أسئلة الزمن المر

قيس النوري

أظهر الواقع العربي المعاش حالة تراجع غير مسبوق وهو يواجه حزمة مترابطة من التحديات وعلى مختلف الصعد، طالت الإنسان والمجتمع والثروة والأرض، مسببة انهيار في البنى السياسية منها والمجتمعية وعجزها عن تحقيق الحد الأدنى من الامن الجماعي للامة.

من الحقائق البديهية الارتباط العضوي بين مفهومي الامن والدفاع، ليس بالإمكان تحقيق الامن دون توافر عناصر ومستلزمات دفاع يرتكز على مفهوم واضح للأبعاد الشاملة لأمن الامة متجاوزا المفهوم العسكري الضيق لأمن النظام السياسي القطري الذي أختبر وأثبت فشله رغم الانفاق الهائل على التسلح.

ولسد هذه الفجوة سعت بعض النظم الى الاحتماء بمظلة تحالفات خارجية، تحالفات هاربة الى الامام دون أن تدرك أن مثل هذه التحالفات تستثمر وترتب استحقاقات للعضو الأقوى في التحالف مما يحولها على صعيد المستقبل مهدد للأمن القطري الجزئي ناهيك عن اختراقه للأمن القومي الشامل.

فالأمن بمعناه وأطره الشاملة لم يؤسس على قاعدة الامن الاستراتيجي على صعيد الامة ، وحتى على صعيد القطر الواحد أو الإقليم ، حيث مارست النظم العربية سياسة اللهاث وراء تحقيق أمن تكتيكي تبعا للمتغيرات السياسية ، ذلك الامن الهش الذي سرعان ما تعرض لاختبار انقلاب المتغير السياسي نفسه لنواحي وتوجهات سلبية ، حتى صار فعل الامس عبء ثقيل على هدف الامن ، بل تجاوزه الى تفاعلات وظفته القوى الإقليمية والدولية وسيلة فاعلة للتدخل وفرض أجندتها في مفردات الصراع التي طالما عانى منها العرب مذ ما عرف بالمسألة الشرقية حيث وضعت المنطقة العربية

                            ــ 2 ــ

تحت مشرط التقسيم.

يجادل البعض أن ما تتعرض له أمة العرب اليوم من تحديات هي أكبر من قدراتها من حيث غياب مستلزمات الصد. في بعض هذا الجدل جزء من الصحة، لكنه يجانب الحقيقة في منطق تبريري واضح لصالح نظم ثبت فشلها وعجزها الصارخ المقرون بالتواطؤ.

الأمن الاستراتيجي لأية أمة يؤسس على قواعد ثابتة لا تقبل تجاوزها بخاصة الانزلاق بالعمل على تحقيق الامن الجزئي التكتيكي.

الذاكرة والخبرة التاريخية العربية المعاصرة ، وهي تستعيد دراسة وتحليل السياسات النظمية العربية الممارسة مذ تشكلت الدولة القطرية لن يبذل جهدا في تأشير الأذى الذي الحقته هذه النظم في مفهوم الامة وضرورات أمنها ، تجسدت واتسمت بثابت سلبي في ممارساتها كانت وما زالت أغلب مشاهده التقاطع في السياسات حتى وصلت إلى اعتماد مرجعية استعمارية تقسيمية في تحديد أطار ووعاء أمنها بالحدود التي اختطتها اتفاقية سايكس ــ بيكو ، وحولت تلك الخطوط الى قدس الاقداس وعملت عبر أجهزتها على تعبئة المواطن العربي فكريا وثقافيا وسياسيا على تكلس تفكيره في أطار حدوده التي أسموها وطنية .

أمم عديدة مثل الصين والهند وحتى الولايات المتحدة الأميركية، نجحت في بناء الوطن ــ الامة، رغم التباين في التكوينات والتلاوين المجتمعية لها، سر نجاحها أنها ارتكزت في حراكها السياسي والفكري على المفهوم الشامل للأمن الاستراتيجي، دون أن تتورط بالانزلاق نحو أمن الجزء، وهي حالات مغايرة تماما عن الممارسات السياسية الحركية العربية.

المواطن العربي في مشهد اليوم، لم يفقد فقط أمنه القومي الشامل، وأنما فقد حتى أمنه القطري حتى وصل الامر به البحث عن أمن مسكن العائلة.

لا جدال أن الأمم تتعرض خلال تكوينها ومسيرتها الى نكسات تنال حتى من حدود وطنها القومي، لكن الأمم الحية تجاهد في توظيف الدرس لمعالجة الانكسار وتجعل من درس الماضي وسيلة نحو مزيدا من السعي لتحقيق أمنها، وهنا يبرز المثال الألماني الذي أستعاد وحدة التراب بجدارة رغم عقود طويلة من التفتيت المدعوم بأراده دولية عظمى ولت.

التاريخ العربي المعاصر شهد ولادة أتحاد قطرين عربيين (مصر وسوريا) ثم فشل الوليد في الاستمرار بسبب عوامل داخلية بحته أكثر منها عوامل ومؤثرات خارجية، فالأوطان تسقط من الداخل أولا، ثم شهد التاريخ الأقرب ولادة نواة جنينية للتوحد ممثلة بمجلس التعاون العربي لدول الخليج، لكن هذه النواة هي الأخرى لم ترتقي (بالتعاون) إلى (التوحد) وبقيت الحدود قائمة شاهدا على عزل الإنسان عن الأنسان.

الانكى من هذا النكوص تعاظم وتفعيل التحديات الداخلية في بنية المجلس بما يهدد هيكليته التنظيمية ذاتها.

هذه الشواهد الخطرة تتطلب بصورة ملحة ثورة فكرية تجديدية وجذرية تضع أسس بناء مفهوم أمن استراتيجي يوقف التدهور السريع لحال الامة أولا ولضمان قوة ورصانة واستمرارية التكوين الموعود، وهذا ليس بمستحيل إذا ما تصالحت الامة مع مكوناتها وتحررت من القيود الجامدة واستحضرت استحقاقات متغيرات العصر الذي نعيش.

comments powered by Disqus
خدمة RSS LinkedIn يوتيوب جوجل + فيسبوك تويتر Instagram

عدد الزوار :116,113,153

تطبيق الموبايل

-->

آخر الزيارات

مساحة اعلانية

الأكثر قراءة

الأكتر مشاهدة

تابعنا على "فيس بوك"