العالِمُ العربيُ الذي رأى

محمد عارف

«لا يترك حجراً فوق حجر في البحث تحت ضوء النهار عن معادلات وبراهين، لكنه يحلم ليلاً تحت ضوء البدر السابح بين النجوم، ويتفكر بمعجزة السماوات. إنها تلهمه، وبدون أحلام لا مكان للفنون وللرياضيات في حياتنا». قال ذلك أبرز علماء الرياضيات الأحياء، «مايكل عطيه» الذي سيبلغ التسعين في نيسان/أبريل المقبل. وكان «عطيه» موضوع أول تقرير علمي كتبته بالعربية عنوانه «العالم اللبناني الذي يبحث عن نظرية لكل شيء».

وتضمن التقرير المنشور في عام 1989 تفاصيل حديث «عطية» في «معهد الرياضيات» الذي كان يرأسه في جامعة أكسفورد، حيث طوّر نظرية موحدة لتفسير الظواهر الطبيعية، تجمع بين النظرية النسبية وميكانيك الكم. وأينما تطّلعنا اليوم نرى ما توقعه «عطية» من نتائج ثورية يحدثها استخدام علماء الفيزياء للرياضيات. وكما حدث في الثورات العظمى، تكمن المعضلة في «بحث العلماء المعاصرين عن وصف واحد للواقع، لكن علوم الفيزياء الحديثة تسمح بتوصيفات عدة تضاهي الواحدة منها الأخرى، موصولةً عبر فضاء الرياضيات الفسيح». ذكر ذلك العالم الهولندي «روبرت جكراف»، أحد أبرز علماء الفيزياء الرياضية ومنظري «النظرية الخيطية»، والتي ارتبطت باكتشاف «عطية» أن «الزمكان» لا يتكون من نقاط، بل بالأحرى من أنشوطات أو عقد خيوط هائلة الصغر. وأبعاد الكون، حسب هذه النظرية التي تخالف كليةً رأي آينشتاين، ليست 4 فقط، بل 10، وربما 11 بعداً. ويعني هذا أن الكون الذي نعيش فيه واحد من أكوان عدة.
وتسأل نكتة يرددها علماء الرياضيات، المشهورين بالنكات: ما الجائزة التي لم ينلها عطية؟.. الجواب: القفاز الذهبي للاعبي البيزبول. وتستدرك النكتة: «لعله فاز به»! فالعالِم العربي، الذي مُنح لقب النبالة البريطانية (سير)، فاز بأكبر الجوائز المعادلة لـ«نوبل»، وبينها «فيلدزميدال» (1963) وجائزة الملك فيصل العالمية (1987)، كما فاز في عام 2004 بجائزة «إيبل» التي يمنحها ملك النرويج لعالم واحد سنوياً، وذلك عن اكتشافه البرهان على فرضية Index Theorema التي تجمع «الطوبولوجيا» وعلم الهندسة، والتي لعبت دوراً متميزاً في بناء جسور جديدة بين الرياضيات و«ميكانيك الكم»، ويعتبرها «روبرت جكراف» «قطعة من علوم فيزياء القرن الـ21 ظهرت في القرن الـ20 بالصدفة.. ولفهمها نحتاج رياضيات القرن الـ22»! 
و«مايكل عطية» يرى في السياسة كما في العلم، فهو واحد من الأعضاء السبعة في «مجلس الحكماء» الخاص بملكة بريطانيا، لكن نيران المسألتين العراقية والفلسطينية التي أحرقت كثيراً من المسؤولين وغير المسؤولين، داخل بريطانيا وخارجها، لم تنل منه. وفي تصريح له عام 2003، قال عن ادّعاء رئيس الوزراء «توني بلير» الرغبة في مساعدة العراقيين: «أنا أيضاً أميل كُلي إلى مساعدة الشعب العراقي، لكني أفضل أولاً أن لا أقتلهم». ذكرتُ ذلك في مقالتي المنشورة هنا قبيل غزو العراق بأيام، وعنوانها «كبير علماء بريطانيا يقول: لا تقتلوا العراقيين»، وقد دعا أيضاً إلى «إنقاذ الشعب العراقي من الحرب أولاً، ورفع جميع أنواع الحظر المفروضة عليه منذ أكثر من 12 عاماً، قبل التفكير بتغيير نظامه». وطالب «عطية» بدعم الأمم المتحدة بجميع الوسائل للإبقاء على المفتشين الدوليين في العراق، مع زيادة عددهم، إذا اقتضت الضرورة، وتوسيع نطاق عملهم ليشمل الأغراض الإنسانية. «آنذاك سيبرهن العالم الخارجي على أنه صادق في اهتمامه بمساعدة الشعب العراقي، وسيفتح تخفيف التوتر والمساعدات الخارجية والحضور القوي للأمم المتحدة في العراق، آفاق التغيير الليبرالي الذي يؤدي بشكل مناسب إلى التغيير السلمي للنظام». 
والقلب مُعلّم العقل، وكلاهما ورثه العالِم العربي عن أبيه الكاتب اللبناني «إدوارد عطية» الذي ذكر في كتابه المنشور عام 1946 بالإنجليزية، وعنوانه «عربي يروي قصته»: «مصير فلسطين هو العامل الحاسم الذي سيحدد أكثر من أي شيء آخر اتجاه العلاقات الإنجلوعربية في السنوات المقبلة».

نشر المقال هنا

comments powered by Disqus
خدمة RSS LinkedIn يوتيوب جوجل + فيسبوك تويتر Instagram

عدد الزوار :123,087,340

تطبيق الموبايل

-->

آخر الزيارات

مساحة اعلانية

الأكثر قراءة

الأكتر مشاهدة

تابعنا على "فيس بوك"