النظام الدولي الثالث_الجزء الثاني

نزار السامرائي
إذا اعتبرنا أن صلح ويستفاليا أول اتفاق دبلوماسي قاري في العصر الحديث على مستوى الدول الفاعلة في السياسة الدولية في ذلك الوقت وهو كذلك فعلا، وأنه أرسى نظاما جديدا في أوروبا الوسطى مبنيا على مبدأ سيادة الدول المشتركة في الاتفاق، إذن كان يجب أن تجد مقرراته طريقها لتصبح جزءً ملزما لسلوك الدول المنخرطة فيه، لكن غيابَ مفهوم علوية القوانين الدولية على القوانين المحلية لم يكن مثارا بهذه الحدة حينذاك ولم يكن تنازع قوانين بين ما هو محلي وما هو خارجي مطروحا من قبل فقهاء القانون الدولي، وعلى الرغم من أن الأصل في توقيع أي اتفاق أو قانون هو تفعيل النصوص وليس جعلها مجرد ديكور جميل يزين المكتبة القانونية لأي بلد أو المنظمات الدولية، إلا أن كثيرا من القوانين والاتفاقيات الدولية بقيت مجرد نصوص تعبر عن رغبة في استعراض قوة الصياغة بين هذا البلد أو ذاك.

أكبر سلطة دينية في أوربا وهو بابا الفاتيكان وقتذاك أوربان الثامن هو الذي لعب الدور الرئيس ونشط في الساحة لحث الدول الأوربية للتداعي والتناصر فيما بينها وعقد المؤتمر لتجنيب الدول الأوربية المسيحية المزيد من النزاعات فيما بينها وهي التي تنتمي إلى ديانة واحدة، إذ اراد لها البابا أن تتفرغ لمواجهة الدولة العثمانية التي كانت تمثل الإسلام بكل الموروث المختزن في الذاكرة الجمعية الأوربية من دروس الماضي والذي تستعيده أوربا في كل حين، سواء معركة مؤتة أو معركة اليرموك أو معركة بواتييه التي وقعت في فرنسا عام 732 التي يطلق عليها العرب اسم معركة بلاط الشهداء التي قادها والي الأندلس عبد الرحمن الغافقي، أو معركة القسطنطينية التي قادها السلطان محمد الفاتح أو حروب الدولة العثمانية في وسط أوربا واستيلائها على عدد من الأقاليم وانتشار الإسلام فيها.
أراد بابا الفاتيكان من الاتفاقية إيقاف النزاعات الداخلية ثم الاندفاع إلى الخارج والاهتمام بالتوسعات الاستعمارية بهدف نشر المسيحية وزيادة موارد أوربا وتطويق الدولة العثمانية حتى لو تم ذلك بالتحالف مع بلاد فارس التي كانت تعيش صراعات دموية ضد محيطها الإسلامي منذ فرض التشيع الاثني عشري فيها من قبل إسماعيل الصفوي.
لكن خروج الدول الأوربية من قارتها إلى العالم الفسيح بقدر ما أغلق حروب أوربا الداخلية، فإنه في واقع الحال فتح أبوابا واسعة وتنافسا جديدا لنزاعات دموية فيما بين الدول الاستعمارية على اقتسام المناطق الجديدة.
