تركيا وحروب الطاقة في المنطقة

محمد زاهد جول

من الأسباب الرئيسية التي جعلت الحكومة التركية تعلن صراحة رفضها للعقوبات الأميركية على إيران، هو حاجتها إلى النفط الإيراني، وبالأخص أن تاريخ بدء العقوبات الأميركية على إيران جاء في مطلع شتاء هذا العام، في الخامس من تشرين الثاني/نوفمبر الجاري، أي في لحظة يصعب على الشعب التركي فيها الاستغناء عن النفط، الذي تزداد الحاجة إليه في موسم الشتاء عادة، فحسمت تركيا أمرها بتوفير الطاقة من إيران أولاً، فتركيا تستورد 10 مليارات متر مكعب من الغاز من إيران في الوقت الراهن، ولا يمكنها ترك مواطنيها عرضة للبرد في الشتاء، امتثالا للعقوبات الأميركية.

كما أن الحكومة التركية دشنت خلال هذا الشهر المرحلة الأخيرة لانطلاق السيل التركي لنقل الغاز الروسي إلى تركيا أولاً، ثم إلى أوروبا ثانياً، وهو ما أعلن عنه الرئيسان أردوغان وبوتين، في احتفال خاص بهذه المناسبة في إسطنبول بتاريخ 19 تشرين الثاني/نوفمبر الجاري، فقال الرئيس التركي رجب طيب أردوغان:» إن مشروع السيل التركي سيكون جاهزاً وسيدخل الخدمة عام 2019».
هذا المشروع التركي الروسي باسم مشروع «السيل التركي» كما سماه أردوغان بموافقة بوتين، سينقل 31.5 مليار متر مكعب من الغاز الطبيعي سنويا، فروسيا مصدر مهم من مصادر الطاقة العالمية والقريبة لتركيا، وكانت تركيا قد اشترت من روسيا 387 مليار متر مكعب من الغاز الطبيعي، منذ عام 1987، وهذه أرقام هائلة، تؤكد عدم قدرة تركيا عن الاستغناء عن الغاز الروسي، وأن السيل التركي سيوفر على تركيا الكثير من الكلفة في نقل الغاز بالطرق السابقة، وسوف يوفر لتركيا مصادر دخل جديدة من نقل الغاز عبر الأراضي التركية إلى أوروبا، وان ذلك سيكون سببا مهما لاستقرار العلاقات التركية الروسية والأوروبية معاً، وإتمام هذا المشروع سوف يفرض علاقات جديدة وقوية بين تركيا وروسيا، قائمة على مبدأ استقرار المنطقة لأسباب «جيوسياسية» الطاقة في المنطقة كلها.
تمّ التوقيع على مشروع السيل التركي بتاريخ 10 تشرين الأول/اكتوبر 2016، ويبلغ طول أنبوبي الجزء البحري من مشروع السيل التركي 930 كيلومترا وبعمق أكثر من كيلومترين تحت مياه البحر الأسود، استمر العمل بهما لسنتين، وقد واجه المشروع الكثير من الصعاب، بما فيها توتر العلاقات التركية الروسية بسبب الأوضاع في سوريا، ولكن روسيا وتركيا توجهتا إلى بناء علاقات ثنائية غير خاضعة للصراعات العسكرية والسياسية في المنطقة، فتركيا وجدت صعوبات كبيرة في تأمين استقرار اقتصادي، من خلال اعتمادها على العلاقات التركية الأوروبية أولاً، وكذلك في العلاقات التركية الأميركية، التي ربطت العلاقات الاقتصادية مع التطورات السياسية داخل تركيا، وأثرت سلبا على الأوضاع الاقتصادية وسعر الليرة التركية أكثر من مرة في السنوات الأخيرة.
لقد جاء تطوير العلاقات التركية مع روسيا لتأمين الاستقرار الاقتصادي لتركيا وللمنطقة معاً، فوضع تركيا كدولة مركزية في أسواق الطاقة العالمية، لتوزيع ونقل الغاز الروسي إلى أوروبا سيصبح ضابطا من ضوابط الاستقرار السياسي في المنطقة، وهذا ما أكده أردوغان بقوله «تتزايد يوماً بعد يوم أهمية أمن وتوريد الغاز الطبيعي في أسواق الطاقة العالمية، والمهم هنا هو أن مشاريع الطاقة يمكن تنفيذها اقتصاديًا، ويجب احترام قرارات البلدان في ما يتعلق بظروفها، ومن أين تريد الحصول على الغاز الطبيعي، وقال اردوغان «لم نحدد إطلاقا إطار علاقاتنا الثنائية مع روسيا، وفقا لمطالب أو إملاءات الدول الأخرى، نحن نسعى دوما إلى إقامة تعاون طويل الأمد مع روسيا».
