تاثيرات « عام العدس» على الشعب العراقي!

هيفاء زنكنة

لا أظن أن هناك مواطنا، خارج حدود العراق، سيحظى بهدية من حكومته، تماثل ما حظي به المواطن العراقي. ولأن يوم المرأة لايزال طريا في الذاكرة، بعد مرور 3 أيام،، يمكن اعتبار «الهدية»، بعد تغليفها بورق ملون، هدية خاصة للمرأة العراقية، تثمينا لدورها في المحافظة على بنية المجتمع. انها هدية صالحة لكل المناسبات والفصول والأعياد الدينية والتقليدية، ومنها شهر رمضان الكريم، كما أعلنت الأمانة العامة لمجلس الوزراء. الهدية الثمينة التي تناقلت أجهزة الاعلام تفاصيلها هي باقة عدس، عفوا، نصف كيلو عدس. ستقدمه الحكومة العراقية «دعماً للعائلة العراقية في الشهر المبارك»، حسب بيانها الرسمي.

وبما ان منجزات الحكومات، منذ غزو العراق عام 2003 حتى اليوم، تحمل في جوهرها، الاستهانة وازدراء المواطنين من جهة، وابتذال اللامنطق من جهة ثانية، تطورت عند المواطنين، بالمقابل، وكنوع من الدفاع عن سلامة البقية الباقية من العقل، موهبة جديدة، هي روح النكتة والتهكم والسخرية السياسية، والتي لم يكن المجتمع العراقي مشهورا بها، كما الشعب المصري، مثلا. فانتشرت النكات والكتابات السياسية الساخرة بالإضافة الى الكاريكاتير، بسرعة مذهلة، مستهدفة المحتل الأميركي، بداية، لينضم اليه الإيراني لاحقا. تلاه التهكم اللاذع ضد الساسة الفاسدين وخاصة مستخدمي الدين الإسلامي، من الطائفتين، لستر سرقاتهم وفضائحهم «الدنيوية»، فضلا عن منظمة الدولة الإسلامية «داعش» التي واجهها المواطنون بنكات، اختلط فيها التهكم بالتقزز، من ممارساتها الهمجية. ولم يسلم المواطنون، أنفسهم، من استهداف أنفسهم أو بعضهم البعض، بروح السخرية المعجونة بالألم والحسرة، متجاوزين حدود اللياقة، أحيانا. صار البعض يمنح نفسه صفة المراقب، المستهجن لما يراه، غير المنتمي الى «الحشود». ليتمكن بذلك من تبرئة نفسه من المسؤولية، وامتطاء صهوة القيم الاخلاقية، متسائلا باستغراب اتهامي: كيف يسكتون على الضيم الذي يزداد وقعا عليهم كل يوم؟
وإذا كانت السخرية، السياسية خاصة، تهدف الى فضح الزيف والنفاق والفساد، فأنها، على الاغلب، لا تطرح حلولا، على الرغم من تعدد أشكالها ومستوياتها، مما يدفع الى التساؤل عن جدوى ممارستها؟
تشير متابعة انتشار روح التهكم والسخرية السياسية، في العراق اليوم، إلى ازدياد متابعيها، نتيجة تطورها بأشكال جديدة، مثل تصوير الفيديوهات القصيرة جدا، وتناقلها عبر مواقع التواصل الاجتماعي. مما جعل ملكيتها عامة للجميع. لم تعد تقتصر، كما في الماضي، على «النخبة».
حيث باتت، بالإضافة الى كونها سلاحا لفضح تداعيات مواقف سياسية أو اقتصادية أو اجتماعية، مثيرة للجدل، أو فساد مالي أو أخلاقي أو خيانة للوطن، أداة فاعلة يواجه بها أبناء الشعب التدهور السريع، غير المعقول، للقيم التي تربوا عليها، ومفارقات الواقع المرير، بتناقضاته وتشوهاته.