لم تلبث أوربا أن عادت إلى سابق عهدها في النزاعات والحروب وبعض حروبها استندت إلى حوافزها السالفة مع كثير من طموح زعمائها بقيادة القارة سياسيا وعسكريا مع كثير من خطط التوسع في الأقاليم الجديدة والسيطرة على ثرواتها، ذلك أن الاتفاقيات كما يفسرها السياسيون ليست نصوصا مقدسة لا تسمح بالخروج عليها إذا ما اقتضت مصالحهم أو مصالح بلدانهم ذلك الخروج، ويجهد الساسة أنفسهم في البحث عن مسوَغٍ لهذا الخروج فيصبح هو الهم الذي يشغل بالهم، وهنا علينا أن نتوقف عند نقطة مركزية في توقيع الاتفاقيات الثنائية أو الجماعية، فهناك دول عانت من ضعف اقتصادي أو عسكري في ظرف ما في قدراتها لمواجهة تيارات وعواصف سياسية تفوقها قوة، فقد تضطر للانحناء أمام العاصفة فتوقّع اتفاقية ثنائية أو جماعية وكأنها تتجرع كأسا من السم، وحال احساسها باسترداد قدرتها على استعادة ما تظنه حقا مستلبا فسوف تخرج على ما وقّعت عليه، وهنا تبرز أمامنا حروب نابليون التي جرت دولا أوربية كثيرة إلى ساحاتها مما أدى إلى تكبد أوربا خسائر مادية وبشرية كبيرة وأضاعت فرصتها التي سنحت لها من خلال اتفاقيتي ويستفاليا في تحقيق سلام دائم وبناء سياج أوربا المسيحية على أساس المتراكم لها من الخبرات التكنولوجية التي أفرزها عصر النهضة، أو بدأ ينهال على خزائنها من الثروات المتحققة لها من توسعها في آسيا وأفريقيا وأميركا أو احتكارها لأسواق لتصريف منتجاتها الصناعية.
وسنحت بارقة أمل أخرى في عقد مؤتمر فينا عام 1815 والذي اتخذ جملة قرارات مهمة، كان أهمها على الإطلاق “عودة القديم إلى قدمه” أي إلغاء كل التغييرات التي طرأت على حدود الدول الأوربية التي نشأت بعد اتفاقية ويستفاليا وحروب نابليون، ومع أن اتفاقية ويستفاليا كانت تترنح تحت وقع الضربات العسكرية بين الدول الأوربية، إلا أنها من حيث الإطار القانوني ظلت صامدة بوجه الرياح والأعاصير السياسية لعدة قرون، مع أن إغراء التوسع والحصول على المزيد من الأراضي والثروات الطبيعية وأسواق تصريف المنتجات الصناعية لم تخفت حدته، كل ذلك لم يترك هامشا عريضا لتلك الدول لتنتظر خصومها ومنافسيها للانقضاض على الأقاليم البكر، فعاشت الدول الأوربية صراعات صامتة فيما بينها خاصة بعد نيل الولايات المتحدة وعدد من دول القارة الأميركية لاستقلالها، وكانت هذه الصراعات تسخن حينا وتبرد في أحيان أخرى، إلى أن نشبت الحرب العالمية الأولى والتي شاركت فيها ولأول مرة دولة إسلامية كبرى هي الدولة العثمانية كطرف شريك لدولة أوربية مسيحية هي ألمانيا، ضد تحالف أوربي واسع تقوده بريطانيا وفرنسا، وانتهت الحرب بهزيمة ألمانيا وسقوط الدولة العثمانية بعد أن فقدت الأقاليم التي كانت تحت سيطرتها قبل نشوب الحرب بعدة سنوات، وانتهت الحرب أيضا بعد أن شاركت فيها الولايات المتحدة في آخر سنة منها أي سنة 1917، ونتيجة لانتهاء الحرب فقد صارت سيطرة بريطانيا وفرنسا على معظم الأقاليم لما وراء البحار جلية، لكن نتائج هذه الحرب وعلى الرغم من تأسيس عصبة الأمم عام 1920 كإحدى نتائجها وإفرازاتها، لم ترسم مسارا مغايرا لما أرسته اتفاقيتا ويستفاليا من نظام دولي بحيث بقي صامدا حتى نشوب الحرب العالمية الثانية التي بدأت في الأول من أيلول/سبتمبر عام 1939 في أوروبا وانتهت في الثاني من أيلول/سبتمبر عام 1945، وعلى الرغم من وجود عصبة الأمم التي يفترض أنها أُنشأت من أجل تحقيق السلام بين مختلف دول العالم، وتوقيع اتفاقيات ثنائية أو دولية كثيرة بين دول أوربا، إلا أن القارة القديمة شهدت حروبا كثيرة فيما بين دولها، وجرّت إليها أطرافا أخرى إما لتجنب ويلات مستقبل علاقاتها مع دول أقوى منها وأكبر أو لشعور منها أن هناك مصالح تقتضي نزع الحياد والوقوف مع أحد طرفي النزاع، وكانت عناصر القوة تتركز عموما بين 3 من دول أوربا بصفة شبه مستمرة وهذه الدول هي المملكة المتحدة التي ساعدتها بيئتها البحرية على امتلاك أقوى اسطول حربي من جهة فضلا عن أن البحار التي تحيطها من كل جهاتها منحتها خاصية الدفاع الذاتي بوجه الأخطار الخارجية، وإضافة إلى المملكة المتحدة هناك كل من فرنسا وألمانيا، وتبادلت هذه الدول الهزيمة والنصر في حروبها والتي دفعت أوربا ثمنا كبيرا بسببها، باستثناء بريطانيا التي حافظت على قوتها بوجه كلٍ من فرنسا حينا وألمانيا حينا آخر.
