أحلام إيران خرافية

نزار السامرائي

في جلسة حضرها عدد من المهتمين بالشأن العربي وفقدان كثير من أدوات التأثير العربي على الأحداث التي تشهدها أكثر من ساحة عربية ملتهبة بدء من لبنان ومرورا بالعراق وسوريا وانتهاء باليمن، والذي قد لا يكون آخر ساحة لتحقيق إنجازات إيرانية واضحة بسبب غياب استراتيجية عربية واضحة المعالم وانقسام العرب إلى محاور شتى بما فيها المحور الإيراني، في تلك الجلسة دار نقاش ساخن بشأن قدرة إيران على التواجد الفاعل والمؤثر في هذه الساحات الملتهبة، وعجز العرب بل والعالم عن التصدي لهذا التواجد وعما إذا كان يعكس عبقرية إيرانية في إدارة الملفات الخارجية وإخفاقا دوليا بما في ذلك الولايات المتحدة الأميركية عن مجاراة إيران في خططها؟

واقع الحال لمست شعورا باليأس والانكسار لدى معظم المشاركين في الحوار، ذلك أن وجهة نظرهم عادت بهم إلى أن إيران تقمصت دور القوى الدولية الكبرى في زمن النزاعات الكبرى في آسيا وأفريقيا وأميركا قبل الحرب العالمية الثانية وبعدها، ولاحظ معظمهم أن إيران راحت تلعب دور الولايات المتحدة الذي شهدته فيتنام في القرن الماضي والعراق وأفغانستان مطلع الألفية الثالثة، وتساءلوا كيف يتسنى لإيران أن تلعب هذا الدور؟ وما هي قدراتها العسكرية التي تؤهلها لذلك؟ وهل يستطيع الاقتصاد الإيراني تحمل أعباء هذا الانتشار واسع النطاق متجاهلين أن كل تلك التدخلات لم تكلف إيران خسائر بشرية أو مالية يعتد بها؟
ثم لماذا لم تعد أميركا قادرة على التدخل بمثل هذه القوة لغرض التصدي للمشروع الإيراني الذي يبدو في ظاهره متصادما مع المصالح الأميركية؟
قطعا هي تساؤلات مشروعة ولها ما يبررها إذا ما سلمنا بأن أميركا عاجزة على الوقوف بوجه التحركات الإيرانية في الوطن العربي وفي مناطق أخرى على تخوم المصالح الأميركية في أوربا ومناطق المجال الحيوي الأميركي، أو سلمنا أيضا بأن هناك تصادما بين المشروع الإيراني والمصالح الأميركية.
يذهب خبراء السياسة الدولية إلى أن الولايات المتحدة ودول الاتحاد الأوربي، لم تجد في يوم من الأيام في أي نظام إيراني سواء كان دينيا أو علمانيا عدوا قائما أو محتملا، لأن إيران محكومة بإطارها الفارسي في بلد محدود المساحة، ثم إنها في إطارها الطائفي، تعد أقلية ضئيلة في محيط إسلامي سني ممتد من إندونيسيا شرقا إلى غرب أفريقيا غربا، وبالتالي فالتشيع يمكن أن تنظر إليه مراكز الدراسات الغربية كحركة انشقاقية داخل الإسلام، لا بد أن تؤدي إلى إضعافه من خلال إشغاله بمعارك بينية تشغله عن مواجهة أعدائه وخصومه الخارجيين فضلا عن أن إيران اشتغلت بكل قوة على تصوير الإرهاب على أنه إرهاب سني، وهذا ما حققته إيران خميني لأعداء الإسلام من دون جهد منهم أو طلب، ومع أن الشعارات التي ترفعها إيران منذ وصول خميني إلى السلطة في 11 شباط/ فبراير 1979 وحتى اليوم هي شعارات معادية لأميركا، وعلى الرغم من أن أول صفعة كانت سلطة خميني قد وجهتها لواشنطن في 4 تشرين الثاني/ نوفمبر 1979 وذلك باحتلال السفارة الأميركية في طهران بأمر مباشر من خميني، فإن الولايات المتحدة والعالم الغربي تعاملا مع النزق الإيراني بصبر استراتيجي حد الملل لم يعهده منهما أي بلد آخر على الإطلاق، بل ربما خرج الغرب علينا بسياسة الاحتواء المزعوم بدلا من التصادم مع طهران وهذا ما مكّن الأخيرة من تحقيق كثير من أهدافها وخاصة في الوطن العربي، والهدف من كل ذلك هو منح إيران المزيد من فرص الاستقواء والتوسع على حساب العرب، ولعل السياسة الأميركية خلال إدارة الرئيس باراك أوباما الذي أكد في جلسات في البيت الأبيض احتقاره للعرب واحترامه لإيران لما تتمتع به من عمق حضاري وقارنها بالعرب الذين وصفهم بأنهم بدو متخلفون، هي التي منحت إيران فرصا نموذجية وغير مسبوقة سياسيا واقتصاديا لم تحصل على مثلها دولة عدو لأميركا ولا صديق لها بحيث الأمر وصل إلى حد فرض توقيع الاتفاق النووي معها والمعروف باتفاق 1 + 5 ليحقق لإيران خلال حقبة أوباما السوداء ما لم يتحقق لها حتى في عهد الشاه.
