات الاحتلال، استبدل البريطانيون الحكم المباشر، عبر الحاكم العسكري برسي كوكس والحاكم المدني ارنولد ويلسون، بحكومة محلية برئاسة عبد الرحمن النقيب، لتقوم بمهمة تنفيذ مخطط الاحتلال نيابة عنه. فليس تجنيا، والحالة هذه، وصف الحكومات العراقية المتعاقبة، بانها حكومات احتلال، تعمل لخدمة المحتل وتنفذ مخططاته الغادرة، ولا تعمل من اجل الشعب العراقي وتحقيق طموحاته المشروعة. وبالتالي فان حكومة عادل عبد المهدي، تصبح وفق هذا السياق، حكومة احتلال بامتياز.

الذين يعتقدون بامكانبة قيام حكومة وطنية مستقلة بعيدة عن الطائفية والوجوه القديمة فعلا، لم ينتبهو بالقدر الكافي، الى ان حكومة من هذا النوع لن تقبل  بالاحتلال، مهما اتخذ من صيغ مراوغة، ومهما كانت الاسباب او الادعاءات الكاذبة، وهذا يعني ان تاخذ  أميركا عصاها وترحل، ويرحل معها كل المتواجدين على ارض العراق كمحتلين وخاصة ايران. ترى هل ستقبل أميركا الرحيل بهذه الطريقة السلمية او الناعمة؟، ام ان أميركا احتلت العراق لتبقى به عقود طويلة من الزمن، او كما قال السناتور جون ماكين الى مئة عام؟

حين قررت أميركا احتلال العراق، لم تقتصر اهدافها، كما ادعت، على التخلص من اسلحة الدمار الشامل او تخليص العراق من الدكتاتورية واقامة نظام ديمقراطي على انقاضه، ولو كان الامر كذلك لانتهت اسباب الاحتلال واخذ العراقيون مسؤولية ادارة بلدهم بعد سقوط النظام وبعد التاكد من خلو العراق من اي اثر لمثل هذه الاسلحة المدمرة. واذا كان الهدف كما يقول المعنيون بالشؤون السياسية، تامين نفط العراق وثرواته وحماية الكيان الصهيوني، لانتهت اسباب الاحتلال ايضا. فالحكومات التي نصبتها وبالمواصفات التي تحدثنا عنها والمعاهدات والاتفاقيات السياسية والعسكرية والاقتصادية والامنية، التي عقدتها معها، والتي جعلت من العراق مستعمرة أميركية، كافية لانهاء الاحتلال قطعا. ناهيك عن ان هذه الاتفاقيات تسمح بعودة القوات العسكرية الأميركية الى العراق في اي وقت تشاء.

الهدف الاكبر، او الاهم لاحتلال العراق، كما يقول المعنيون بالتحولات التاريخية الكبيرة، هو ان العراق يشكل بالنسبة لأميركا الحلقة المركزية في مخططها  لبناء الامبراطورية الكونية التي ينتهي التاريخ عند ابوابها، على حد تعبير المفكر الأميركي من اصل ياباني فوكوياما، صاحب نظرية نهاية التاريخ. أوعلى حد تعبير جورج بوش الاب، الذي قال بعد الانتصار الذي حققه على العراق في معركة الكويت سنة 1991،  "يجب ان يكون القرن الواحد والعشرين قرنا أميركيا".

اما السبب في اختيار العراق دون غيره من الدول العربية، نجد الاجابة عليه في اكثر من وثيقة أميركية، حيث اعتبرت العراق صرة العالم ووادي الروافد الثلاث، دجلة والفرات والنفط، وان العراق هو الوحيد من بين الدول العربية الذي يمتلك الثروة والموارد البشرية.  فدول الخليج تمتلك الثروة لكنها لا تمتلك الموارد البشرية، في حين تمتلك مصر وسوريا الموارد البشرية لكنها لا تمتلك الثروة.كما أن السيطرة على العراق يعد المفتاح للسيطرة على المنطقة العربية، والعراق أيضا يملك ثاني اكبر احتياط نفطي في العالم، وان آخر برميل نفط سيخرج من أبار العراق. ومن الجدير بالذكر ان أميركا حاولت السيطرة على العراق، منذ كان جزء من الامبراطورية العثمانية، وحصلت فعلا من الباب العالي على امتياز البحث عن النفط  في كل انحاء العراق من شماله الى جنوبه لكن الكماليون افسدوا هذه المحاولات.