ومع بروز الاتحاد السوفيتي مع نهايات الحرب العالمية الأولى، إلا أنه ظل يعاني من أزمات داخلية قوية وصراع الطبقات الذي ألهبته الماركسية اللينينية، فمنعته من الإطلالة الخارجية على التوازنات الدولية إلى أن تحقق للسوفييت النصر بعيد الحرب العالمية الثانية وبرزت قوته كمركز استقطاب ثنائي على المسرح الدولي، ولكن بعض خبراء العلاقات الدولية يرى أن النظام الدولي الأول انتهى مع بداية الحرب العالمية الأولى، وهذا ما لا أأخذ به.
كما أسلفت فإن حروبا كثيرة كانت قد نشبت بين الدول الأوربية، ولكن أخطرها كانت الحرب العالمية الثانية والتي شاركت فيها غالبية دول العالم، فدخلت أسلحة جديدة إلى سوح القتال لتحدث فتكا أكبر كالدبابات والمدفعية والطائرات وكذلك الأسلحة الكيمياوية، وكان من أبرز ما ظهر في الحرب المذكورة دخول الولايات المتحدة إلى جانب الحلفاء ضد ألمانيا واليابان بثقل استثنائي ومباشر، وهذا العامل إضافة إلى مأزق غزو الألمان للاتحاد السوفيتي، من أهم العوامل التي أدت إلى هزيمة ألمانيا واليابان التي صارت ضحية استخدام الولايات المتحدة للسلاح الذري لأول مرة عام 1945، وهنا يلاحظ المراقبون أن الولايات المتحدة دخلت الحرب متأخرة عن بقية الأطراف المتحاربة فيها، وهو ما حصل في الحرب العالمية الأول كذلك جريا على عادة قرصانها الأكثر شهرة “مورجان” الذي كان ينتظر عودة القراصنة الكبار من غزواتهم وسيطرتهم على السفن التجارية فيقوم بالسيطرة على ما حصل عليه أولئك القراصنة حتى أصبح من كبار أثرياء العالم وما زال بنك مورجان شاهدا على تلك الثروة الطائلة التي جمعها عبر سيطرته على جهود المغامرين الآخرين، وربما يجسد هذا النمط من السلوك أسلوب الولايات المتحدة في اقتناص الفرص بعد أن يتعب الآخرون فتأتي لتحصد ثمرة جهدهم في الساعات الأخيرة، مما يعني أنها كانت تخطط لإنهاك المتحاربين ثم الدخول في الحرب لكسب نتائجها واستثمار الفوز بعدها.
