«سيلفي» مثقفين عراقيين مع رئيس الجمهورية

هيفاء زنكنة

كيف يمكن ألا نفتخر ونتباهى برئيس جمهورية يزور معرضا للكتاب ببغداد صحبة «السيدة الأولى» وهو يقف بين كُتاب وناشري وموزعي اهم أداة لنشر الثقافة والمعرفة، في بلد متعطش للنشر والكتابة والقراءة، بعد تحقيق «الانتصار» على الإرهاب؟ لماذا لا ننضم الى جموع المصفقين والمرحبين وملتقطي الصور و«السيلفي»، مع رئيس جمهورية أنيق، بوجه حليق، ولباس غربي (خلافا لمرتدي العمامة والدشداشة والشروال)، يتحدث اللغة العربية بطلاقة (وهو الكردي)، ويحضر صحبة زوجته (بينما يخفي بقية الساسة زوجاتهم أما في البيت أو خارج العراق)؟ كيف لا نؤيده، وهو يخاطب الوسط الثقافي العراقي والعربي والعالمي، بكلمات نبيلة هي جوهر ما يصبو اليه أي مثقف كان، خاصة، في بلداننا، مؤكدا: «ان حريةُ التفكيرِ والتعبير عن الرأي مكفولةُ دستورياً في العراقِ الديمقراطي تعززها حريةُ حركةِ الكتاب وتجاوزُ أيِّ رقابةٍ على الفكرِ»؟

كيف لا نهز رؤوسنا اعجابا بجرأته، وهو يقف مستنكرا بأسف شديد جريمة اغتيال الكاتب علاء مشذوب، في الأسبوع الماضي، الجريمة التي رأى انها تفرض عليه والمسؤولين والمجتمع « العملَ بجهد استثنائي لكشف الجناة والقبض عليهم وإحالتهم للعدالة، والعمل أيضا بجهد فاعل، أمنياً واستخبارياً وسياسياً واجتماعياً، لأن تكون هذه الجريمة دافعاً آخر لاجتثاث العنف والإرهاب وأي تهديد لحياة وأمن وكرامة المواطن»؟
أليس الأجدر بنا كمثقفين، إذن، الاحتفاء ببرهم صالح كرئيس جمهورية لا مثيل له، ونسارع لالتقاط الصور معه، لنمسك بلحظة تاريخية نادرة، استنادا الى هذه التصريحات الجامعة لمواقف سياسية مسؤولة وفكرية وثقافية، يؤكد فيها على «حريةُ التفكيرِ والتعبير عن الرأي… وحرية حركة الكتاب وتجاوزُ أيِّ رقابةٍ على الفكرِ»؟
ما الذي يمنعنا من ذلك؟ هل هو موقفنا منه كسياسي ساهم بشكل فاعل، على مدى عقود، في تسويق غزو واحتلال «بلده»، متعاونا مع محتل مسؤول، بالدرجة الأولى، عن الخراب البشري والعمراني، عن مأسسة التمييز الطائفي العنصري، وما تلاه من إرهاب لا يكاد يخلو خطاب له من ذكره؟ أما حان الوقت لأن نتخلص من اوهامنا، حول المفاهيم الديناصورية التي نحملها، كالوطن والوطنية والخيانة والعمالة، وأن نرضى بالأمر الواقع، كما يفعل آخرون، وان نؤمن، بما تم تصنيعه من هويات مستحدثة، وان الاحتلال لا يزيد عن كونه مجرد اختلاف في وجهات النظر؟
ما الذي يقف حائلا بيننا وبين القبول بـ«الأمر الواقع»، كما يجسده شخص رئيس الجمهورية، وتصريحاته التي تغطي كافة الأصعدة، من حرية التعبير والرأي الى توفير الحماية والأمن لمن يمارسها؟