واقع ان يكون المرء ابن ثاني أكبر بلد منتج للنفط، بالمنطقة، بلغت ميزانيته للعام الحالي 88 مليار دولار، بينما يعيش ربع السكان و50% من أطفال المحافظات الجنوبية تحت خط الفقر. بلد «لايزال 1.8 مليون من مواطنيه، يسكنون الخيام، بعد مرور أكثر من سنة على انتهاء العمليات القتالية» حسب منظمة الصليب الاحمر الدولي، في الشهر الماضي. وهي العمليات التي طالما استخدمت لتبرير الفساد الذي بلغ حدا بات فيه المسؤولون، أنفسهم، يحذرون من نتائجه وهم يتراشقون التهم. آخر المسؤولين «النزهاء» هو ملا بختيار، مسؤول الهيئةِ العاملة في المكتب السياسي للاتحاد الوطني الكردستاني، الذي صرح، يوم 21 شباط/فبراير، ان «حجمَ الفساد، وصلَ الى أكثر من 800 مليار دولار، منذ الاحتلال، وان عددَ المدارس المبنيةِ من طين فيهِ يبلُغ 60 الفَ مدرسة». بينما يتمتع الساسة وحواريهم بالغنى الفاحش. الغنى الذي بلغ حد أن يوزع احدهم على المدعوين لعرس ابنته، ليرات ذهبية بدلا من «الحامض حلو».
هذا الواقع المنسوج بالظلم، والتمييز الطبقي والعنصري العرقي والديني والطائفي، وتمكن المتورطين بقضايا الفساد الفاحش من الهرب إلى خارج البلاد أو بقائهم مطلقي السراح بموجب «قانون العفو العام»، مهد الأرضية لنمو روح السخرية والتهكم لابلاغ رسالة محددة مهما كان تأثيرها صغيرا. وتشكل ردة الفعل الساخرة على اضافة نصف كيلو العدس، الى الحصة التموينية، للتوزيع خلال شهر رمضان، وبعد ان نقصت مفرداتها تدريجيا، بعد الاحتلال، مثالا يثير الضحك، كاشفا، في الوقت نفسه، زيف الادعاءات الرسمية وعدم تطابقها مع الواقع.
بدأت حملة السخرية بنش بعض الناشطين وسم «عدس الحكومة يجمعنا». ليليه «حملة التبرع بالعدس للحكومة». كلاهما تصدرا قائمة انتشار التغريدات في العراق. وأدت منحة العدس الى النظر، من جديد، في كيفية تطبيق بعض القوانين الحكومية على المواطنين، فكتب أحدهم: «كل مواطن له الحق في استلام مادة العدس مالم يكون مشمولا بإجراءات المساءلة والعدالة». وتم إيضاح الشروط أكثر، بتعليق آخر: «من شروط استلام العدس في شهر رمضان المقبل، ان يكون المستلم من أبوين عراقيين بالولادة، وأن لا يكون قد استلم عدس في زمن النظام السابق».
لم يفًوت عدد من فناني الكاريكاتير العراقيين المشهورين، فرصة معالجة ثيمة العدس، فرسم الفنان أحمد المندلاوي عائلة مكونة من 4 أفراد: أب وأم وصبي وفتاة، واقفون، كأنهم ينظرون الى المجهول، وهم ينشدون نشيدا حماسيا، يرتبط لحنه الشائع بالذاكرة الجماعية العربية، بعد استبدال كلماته المعروفة بمفردة العدس، ليصبح «العدس الساطع آت وانا بطني جوعان… العدس الساطع آت بحلول شهر رمضان». ونشرت صورة تمثل عادل مهدي، رئيس الوزراء، وهو جالس على الارض، مرتديا الدشداشة، متسائلا «والله دايخ بالعدس نطي ربع كيلو لو ميت (مئة) غرام… حيرة!»
وبينما اقترح أحد المؤرخين تسمية العام الحالي «عام العدس» موضحا « في أزمنة شيوع الأمية، كان الناس يؤرخون بالوقائع.. فيقولون «سنة الجراد». واليوم لشيوع الأمية بنسبة مرعبة اقترح ان يؤرخ للعام الذي نحن فيه بعام العدس». إرتأت الكاتبة بثينة الناصري ان يمتد الاقتراح ليشمل « ومن يولد له مولود ذكر في هذا العام سوف يسميه : عدس (إذا كان سنيا) وعداس (إذا كان شيعيا) و(عوديسو) إذا كان كلدانيا، وإذا كانت انثى فسوف تشيع اسماء : عدسة /عديسة/عدوس». كما صار البعض يتبادل التحيات التقليدية مطعمة بالعدس على غرار يا صباح أو يا مساء العدس.
أما على مستوى التضامن الدولي، فقد أخبرنا أحد النشطاء بأن شركة أديداس، المشهورة، متعددة الجنسيات، قررت أن تحذف حرفين (يد) من علامتها التجارية ليصبح أسمها «أداس» تضامنا مع شعب العراق. مما يستدعي، حتما، إطلاق هوسة عشائرية شعبية، يتم أداؤها ترحيبا اذا ما زار أحد مدراء الشركة البلد،: «ها…أخوتي… ها، أفرح يا شعبنا، البرلمان أنطاك أداس». يقودنا استعراض هذه النماذج الساخرة الى تساؤل يستحق التوقف عنده حول تأثيرها: هل هي مجرد تنفيس آني عن الغضب أم إنها نوع من المقاومة السلمية؟

نشر المقال هنا

comments powered by Disqus
خدمة RSS LinkedIn يوتيوب جوجل + فيسبوك تويتر Instagram

عدد الزوار :123,117,863

تطبيق الموبايل

-->

آخر الزيارات

مساحة اعلانية

الأكثر قراءة

الأكتر مشاهدة

تابعنا على "فيس بوك"