بمجرد انتهاء الحرب الثانية دخل العالم نظاما دوليا جديدا بعد انتصار الحلفاء على ألمانيا وبروز قوتين رئيستين في العالم، هما الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي، وخاصة بعد امتلاك الاتحاد السوفيتي للسلاح النووي بعد إجراء أول تجربة في 29 آب/أغسطس 1949، وتوزعتا مناطق النفوذ بالعالم والسيطرة على أراض شاسعة في مختلف القارات باستثناء القارتين الأميركيتين اللتين بقيتا منطقة نفوذ خالصة للولايات المتحدة التي حظرت أي تمدد غريب عليهما استنادا إلى مبدأ مونرو، وهذا المبدأ أعلنه الرئيس جيمس مونرو عام 1823 ويقضي بضمان استقلال العالم الجديد عن أي تدخل أوربي، ولكن هذا المبدأ تعرض إلى اختبار كاد أن يوصل إلى مواجهة ساخنة بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي عام 1962 بسبب نصب السوفييت صواريخ على مقربة من السواحل الجنوبية للولايات المتحدة مما دفع الرئيس الأميركي في ذلك الوقت جون كندي إلى فرض حصار خانق على جزيرة كوبا انتهى بنزع الصواريخ السوفيتية والوصول إلى حلول وسط بين البلدين، بعد هذه الأزمة اشتدت الحرب الباردة بين المعسكرين ولكن العلاقات الدولية شهدت توازنا بين القوتين العظميين نتيجة توازن الرعب الاستراتيجي في أسلحة الردع بين الولايات المتحدة التي كانت قد امتلكت هذا السلاح واستخدمته في ضرب اليابان في الأيام الأخيرة للحرب الثانية، وذلك عندما استهدفت مدينتي هيروشيما ونكازاكي، وبنتائج الحرب العالمية الثانية نشأ النظام الدولي الثاني، وهو نظام ثنائية القطبية بعد إزاحة دول كانت عظمى قبيل الحرب العالمية وهي المملكة المتحدة وفرنسا وألمانيا، وأصبح العالم ساحة صراع مفتوحة بين الولايات المتحدة مدعومة بالدول الأوربية المنضوية تحت لواء حلف شمالي الأطلسي والتي بدأ بعضها يسعى لامتلاك السلاح النووي تباعا، وفي الجانب الآخر يقف الاتحاد السوفيتي مدعوما بحلف وارشو والذي يضم دولا من أوربا الشرقية التي تدور في الفلك السوفيتي، وجمهورية الصين الشعبية، وفي ظل النظام الدولي ثنائي القطبية والذي نشأ بعد الحرب الثانية ومع وجود الأمم المتحدة التي تأسست بتاريخ 24 تشرين الأول/اكتوبر عام 1945 في مدينة سان فرانسيسكو، أطلت على العالم الحرب الباردة بين الدولتين الأعظم في العالم، ولكن العالم لم يشهد هدوءً على الإطلاق فقد عاش حروبا ساخنة بين وكلاء الدول الكبرى وأحيانا بمشاركتها بصورة مباشرة، للسيطرة أو تبادل السيطرة على الدول الصغيرة أو السيطرة على ثرواتها، ‏وكان الصراع على أشده في المناطق البكر أي تلك التي لم تنظّم إلى أي من المعسكرين، فصارت ساحات لصراع لفرض الهيمنة عليها أو لاستردادها من الطرف الآخر.
لكنّ مجلس الأمن الدولي الذي كان أهم تشكيلات الأمم المتحدة، وبدلا من أن يكون هيئة لتحقيق الأمن والسلام بين الدول والشعوب، فقد كان في الواقع مطرقة كبيرة توشك أن تهوي بها الدول الكبرى على رؤوس الدول الأصغر منها ففي ظل التهديد بقرارات مجلس الأمن في نطاق الفصل السابع انتاب الدول الصغيرة رعب من مجهول يمكن أن يهدد استقلالها وسيادتها إذا لم تجد لها ضامنا بالدفاع عنها في المجلس من الدول الخمس المالكة لحق النقض “الفيتو” الذي كان دليلا صارخا على التمييز بين الدول استنادا إلى ميثاق الأمم المتحدة الذي افترضت به الشعوب أنه سيضعها على قدم المساواة في الحقوق والواجبات على الأقل من الناحية القانونية، فتحتَ بنودِ ميثاق الأمم المتحدة وسلطة مجلس الأمن الدولي تم ارتكاب جرائم سياسية لا تقل في خطورتها عن نتائج الحروب الساخنة التي عاشها العالم في ظل انعدام القانون الدولي المنظم للعلاقات الدولية، ففي الوقت الذي اعتقد كثيرون أن ميثاق الأمم المتحدة هو أهم اتفاقية دولية جماعية تضمن للشعوب حقوقا متكافئة ومساواةٍ في الحقوق والواجبات، كانت أبشع مظاهر الظلم تمارس باسم الامم المتحدة، ولعل العرب هم أكثر الأقوام تعرضا لهذا الظلم في فلسطين وغيرها من المناطق، أما العراق فقد تعرض لسلسلة متصلة بل سلة من قرارات مجلس الأمن الدولي لم يسبق أن اتخذت ضد أي بلد أو طرف في العالم، ومن يراقب قرارات مجلس الأمن ضد العراق سيصاب بدوار لتلك العجلة في طبخها وتقديمها على مائدة الآكلين ثم فرضها من قبل الولايات المتحدة وإخراجها باسم المجلس، هذا ما سنتناوله بتفصيل في الجزء الثالث والأخير من هذه المقالة.