الحائل الأول والأخير الذي لا يمكننا التعامي عنه حتى لو رضينا، كما يراد منا جميعا، بالأمر الواقع، هو ما يدحضه الواقع نفسه، المتبدي بالفجوة الصارخة بين الرطانة والتطبيق. بين الادعاء والممارسة، وبين الحقيقة والتظاهر بالحقيقة تبعا لمنطلقات نفعية انتهازية. والقاء نظرة سريعة على واقع «حرية التعبير»، في العراق، منذ شهر واحد فقط (ولن أقول منذ عام 2003)، وموقف المسؤولين السابقين واللاحقين، وعلى رأسهم رئيس الجمهورية، يُكذّب بما لا يقبل الشك، تصريحات برهم صالح في معرض الكتاب، لتتكشف، كما هي عارية، مبتذلة، بابتسامة واسعة تحسده عليها جوليا روبرتس، مستهينا، بالكتب ومؤلفيها وناشريها، وحرية الفكر والتعبير.
فخلال الشهر الماضي فقط، سجل المركز العراقي لدعم حرية التعبير (حقوق)، مقتل صحافي، بالإضافة الى 15 انتهاكاً بحق الصحافيين، والمتظاهرين. أبرزها اعتقالات متكررة لصحافيين يعملون في قناة NRT، بإقليم كردستان، بناء على شكوى مقدمة من المكتب السياسي للحزب الديمقراطي الكردستاني، وفصل طلبة جامعيين بسبب التعبير عن آرائهم في الفيسبوك، بالإضافة الى ممارسة تحرشات من قبل قوات امنية، وتهديدات مبطنة على خلفية اعداد تقارير صحافية او تصوير مواد مرئية، واعتقال 6 متظاهرين في البصرة من قبل مفرزة تابعة لشرطة النفط، لمجرد طلبهم الموافقة على إقامة تظاهرة. وقدم مركز ميترو للدفاع عن حقوق الصحافيين، تقريره السنوي يوم 17 كانون الثاني/يناير، في مدينة أربيل، موثقا 349 انتهاكاً ضد الحريات الإعلامية في الإقليم فقط، بضمنها ضرب الصحافيين والهجوم المسلح من قبل قوات أمنية على بيوتهم وحرق مقار إعلامية، وإيقاف بث قنوات محلية.
وقام النظام في تموز/يوليو من العام الماضي، بقطع الانترنت، تبعها تقييد مقصود للوصول إلى منصات وسائل التواصل والإعلام الاجتماعية، في ارجاء العراق، عدة أيام، ردا على الاحتجاجات المطالبة بالخدمات الأساسية، ومنها الماء الصالح للشرب، في البصرة. وكان الهدف من هذه الخطوة هو كبح الاحتجاجات ووقف انتقادات الحكومة عبر الإنترنت.
ان قائمة ترهيب وقتل الصحافيين والكُتاب والناشطين طويلة، وأحدثها (ولن تكون الأخيرة) جريمة قتل الروائي والباحث علاء مشذوب التي سبقها اختطاف واختفاء الناشط المدني الشاب جلال الشحماني، وقتل الشاعر بكر علي، وسوران مامه حمه، وسردشت عثمان، ولسنا بحاجة الى ذكرها بالتفصيل للدلالة على قمع حرية الرأي والتعبير، فجريمة اختطاف او قتل واحدة في البلدان التي تتمتع بالحرية كافية لاستقالة مسؤولين وملاحقة المجرمين. أما في العراق، فأقصى ما يقوم به المسؤولون هو تحويل الجريمة الى خطاب «أسف واستنكار» تخديرا لمشاعر الناس الى ان يتم نسيان الجريمة في زحمة المآسي اليومية. فما هي مسؤولية المثقف المتميز بوعيه النقدي في هذه الحالة؟ هل هو ابداء الأسف والاستنكار كما يفعل الساسة، فيكون المثقف تابعا للسياسي، أو في أحسن الأحوال، واقفا بجانبه ليلتقط «سيلفي» كما حدث في معرض الكتاب، لنترك القيم الأخلاقية جانبا، لنترك «الوطن للجحيم والموت والعصابات والمخابرات»، كما يُذكرنا الروائي حمزة الحسن في نصه «من قتل علاء مشذوب؟».

نشر المقال هنا

comments powered by Disqus
خدمة RSS LinkedIn يوتيوب جوجل + فيسبوك تويتر Instagram

عدد الزوار :123,456,996

تطبيق الموبايل

-->

آخر الزيارات

مساحة اعلانية

الأكثر قراءة

الأكتر مشاهدة

تابعنا على "فيس بوك"