فما هي الأسباب الحقيقية لحالة الإقدام التي تتمتع بها إيران وتقربها من نقاط التماس والاحتكاك السياسي من مناطق المصالح الغربية؟ وهل أن هذه الحالة ناجمة عن ثقة فائقة بالنفس؟ أو أنها تعكس عبقرية المخطط الاستراتيجي الإيراني؟ أم أن إيران على حق في كل ما تحقق لها؟ خاصة وأن بعض الأصوات ذهب إلى هذا الاتجاه، وأشار إلى أن الله هو الذي يدعم إيران في برامجها ومساعيها ولهذا جعل أميركا تقبل بكل الاهانات التي لحقت بها من قبل إيران، ويقارن هؤلاء بأن أميركا دخلت في حرب ظالمة وفرضت حصارا حقيقيا على العراق على الرغم من إيران وصلت حدا من التعالي والغطرسة في التعامل مع الأسرة الدولية، وعلى الرغم من أن سياسة العراق كانت سياسة تستند على القوانين الدولية والعلاقات بين الدول على أسس من احترام السيادة والاستقلال والاحترام المتبادل، بل يذهب هؤلاء إلى القول إن هدف أميركا من عدوانها على العراق هي ومن شاركها فيه من دول أجنبية أو أشقاء عرب، سلموا العراق هدية مجانية لإيران من دون جهد منها أو دولار أو قطرة دم كان بهدف التخلص من القوة العربية الرئيسة الضامنة لصد التدخلات الإيرانية خاصة.
أم أن ذلك ناجم عن شعور بأن إيران محمية بالعناية الأميركية خاصة والغربية عموما إحساسا من الجميع بأن إيران مجرد ثور هاج مؤقتاً وخرج من الحظيرة وأن مآله العودة إليها بعد أن يضيف إلى رصيده مكاسب سياسية واقتصادية وجغرافية، لتصب في النهاية في المصالح الأميركية؟
وبسبب هذا الكم الكبير من الأسئلة لا بد من التوقف عندها أو عند بعضها على الأقل من دون تقديم مزاعم بأننا سنحيط بها جميعا.
لقد كانت هزيمة الولايات المتحدة في فيتنام والكلفة السياسية والبشرية والاقتصادية التي تحملها المجتمع الأميركي وعزوف كثير من الشعوب من الاصطفاف معها لأنها على وفق ما هو معروف عنها في الأوساط السياسية والإعلامية دولة معادية لآمال الشعوب في الحرية والاستقلال والسيادة، وبسبب ما يشكله ذلك على كل طرف قابل للتعاون معها لأن سلوكا كهذا لا بد أن يوصم بالعمالة للخارج وخيانة الوطن، أدى كل ذلك إلى توجه الولايات المتحدة إلى اعتماد استراتيجية الحروب بالنيابة وإشعال بؤر التوتر في أكثر من منطقة في العالم كي يصبح دورها مطلوبا لتوفير مظلات الحماية هنا وهناك لمن يستنجد بها، ثم إن البوصلة الاستراتيجية الأميركية بدأت بالانحراف عن المنطقة العربية نحو الشرق الاقصى استباقا لتطور النزاع السياسي الاقتصادي مع الصين إلى حروب عسكرية ومنع انتشار الاسلحة النووية.
هناك فرق استراتيجي بين التحرك الأميركي والدور الإيراني ينبغي ألا يغيب عن بال الدارس المهتم بالتوصل إلى حقائق لما يجري في العالم وفي كل من لبنان والعراق وسوريا واليمن يمكن تلخيصه بما يلي.