فما كادت الحرب الثانية تضع أوزارها وتهدأ المدافع وتتوقف الطائرات الحربية عن القصف إلا وكانت المنطقة العربية ساحة حرب بدأت محدودة ولكنها باتت حتى الآن أكبر خطر يهدد السلام العالمي وهي حرب احتلال فلسطين من قبل الحركة الصهيونية المدعومة من معسكري الشرق والغرب على حد سواء فتم الإعلان عن قيام الكيان الصهيوني في 15/5/1948 والاعتراف بها من قبل الشرق والغرب وكذلك الأمم المتحدة، ثم اندلعت الحرب الكورية بين الولايات المتحدة وحلفائها من جهة والاتحاد السوفيتي وجمهورية الصين الشعبية من جهة أخرى وهي التي كانت قد اُستبعدت من احتلال مقعدها في الأمم المتحدة ومجلس الأمن الدولي على الرغم من أنها إحدى الدول المنتصرة في الحرب، وكان هذا أكبر تعسف مارسته المنظمة الدولية بعد مدة قصيرة من تأسيسها، إذ ذهب مقعدها إلى جمهورية الصين الوطنية (تايوان) التي خاض رئيسها جان كاي كيج حربا أهلية طويلة ضد قوات ماو تسي تونغ في ما يسمى بالمسيرة الكبرى والتي انتهت بمغادرته البر الصيني واللجوء بحكومته إلى جزيرة فرموزا (تايوان) وقيام جمهورية الصين الشعبية الشيوعية عام 1949، ونتيجة الحرب في شبه الجزيرة الكورية المعروفة التفاصيل، أنها أدت إلى تجزئتها إلى شمالي شيوعي وجنوبي تابع للغرب.
ولم تتوقف محاولات بريطانيا وفرنسا للتشبث بماضٍ غربت شمسه،
فتم التواطؤ مع الكيان الصهيوني على شن الحرب على مصر بحجة تهديد الملاحة البحرية بعد تأميم مصر لقناة السويس في 26/7/1956، فما كادت شمس يوم 29/10/1956 تشرق إلا وكان الكيان ينفذ إنزالا جويا في سيناء ويرسل بقواته إلى قناة السويس، ويوم 30/10/1956 انطلقت الطائرات البريطانية من قواعدها في قبرص لتشن الحرب على مصر وهي الحرب التي أطلق عليها العالم اسم حرب السويس وأسماها المصريون ومعهم العرب بالعدوان الثلاثي، وتم إنزال جوي فوق منطقة القناة، ومع هذا التحرك كانت القوات المدرعة الصهيونية تتقدم بسرعة باتجاه قناة السويس، فتمكنت من احتلال شبه جزيرة سيناء، وهنا يلعب التضارب بين مصالح الدول الكبرى دوره في تغيير بعض المعادلات السياسية فيرفض الرئيس الأميركي دوايت آيزنهاور احتلال سيناء، فتمارس الإدارة الأميركية ضغوطا قوية على الكيان الصهيوني لإجباره على الانسحاب منها وخاصة بعد بروز مواقف سوفيتية قوية مضادة للعدوان مما أدى إلى وضع العالم على شفير حرب أكبر من منطقة الشرق الأوسط، فأصدر مجلس الأمن الدولي قرارا في 2/11/1956 بوقف العمليات الحربية خاصة بعد أن هددت واشنطن باتخاذ مواقف حازمة تجاه الأطراف الثلاثة، وكواحدة من أهم نتائج العدوان لثلاثي على مصر تراجعت مكانة بريطانيا وفرنسا من دول كبرى إلى دول عاجزة عن رسم مسار الأحداث الدولية لصالح الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي. 
