من الأمثال ما يغني عن مقال

حارث الأزدي

الأمثال واحدها مَثَل، وهي خلاصة تجربة إنسانية تتناقلها الأجيال الإنسانية جيلًا بعد جيل وهي تمثل ثراءً معرفيًا لمن يُجيد استخدام المثل ويضعه في موضعه الصحيح وينطق به في الوقت المحدد له، والأمثال في كل اللغات تخضع لتكثيف لغوي فتكون بجملة دالة وبألفاظ مفهومة يعرفه المتلقي وتحمل في طياتها فكرة تلخص المراد، ونحن العراقيون لا تخلو نقاشاتنا ولا مجادلاتنا ولا حتى نصائحنا من تطعيم بالمثل يعطي الفكرة والنقاش والرؤية مساحة كبيرة من المعاني الكبيرة التي يختصرها المثل بكلمات معدودة غالبا لا تتعدى أصابع اليد الواحدة.

ليس جميلًا أن تحفظ مثالًا، دون أن يكون لهذا المثال مقامٌ يعادل مقالًا، وليس مثالًا أن تكون خزّان أمثلة ولا تستطيع إدراجَها في مقامة أو مقالة، عليك أن تجد الفكرة في ترتيب وضع المثل تماما كما تضع الأقداح على الطاولة بتناسق هندسي يعطي الفكرة رونقًا وجمالا.

وللمثل في الملمات الصعبة، والمصائب المشتبكة متعددة الأطراف دراما حزينة تشبه في تفاصيلها عرضًا مسرحيًا من الكوميديا السوداء، ينتقد الوضع البائس بكلمات تجعلك تبتسم من شدة الألم ولا يمكن أبدًا أن تتصور المثل من دون حكمة أو خلاصة معرفية تجتاح المتلقي حين تطرق كلماته أبواب السمع.

ولعلك عزيزي القارئ تتشوق للدخول في أمواج الأمثال التي نريد إيرادها بهذا المقال الموجز وأنا معك فمثلما قيل في الفلسفات إن المقدمات محض هامش فلابد من الدخول سريعا في تفاصيل النص، وإن كنتُ أحب كثيرًا السياحة في مقدمة ابن خلدون، بل إن بعض المؤلفات ارتقت مقدماتها إلى أن تكون كتابًا أو مجلدًا فليس كل مقدمة محض هامش، بل إن بعضها مدخل لا بد لمن أراد الولوج إلى مساحات النص المكثف المملوء علمًا، أن يتسلح بمفاتيحها وإلا فالتوهان والخطأ وارد جدًا إن لم يكن يُحبطك فهمٌ خاطئ للمراد فتتوه في صحراء التصورات المتوهمة.

نعود لموضوعنا فالأمثال تمثل خلاصة الرؤية الانسانية وثقافات وقناعات تعارفت عليه الشعوب وتناقلتها أجيالها، جيل يحمِّل جيلًا موروثا معرفيا يحتاجه كمثابات في اشتباكات الحياة.

ولعلني أبدأ بمثل يتداوله كثير من الناس بملخص كلمات تقول (آن لأبي حنيفة أن يمد رجليه) وقصته مشهورة فهو جواب لسؤالٍ غبي من رجل يظهر بمظهر حسن وجوهر فارغ حين سأل متى يفطر الصائم فأجيب عندما تغرب الشمس، فسأل وإن لم تغرب الشمس فجاء هذا الجواب من الإمام أبي حنيفة ليكون مثلا لكل مشابه لهذا السائل. ومن الأمثال الدارجة في اللغة المحكية العراقية أن إذا رأوا أحدا يحاول أن يصور نفسه بطلا وهو غير ذلك يقولون عنه هذا (يتمرغل بدم المجاتيل) انه فقط يدعي شرفا ليس له، تماما مثل من يدعي طرد المحتل وهو تحت حمايته. أما من استوقف القائد الأمريكي وسط بغداد ليغني له ويطربه فهذا ليس له من الأمثال إلا (عرب وين وطنبورة وين) ههه على ذكر طنبورة مدري وين صفى بيها الدهر، وخذ مني أمثلة أخرى من دون شرح فهي دالة على المحتوى من غير عناء ولك أن تسافر في معانيها وتسقطها على الواقع بحسب مكتنزاتك الرؤيوية (الطبل صوته عالي ومن جوه فارغ) و(مو كل مدعبل جوز) و(اسمه بالحصاد ومنجله مكسور) و(نايم ورجليه بالشمس) و(تيتي تيتي مثل ما رحتي للعملية السياسية جيتي) وغيرها كثير ليس هنا مجال توثيقه ولكني أريد القول بأن تصريحات المنخرطين بالعملية السياسية في العراق ووعودهم الفارغة يصلح فيها ( بالوجه امراية وبالظهر سلاية) يعني بياعين كلام والفعل عكسه، وأن من يصدقهم فسيبقى مثل الـ (يركض والعشا خباز) وأن من يريد معاونتهم فلن يجد منهم حمدًا ولا شكورًا وسيبقى طول عمره يردد( بخيرهم ما خيروني وبشرهم عمَّوا عليَّه) وصدق من قال حين يكلف من لا يصلح لإدارة نفسه (من قلة الخيل شدَّوا ع الجلاب سروج).

إنْ لم تكن ضقتَ بهذا السيل من الأمثال فدعني أضع بين يديك بما يشبه نصًا من الأمثال وكأننا نقول لمن نسي أيام فقره وصار اليوم قائدًا (عمت عين البامية شكد تنفخ) وإن وعوده (خلي ياكلون مازال خالهم طيب) والذي يسكت عن مثله ستكون النهاية (ضيَّع الصاية والصرماية) وإذا تصبرون على الضيم وتسكتون فـ (بعدها ممددة وحبالها جنب) و (كلما نكول انكضت ردت علينا ردود) وراح تبقى بهذي الرطانة (جاك الواوي وجاك الذيب ) و(جيب ليل واخذ عتابة) أغاتي..

وعساي لا أنسى أمثلة عالمية لمن أراد أن يوشح كلماته بثقافة عابرة للحدود فاخترت لكم منها (إن الله يشفينا، لكن الطبيب هو الذي يأخذ الأجر) (مثل ألماني). بينما تجد في مكتنزات الثقافة الفارسية ما يدل على سياستهم مع أتباعهم يقول المثل الفارسي (الجاهل لا هو إنسان مفيد ولا حيوان ينتفع به)، أما الأسبان فلهم في الأمثلة مآرب أخرى يقول مثلهم المنتقى (المجد المزَيّف قد يزهر ولكنه لا يثمر).

ختاما أقول لكم كونوا قريبين من أمثال أهلكم وما ورد إليكم من أسلافكم ففيها رؤية عميقة، وليس بعيدًا أن تجدوا ضالتكم حين تبحثون عن ردٍ مناسبٍ فيكون ما جاءكم أنسبَ ردٍ على كل من يؤذيكم بقول أو فعل أو حتى إشارة، ولنا معكم في قابل الأيام عبارة.

نشر المقال هنا

comments powered by Disqus
خدمة RSS LinkedIn يوتيوب جوجل + فيسبوك تويتر Instagram

عدد الزوار :120,533,592

تطبيق الموبايل

-->

آخر الزيارات

مساحة اعلانية

الأكثر قراءة

الأكتر مشاهدة

تابعنا على "فيس بوك"