يظن البعض أن إيران تتحمل تكاليف مالية أو بشرية من خلال تدخلاتها في الدول الأربع وفي غيرها من الأنحاء التي تسعى لمد أصابعها فيها، وقطعا هذا وهم كبير، فإيران تستثمر سياسيا وماليا وعسكريا حيثما تواجدت بما في ذلك نشر التشيع بالترغيب تارة والترهيب تارات شتى، أي أن الميزانية الإيرانية وعلى خلاف ما تدعيه الإدارة الأميركية لا يخرج منها دولار واحد على الميليشيات التي أسستها في تلك البلدان، وخاصة بعد إحكام سيطرتها على العراق بعد احتلال 2003، وعلى العكس من ذلك فإن هذه الميليشيات إما تتحمل تكاليف إدامة أنشطتها أو أنها تحصل على مبالغ هائلة من العراق يتم نقلها بالطرق التقليدية أي بالطائرات أو بالسيارات إلى إيران تحت مسميات شتى، أو أن تلك الميليشيات تدير مشاريع مختلفة بما في ذلك عمليات غسيل الأموال وتهريب المخدرات وغيرها من الأنشطة المحظورة.
يضاف إلى ذلك أن عناصر هذه الميليشيات هم مواطني تلك البلدان أو المتجنسين فيها، ولا تقيم إيران وزنا لمن يسقط منهم من القتلى، لأنهم لا يشكلون عامل ضغط على الشارع الإيراني على الرغم من أن إيران لا تقيم وزناً حتى للمواطن الإيراني أصلا، ثم إن هؤلاء مؤمنون بأنهم يقاتلون عن عقيدة ودفاعا عن المذهب وعن دولة الولي الفقيه التي يمحضونها الولاء الكامل.
إن العراق تحول بعد الاحتلال إلى منجم مسخر لصالح الخزينة الإيرانية في مواجهة العقوبات الأميركية، ولهذا فإن من العبث مراقبة ما تحوله إيران من أموال إلى عملائها من الميليشيات، وإذا كانت الولايات المتحدة جادة في مراقبة ما يدخل إلى إيران من أموال، فإن تطويق ميليشياتها في العراق ورموز العملية السياسية الذين يحجون إليها بمناسبة وغير مناسبة هو الطريق السليم لمراقبة مداخيل إيران، ولعل في تحويل الأموال إلى إيران والتي حصلت أثناء حكومة نوري المالكي ما يعزز القناعة بأن إيران لن تكترث للعقوبات الدولية طالما أنها تسيطر على الاقتصاد العراقي، ولم يتوقف الأمر على الشيعة في العراق بل بدأت إيران تكسر عن نفسها جدار العزلة في الأوساط السنية سواء في سوريا أو في العراق أو لبنان وهناك وكلاء عنها من الشيعة يتحكمون في مصير السياسيين السنة فيها، وذلك من خلال التحكم بالمناصب والموارد والصفقات والعملات وحركة الأموال، مما لا يتيح فرصة لسنة العملية السياسية تحقيق الكسب من دون الحصول على الرضا الإيراني أولا، وأضيفت إلى كل هذه المداخيل ما تدره المزارات الشيعية من أموال طائلة تقدر بمليارات الدولارات سنويا يتم تحويلها بصور شتى إلى إيران.
خلاصة القول إن الولايات المتحدة عندما أخلت الساحة لإيران فإنها قامت بذلك من أجل أن تشعر دول المنطقة بأهمية الاعتماد عليها في مواجهة الخطر الإيراني وكذلك تنشيط تجارة السلاح، هذا من جهة ومن جهة أخرى فإن خسارة أي أميركي في حرب خارجية إنما يمثل عبئا على إدارة أي رئيس أميركي أرسله لهذه المهمة، فالرئيس الأميركي ملجوم بلجام الخوف، وإيران توصلت إلى هذه الحقيقة واستغلتها إلى أبعد الحدود حتى طال لسانها كثيرا عندما لم تجد من يقطعه ويؤدبها كما ينبغي في زمننا الراهن، بل وجدت طهران أن دول الاتحاد الأوربي تخطب ودها وترسل بوزرائها إليها توسلا وتسولا، مما زادها غرورا، فهل هذه عملية استدراج إلى منطقة قتل محكمة الاعداد؟ أم هذا هو الزمن الفارسي الذي سيأخذ عدة عقود أو قرون قبل أن ينحسر.
فكم تحملت إيران من نفقات رعاية أولادها في الخارج؟ وكم ردوا إليها الجميل؟ ذلك سؤال تصعب الإجابة عليه من دون توفر احصاءات معتمدة؟

comments powered by Disqus
خدمة RSS LinkedIn يوتيوب جوجل + فيسبوك تويتر Instagram

عدد الزوار :116,626,409

تطبيق الموبايل

-->

آخر الزيارات

مساحة اعلانية

الأكثر قراءة

الأكتر مشاهدة

تابعنا على "فيس بوك"