وبتداخل مع تلك الحرب كانت فيتنام تشتعل بحرب تحريرية ضد الاستعمار الفرنسي الذي لحقت به هزيمة منكرة في معركة ديان بيان فو، ولكن فيتنام تقسمت إلى جزأين أيضا، شمالي شيوعي وجنوبي أميركي وهذا ما قاد إلى توترات بين طرفي المعادلة، ففيتنام الشمالية كانت تسعى بكل قوة لتوحيد شطري البلاد وإزاحة النظام الجنوبي الذي تحول من الولاء لفرنسا إلى بلاد تحتلها الولايات المتحدة، مما أدى إلى انطلاق حركة تحرر في الشطر الجنوبي مدعومة من الشمال، أطلق عليها الأميركيون اسم “الفيتكونغ” واستنجد الجنوبيون بالولايات المتحدة بعد أن شهدت البلاد تداعيات سياسية وأمنية خطيرة، وتحركت قوات من كثير من الدول الحليفة لها مثل دول آسيان، وبدأت القوات الأجنبية تتدفق على الجنوب حتى وصل عديد القوات الأميركية لوحدها أكثر من 3 أرباع مليون جندي، بالمقابل حظيت حركة تحرير الجنوب بدعم واسع من الاتحاد السوفيتي والصين الشعبية وتعاطف دولي منقطع النظير من شعوب العالم بما في ذلك الشعب الأميركي الذي بات مقتنعا أن الحرب انتقلت من مستنقعات فيتنام إلى شوارع المدن الأميركية وأن ذلك هو أول مؤشر على خسارة الحرب، ونتيجة لتدفق جثث القتلى الأميركان وبأعداد متزايدة وتساقط أعداد كبيرة من طائرات سلاح الجو الأميركي وأسر طياريها استيقظ الإعلام الأميركي على حقيقة مفزعة عن دوافع الحرب وكيفية نشوبها، وتوصل خبراء الاستراتيجية الأميركيون إلى أن الاتحاد السوفيتي نجح في استدراج الولايات المتحدة إلى حرب استنزاف من دون نهاية، في حين أن مصانع السلاح الأميركية وجدت في الحرب فرصتها لتطوير أجيال جديدة من أسلحتها وهذا ما تحقق لها فعلا، وفي نهاية المطاف وجدت أميركا أن حربها في فيتنام حرب لا نهاية لها خاصة أمام إصرار المقاتلين الفيتناميين على مواصلة الحرب من دون اكتراث لما يتكبدونه من خسائر بشرية فضلا عن أن فيتنام الشمالية ما كانت لتئن على الرغم من قسوة الغارات الجوية التي تشنها القاذفات الاستراتيجية من طراز B52 على هانوي نفسها، وفي النهاية أجبرت الولايات على الجلوس على طاولة المفاوضات مع الشمال والفيتكونغ مما أدى إلى انسحاب مذل للقوات الأميركية من فيتنام بقيت صوره راسخة في الضمير الجمعي الأميركي.
الولايات المتحدة في أول إطلالة لها على العالم كقوة عسكرية اقتصادية عظمى، ركزت على أنها قوة تسعى لضمان حق الشعوب في تقرير مصيرها استنادا إلى مبادئ الحرية التي بشر بها المؤسسون الأوائل للولايات المتحدة، وظلت تؤكد أنها لم تكن دولة استعمارية بصيغة احتلال أراضي دول أخرى، وأنها تبحث عن نقل الحرية والدفاع عن حقوق الإنسان والتعاون المتكافئ بين مختلف دول العالم صغيرها وكبيرها، في مجالات نقل التكنولوجيا والاقتصاد الحر لضمان العيش الكريم لشعوب الأرض على قدم المساواة ولكن تجربة الشعوب معها عرتّها كدولة استعمارية لا تختلف عمن سبقها إلا بالشعارات ومما دعم تلك الشعارات في الأوساط السياسية في العالم، أن الولايات المتحدة لم تكن تمتلك سجلا
استعماريا سيئا كالذي تمتلكه دول أوربية مثل فرنسا وبريطانيا واسبانيا والبرتغال وهولندا وبلجيكا.
