حرب المائة عام

محمد عارف

«نحن نعيش في العالم عندما نحبه». قال ذلك الشاعر الهندي «طاغور»، وزعماء دول الغرب الذين لا يحبون العالم اجتمعوا في باريس للاحتفال بمئوية الحرب العالمية الأولى «التي كان يفترض أن تنهي جميع الحروب، ولم تستطع أن تنهي نفسها». ذكر ذلك «تيد ِويدمر»، أستاذ بكلية «ماكولتي» في جامعة «مدينة نيويورك». وإذا كنا ننتظر أن تكشف خيبة أمل الأكاديمي الليبرالي عن أسباب ذلك فسننتظر طويلاً، فهو لا يرى عاقبة مائة عام من الحروب والدمار سوى أن الرئيس التركي «أردوغان» استعاد «الطموح السلطاني»، والرئيس الروسي «بوتين» يمزج «الحنين السوفييتي والدور القيصري في حماية الكنيسة الروسية الأرثوذوكسية، ووجوده سريالي بين زعماء العالم في باريس». 

و«كل ما يقصدنا يخصّنا إذا كنا أنشأنا القدرة على تسلّمه»، قال «طاغور»، ودول الغرب، التي لا يقصدها العالم، ولا تملك القدرة على تسلّمه، ارتكبت خلال مائة عام الماضية أفظع جرائم الحرب، بلغت حدّ انتزاع فلسطين العربية وجعلها مستوطنةً أوروبية. وعندما احتلت بريطانيا الهند في القرن الثامن عشر كان حجم اقتصاد الهند يعادل مجموع اقتصاد أوروبا، لكنها حولتها إلى واحد من أفقر بلدان العالم. تفاصيل ذلك في كتاب «الإمبراطورية الشائنة» للسياسي والكاتب الهندي «شاشي ثارور»، وفيه يعرض كيف تقلّص اقتصاد الهند إلى سدس حجمه، منذ ضمِّها إلى الإمبراطورية البريطانية. ووصف «ثارور»، الدبلوماسي الذي تّدَرجَ في الأمم المتحدة حتى شغل منصب الأمين العام المساعد، كيف استخدم المستعمرون البريطانيون الثوارَ الهنود كقذائف مدافع، وأقاموا مذابح إبادة ضد المحتجين على التمييز العنصري والمجاعة. ويقدّر «ثارور» التعويضات، التي ينبغي على بريطانيا دفعها عما فعلته بالهند، ب3 تريليونات دولار، و«هذا مبلغ يفوق الناتج المحلي الإجمالي لبريطانيا عام 2015». 
وصَدَم الكتابُ الرأيَ العامَّ البريطانيَّ الذي يفخر بأن بلاده حضّرَت الهنود، فيما كشف «ثارور» أن جميع ما أشادته بريطانيا من سكك حديد، ومصارف، وحتى حكم القانون.. كان مصمماً لتحقيق مصالحها فقط. والثورة الصناعية التي أوجدتها قضت على صناعات الهند، خصوصاً صناعات النسيج، والسفن. واستُخدم الدِِّين لتجزئة الهند، وإثارة مذابح أدّت إلى مقتل مليون شخص وتشريد 17 مليون آخرين، وزرع التفرقة ليس بين الهندوس والمسلمين فحسب، بل بين المسلمين السنة والشيعة أيضاً. وعندما فتكت المجاعة ب4 ملايين بنغالي عام 1943 حمّلهم «تشرشل» المسؤولية: «يتكاثرون كالأرانب»! 
«ولنصلي لا لحماية أنفسنا من المخاطر، بل لنكون شجعاناً في مواجهتها»، قال «طاغور». ونحتاج الشجاعة لنذكر على الأقل ضحايا مائة عام من الحرب التي يواصل الغربُ شنَّها، فقد بلغ عدد قتلى الحرب العالمية الأولى 8 ملايين وجرحاها 12 مليوناً، وتجاوز عدد قتلى الحرب العالمية الثانية ستين مليوناً، أي ما يعادل 3% من سكان العالم آنذاك. وفي وقتنا الحالي يقترب الإنفاق العسكري العالمي حثيثاً من تريليوني دولار. ويقدِّرُ «معهد استوكهولم لأبحاث السلام» حجم الإنفاق العسكري بنحو 2.2% من إجمالي الإنتاج المحلي العالمي، أي 230 دولاراً لكل فرد في العالم. وتتصدّر دول أوروبا الغربية بلدان العالم في الإنفاق العسكري، ومعظمها أعضاء في حلف «الناتو» حيث وافقت على رفع الإنفاق العسكري بنسبة 12%، وهو الذي يبلغ حالياً 900 مليار دولار، أي نحو نصف الإنفاق العسكري العالمي. وتُحقق الولايات المتحدة أكبر زيادة في إنفاقها العسكري البالغ 610 مليار دولار، فيما انفردت روسيا، حسب «معهد استوكهولم»، بأكبر خفض في إنفاقها العسكري، والذي بلغ في عام 2017 نحو 66 مليار دولار، أي أقل بنسبة 20% عن إنفاقها عام 2016. 
والضجيج الإعلامي الغربي ضد الروس والعرب والمسلمين والصينيين، تصّوره عبارة الكاتب الهزلي «مارك توين» عن «الضجيج الذي لا يثبت شيئاً، وغالباً ما توقوق الدجاجة لمجرد أن تضع بيضة كما لو أنها تلد كوكباً»!

نشر المقال هنا

comments powered by Disqus
خدمة RSS LinkedIn يوتيوب جوجل + فيسبوك تويتر Instagram

عدد الزوار :116,626,733

تطبيق الموبايل

-->

آخر الزيارات

مساحة اعلانية

الأكثر قراءة

الأكتر مشاهدة

تابعنا على "فيس بوك"