الرئيس الروسي نظر إلى المواقف التركية للمشاركة في بناء مشروع «السيل التركي» للغاز موقفا شجاعاً فقال يوم الاحتفال:» لولا الشجاعة والإرادة السياسية لما رأى المشروع النور، في ظل تصاعد الشروط التنافسية»، فمثل هذه المشاريع الدولية الكبيرة لا يمكن إقامتها في ظل غياب الثقة بين البلدين، وهذا النجاح لا يتوقف على بناء المشروع فقط، وإنما إلى بناء تعاون أوثق في المجالات الاقتصادية الأخرى، ومنها رفع مستوى التبادل التجاري إلى 100 مليار دولار بين البلدين، وكذلك السعي لاستقرار المنطقة، ومنع توسع النزاعات والحروب فيها، وتعزيز التعاون التكنولوجي والبيئي بينها.
في الجانب الآخر من نزاعات منابع الطاقة، وهو شرق البحر الأبيض المتوسط فإن تركيا تطالب بعدم اتخاذ قرارات أو إجراءات عملية من عمليات التنقيب والبحث عن الطاقة في تلك المنطقة، إلا بعد التفاهم الكامل لدول المنطقة، فالتفاهمات الخاصة بين مصر وقبرص الرومية و(إسرائيل) لا يسمح لها بالتنقيب من دون موافقة تركيا أولاً، ومن دون موافقة جمهورية قبرص التركية ثانياً، فوزير الدفاع التركي خلوصي أكار، أعلن في اليوم الأول من شهر تشرين الثاني/نوفمبر الجاري أن «على نظرائنا أن يعلموا بأن أي مشروع لن ينجح في بحر إيجة والمتوسط من دون مشاركة تركيا وجمهورية شمال قبرص التركية فيه»، وهو ما أكده الرئيس أردوغان في الرابع من هذا الشهر قائلا: «إن بلاده لن تقبل أبداً بالمساعي الرامية لإقصاء تركيا وجمهورية شمال قبرص التركية، وسلب الموارد الطبيعية المتوفرة شرق المتوسط «، هذا التصريح جاء بمناسبة تعزيز القوات البحرية التركية بسفن حربية جديدة، فخطوط الغاز والطاقة ومنابعها في المياه الاقليمية للدول، إما أن تكون سببا للاستثمار والتجارة والاستقرار في ما بينها، وإما ان تكون سببا للحروب والعدوان الذي يؤدي إلى خسارة الجميع. لا شك أن مشروع السيل التركي سيكون منافساً أو بديلاً أو معطلاً لمشروع الغاز الروسي العابر من أوكرانيا إلى أوروبا، وهذا شأن روسي أوكراني بالكامل، وليست تركيا طرفا مباشراً فيه، ولكن المشروع الآخر الذي كانت تسعى له إيران هو بناء مشروع نقل للنفط والغاز من إيران إلى العراق فسوريا ولبنان فالبحر الأبيض المتوسط إلى أوروبا، هذا الخط تخطط له إيران مع حكومات البلدان المذكورة، ولكنه لم ينجح حتى الآن، وقد لا تتوفر له شروط النجاح في المستقبل أيضاً، لأن إيران لم تنجح في السيطرة على سوريا منفردة، كما فعلت في العراق، إضافة إلى أن الميليشيات التي كانت تراهن عليها إيران لتأمين نفوذها شمال سوريا وهي الأحزاب الكردية قد رجحت العمل مع أميركا والبنتاغون وتخلت عن التعاون مع إيران أولاً، كما تخلت عن التعاون مع روسيا ثانياً، فإيران خسرت نفوذها شمال سوريا، بسبب التواجد الأميركي شمال سوريا. كما أن أميركا لا تفكر بالرحيل من شمال سوريا، كما جاء على لسان وزير الدفاع الأميركي ماتيس يوم 21 تشرين الثاني/نوفمبر الجاري قائلاً: «سنشكل نقاط مراقبة على طول الحدود الشمالية لسوريا.. نحن في تعاون وثيق مع تركيا في هذا الخصوص، وتركيا شريك في حلف الناتو ولديها مخاوف مشروعة حيال التهديد الإرهابي النابع من سوريا، التي يحكمها نظام بشار الأسد، وسنعمل على مراقبة أي تهديد محتمل نراه ضد تركيا»، فهذا يعني نهاية الأحلام الإيرانية في أن تكون سوريا محل نفوذ خالص لها، إضافة إلى أنه ليس من مصلحة روسيا تحقيق أي نجاح لإيران في سوريا أو في المنطقة يهدد مصالحها، سواء في سوريا أو ضد أي دولة حليفة لروسيا.

نشر المقال هنا

comments powered by Disqus
خدمة RSS LinkedIn يوتيوب جوجل + فيسبوك تويتر Instagram

عدد الزوار :116,266,951

تطبيق الموبايل

-->

آخر الزيارات

مساحة اعلانية

الأكثر قراءة

الأكتر مشاهدة

تابعنا على "فيس بوك"