أحَقّاً يبحثون عن الكفاءات فيما يقود العراق الجُهلاء؟

مثنى عبد الله

دعا رئيس مجلس النواب العراقي خلال لقائه بعضا من أبناء الجالية العراقية في لندن مؤخرا، إلى أهمية استقطاب الكفاءات العراقية الموجودة في الخارج، للإفادة منها داخل البلاد في المجالات كافة. وقد بيّن في بيان صادر عن مكتبه، الآليات الضرورية لتحقيق هذا الأمر وهي (ضرورة توفير حياة حرة كريمة لكل مواطن عراقي، وضرورة توفير العدالة الاجتماعية، وأن يكون الجميع متساوين بالحقوق والواجبات).

ولو أمعنا النظر في هذا التوجه لوجدناه قمة الوعي الصحيح، والسلوك السياسي الناضج، والقرار الشجاع والمسؤول، لكن شرط أن يكون هذا الحديث صادرا من مسوؤل في دولة أخرى كي نصدقه. أما أن يكون المتحدث رئيس برلمان في العراق، فإن الامر سوف يغدو مجرد مزحة أو في أحسن الاحوال دعاية سياسية من تلك التي سمعها العراقيون على مدى أكثر من خمسة عشر عاما، أو ربما أضغاث أحلام يعيشها هذا الرجل. فهو يعلم قبل غيره بأن هجرة العراقيين بعد الاحتلال عام 2003، كانت أكبر هجرة في التاريخ بعد هجرة أشقائنا الفلسطينيين، حسب وصف الامم المتحدة آنذاك. والنسبة الساحقة من المهاجرين شملت الأطباء والعلماء والمفكرين وأساتذة الجامعات، والخبراء في مجالات التكنولوجيا والصناعات العسكرية والمدنية، إضافة إلى الغالبية العظمى ممن تبوؤا مناصب في الحكومات التي مرت على العراق، منذ العهد الملكي وحتى آخر عهد جمهوري قبل الغزو. ولم يكن تغيير النظام السياسي هو السبب في هذا الرحيل الكبير عن البلد، أي أنه لم يكن اعتراضا من قبل من هاجر على رحيل من كان في السلطة وقدوم آخر، بقدر ما كان بسبب موجة التصفيات التي اجتاحت البلاد من دون سبب معروف لدى العامة، لكنه يقينا كان عملية إفراغ ممنهجه كي يتقدم الصفوف الجهلاء، فيطمئن الاعداء إلى أن الرأس العراقي لم تعد فيه عبقرية.
لقد قُتل الالاف من الخبرات الوطنية بدم بارد وفي وضح النهار وعلى رؤوس الاشهاد. وخُطف غيرهم من أجل الابتزاز والتخويف، واغتيل العديد من قادة الجيش بكل صنوفهم، لانهم كانوا في الخدمة أثناء الحرب العراقية الإيرانية. واعتقل آخرون لأسباب مجهولة أو مصطنعة. في ما ألقي مئات الآلاف على قارعة الطريق من دون مصدر عيش، بعد أن أُغلقت العديد من المصانع المتخصصة بالصناعات الحربية، والصناعات الثقيلة والخفيفة، وحُلّت العشرات من المؤسسات الرسمية.