نعم هناك ادعاءات، حول امكانية الحكومة الجديدة على معالجة  آفات الفساد المالي والاداري، وانهاء المحاصصة الطائفية، ونعم هناك وجود لمن يسوقها ويروج لها ولديهم حضور في الشارع العراقي، مثل التيار الصدري والقوى والشخصيات التي انضوت تحت لوائه، ومن بينهم بقايا الحزب الشيوعي. لكننا نجزم بان مثل هذه الادعاءات ليست سوى اوهام في اوهام. اذ كيف يمكن تنفيذ مشروع اصلاحي، في ظل عملية سياسية طائفية، وفي ظل احزاب وكتل فاسدة حتى النخاع؟. ثم من قال لكم بان التيار الصدري والملتفين حوله يريدون القضاء على الطائفية؟ اليس هم من عاشوا في ظلها وتنعموا بخيراتها ونالو الجاه والسلطة بفضلها؟. ثم اليسوا هم انفسهم من اختار عادل عبد المهدي لرئاسة الحكومة، ونزهوه من كل شائبة ووصفوه "بالشخصية الوطنية المستقلة والمستقيلة من الفساد والفاسدين"؟ الم يصبح رائد فهمي الامين العام للحزب الشيوعي، وجمعة الحلفي عضو مكتبه السياسي سماسرة لعادل عبد المهدي والترويج لحكومته على انها "حكومة وطنية مستقلة"؟

نذكر كل ذلك ونشدد عليه للتاكيد على حقيقة واحدة مفادها، ان المحتل الأميركي وحلفائه من دول الجوار، وفي المقدمة منهم ايران سيتمسكون بهذه الحكومات، ولن يسمحوا باجراء اي تعدليل على الالية التي تهتدي بها، ولا المساس بأي ركن من الاركان التي تستند عليها، وخاصة المحاصصة الطائفية والعرقية. وهذا ما يفسر اصرار أميركا على ان تكون الراعي الرسمي للعملية السياسية، التي شرعنتها بدستور ملغوم، واسندتها بمؤسسات فاسدة، ودعمتها بقضاء مرتشي، ووضعت على راسها قادة لا يتقنون غير سرقة المال العام واشاعة الفساد، وفسحت المجال امام الميليشيات المسلحة لاسكات اي صوت يطالب بالاصلاح، سواء من داخل العملية السياسية او خارجها.

اذا كان ذلك صحيحا، ترى هل اصبحت هذه العملية السياسية  قدرا مكتوبا على جبين العراقيين الى يوم يبعثون؟ ام ان هناك امكانية لاسقاط هذه العملية على يد الشعب العراقي، وطرد المحتل واعوانه، خاصة ملالي طهران، سواء عن طريق الانتفاضات الشعبية السلمية، او عن طريق الثورات المسلحة؟

في تاريخ الشعوب وتجاربها، لم يقدم لنا التاريخ مثلا بان شعبا، مهما كان صغيرا، استسلم لمثل هذه الاقدار، بل على العكس من ذلك، فان قوى الاحتلال، ومهما بلغت من قوة، هي التي استسلمت امام ارادة  الشعوب المستعمرة واصرارها على تحرير نفسها. وقد اثبت شعب العراق هذه الحقيقة، فهو  قد رفض الاستسلام للمحتل الأميركي العملاق، وشرع في مقاومته منذ اليوم الاول لاحتلال بغداد، والحق به هزائم نكراء اجبرته على سحب معظم قواته العسكرية من العراق، رغم امكانات الشعب العراقي المتواضعة والاسلحة البسيطة التي قاتل بها. واذا تراجعت المقاومة لاسباب لامجال للحديث عنها، فان الانتفاضات الشعبية التي وصلت الى عقر دارهم في المنطقة الخضراء، وهروب سكنتها كالجرذان المذعورة، كفيلة بانجاز هذه المهمة الوطنية النبيلة.

الارادة والعزيمة والاصرار اقوى من الطائرة والدبابة والمدفع.

comments powered by Disqus
خدمة RSS LinkedIn يوتيوب جوجل + فيسبوك تويتر Instagram

عدد الزوار :116,501,716

تطبيق الموبايل

-->

آخر الزيارات

مساحة اعلانية

الأكثر قراءة

الأكتر مشاهدة

تابعنا على "فيس بوك"