وقد رافق هذا التوجه الإجرامي سلوك لا يقل جُرما عن سابقه، حيث تم تقليد المناصب الحساسة والمهمة إلى شخصيات غير معروفة في الوسط الوظيفي، ولا تتمتع بأي خبرة أو تاريخ في العمل. كما حُصرت التعيينات بين الاحزاب المشاركة في السلطة، واعتماد نظام التعيين على أسس طائفية، حتى بات العديد من الوزارات ودوائر الدولة ذات صبغة طائفية محددة، لا يسمح بتعيين أحد من غيرها. وقد أدت هذه الظروف الشاذة إلى مغادرة عدد كبير آخر من الخبرات العراقية إلى دول الاغتراب، بعد أن تقطعت بهم السبل في بلادهم ولم يجدوا أي بصيص أمل في إصلاح الأمور.
إن الدعوة إلى استقطاب الكفاءات العراقية الموجودة في خارج البلاد، تتطلب تهيئة بيئة صالحة قادرة على احتضان الفكر السليم والتوجه العلمي الصحيح، وأول شروط نجاح هذا المسلك هو الإطاحة بكل الرؤوس التي تصدرت المشهد من دون وجه حق، ومن دون امتلاك أبسط المؤهلات العلمية والمهنية والروح الوطنية. فعندما تكون العتبة حجر عثرة، ويكون من يمسك بالقرار هو الجاهل والطائفي والحزبي المتعصب، فإن أفق التقدم سيبقى مُغلقا حتى لو أتى كل خبراء الكون وعلمائه الافذاذ إلى العراق. فأسباب التقدم ليست محصورة بمن يعمل داخل المؤسسة، بل مرتبطة ارتباطا وثيقا بالتوجه السياسي العام للدولة، وكذلك بالطبقة السياسية التي تمسك زمام الأمور. فهل يُعقل أن يصل المسؤول إلى منصب ما، وفق نظام المحاصصة الطائفية والحزبية، ولا يستخدم هذا النموذج في التعيينات الوظيفية في المؤسسة التي هو على رأسها؟ حتى رئيس البرلمان الذي يتحدث اليوم عن العدالة الاجتماعية، وأن يكون الجميع متساوين في الحقوق والواجبات، كمنهج لضمان عودة الكفاءات، هو نفسه أتى إلى هذا المنصب وفق نظام المحاصصة الطائفية وليس وفق نظام الكفاءة. وإذا كان العديد من المسؤولين في النظام الحالي مازالت عوائلهم وأولادهم يقيمون في خارج العراق، ويرفضون عودتهم إلى الوطن بحجة الظروف الصعبة والأجواء غير الملائمة، كما يقول سعد المطلبي القيادي في حزب الدعوة في لقاء تلفزيوني، فكيف بالخبير الذي هو من بحاجة إلى الظروف المناسبة والأجواء الملائمة كي يبدع وينتج أن نطلب منه العودة في هذا الوضع الشاذ.
إن توفير الحياة الحرة الكريمة، التي يضعها رئيس البرلمان العراقي كشرط لعودة العقول العراقية، مازالت بعيدة المنال بسنوات ضوئية عن العراقيين، بل الواقع اليوم هو نقيض مأساوي لذلك، والدليل ثلاث عشرة إطلاقة مسدس قضت على حياة روائي عراقي الشهر الماضي، وقضى العشرات قبله بالطريقة نفسها من دون الوصول إلى الجناة. كما أن تحقيق العدالة الاجتماعية، التي يتحدث عن ضرورة قيامها، مستحيلة اليوم في هذا الوطن، لان مَنْ يتبوأ المنصب الأعلى في الوزارات والدوائر الحكومية مؤهلاته هي مجرد خدمة جهادية وشهادة الدراسة الابتدائية، في حين في الوزارة والدوائر التي يقودها يقبع العشرات من الخبراء، يلوي كل يوم عنق شهاداتهم وخبراتهم كي تتلاءم مع جهله.
إن الطبقة السياسية الفاسدة التي تحكم اليوم في العراق، لا تمارس سرقة الأموال والثروات من خزينة الدولة في الوقت الحاضر وحسب، بل إنهم يسرقون عشرات المليارات، بسبب خلقهم وضعا سياسيا واجتماعيا وأمنيا واقتصاديا طاردا للعقول والخبرات الوطنية من الوطن. فتكوين المهندسين والاطباء والعلماء العراقيين كانت تكاليفها من خزينة الدولة العراقية، حيث أن أغلبهم كانوا مبتعثين إلى أرقى الجامعات العالمية للحصول على الخبرات، وحسب الإحصائيات العالمية فإن كل مئة الف شخص من حاملي الشهادات العليا من الجامعات في داخل العراق، كان يعادل عشر مليارات دولار. فكيف بمن حصل على شهادته العليا من الجامعات الأوروبية والأميركية؟
إن البيئة الطاردة للإبداع التي خلقها الغزو والاحتلال وعززتها الطغمة الحاكمة اليوم، ستنتج المزيد من إهدار الثروات، كما أنها تساعد على تفشي الأمية والجهل في المجتمع، لأنها تحط من قدر العلم والعلماء وتجعل الشهادة العلمية ليست في سلم المؤهلات لإشغال المناصب.

نشر المقال هنا

comments powered by Disqus
خدمة RSS LinkedIn يوتيوب جوجل + فيسبوك تويتر Instagram

عدد الزوار :121,355,541

تطبيق الموبايل

-->

آخر الزيارات

مساحة اعلانية

الأكثر قراءة

الأكتر مشاهدة

تابعنا على "فيس بوك"