درس الهزيمة الأميركية من فيتنام لم يعطِ الإدارات الأميركية التي وصلت إلى البيت الأبيض لاحقا ما يكفي من الحصانة الكافية للامتناع عن خوض مغامرات جديدة، إذ سرعان ما كرر رؤساء أميركيون جرائم أسوأ ممن سبقهم كما حصل في أفغانستان والعراق وأماكن أخرى من العالم.
على العموم ظل درس الهزيمة في فيتنام يستحث عند الأميركيين عقدة الانتقام من الاتحاد السوفيتي، ويبدو أن الفرصة قد حانت عند دخول الدولة الشيوعية إلى أفغانستان عام 1979، فرمت الولايات المتحدة بثقلها ضد السوفيت ونجحت في توحيد المجتمع القبلي في أفغانستان في حركة مقاومة للاحتلال وبدأ الدعم يتدفق على المجاهدين الأفغان ماليا من دول الخليج العربي وتسليحيا من أميركا، ووصلت أول دفعة من صواريخ “ستينغر” المضادة للطائرات والمحمولة على الكتف إلى رجال القبائل، فضلا عن أسلحة مقاومة الدروع، وتحولت الحرب الأفغانية إلى أكبر ساحة لاستنزاف الاتحاد السوفيتي الذي لم يكن يعبأ بخسائره البشرية، ولكن الحرب تحولت إلى كارثة اقتصادية على البلاد التي كانت تئن تحت ضغط يفوق قابلية الاقتصاد السوفيتي على التحمل فالنظم الأوربية الشرقية كانت عالة على الدعم المالي والاقتصادي والمظلة العسكرية السوفيتية، فكانت موسكو مثل بقرة تعيش على جلدها حشرات تمتص دمها.
وترافقت تلك الحرب مع مشروع حرب النجوم الذي أطلقه الرئيس الأميركي السابق دونالد ريغان الذي اقتبس أفكاره من ماضيه كممثل في هوليود مع وجود قيادة سوفيتية مترددة، وتعدد خياراتها بين السيء والأكثر سوء كما أن تغير الزعامات التي تناوبت على قيادة البلاد نتيجة تقدمهم في العمر أدى إلى انعدام الموقف الصلب بوجه الولايات المتحدة، حتى جاء الزعيم ميخائيل غورباتشوف الذي رفع شعارا إصلاحيا لأوضاع البلاد أطلق عليه اسم مشروع (البتروبيسكا) أي إعادة البناء، ولكن هذا المشروع جاء متأخرا ولم يكن قادرا على انقاذ البلاد من الانهيار، ويبدو أن أفكار غورباتشوف كانت إطلاقة الرحمة التي أجهزت على وجود الاتحاد السوفيتي، وخاصة بعد تهديم جدار برلين والتحول في مواقف الدول الاشتراكية التي كانت جزءً من حلف وارشو ومنظومة الدول الاشتراكية عن تحالفها مع السوفييت إلى حالة العداء معه، وبذلك خرجت الكتلة الشرقية من المعادلة بعد تم الاعلان رسميا عن حل الاتحاد السوفيتي، ونشوء دولة روسيا الاتحادية التي تمتلك ترسانة عظيمة من الأسلحة النووية الفتاكة والصواريخ العابرة للقارات والغواصات التي تتحرك بالقوة النووية ومختلف أنواع الطائرات، وانسلخت منها أقاليم تحولت إلى جمهوريات متنازعة فيما بينها على الحدود والثروات والسلاح الموروث من الحقبة السوفيتية، هذا الظرف الاستثنائي أدى فقدان أسلحة نووية تم تسريب بعضها بالتهريب إلى دول استغلت الظرف الجديد لتنمية قدراتها الدفاعية والعلمية وخاصة بعد أن اشترت عددا من علماء الصواريخ والأسلحة النووية، وبعض الحلقات التكنولوجية التي ما كان لها أن تحصل عليها لو أن الاتحاد السوفيتي بقي قائما
يتبعه الجزء الثالث والأخير

comments powered by Disqus
خدمة RSS LinkedIn يوتيوب جوجل + فيسبوك تويتر Instagram

عدد الزوار :123,473,451

تطبيق الموبايل

-->

آخر الزيارات

مساحة اعلانية

الأكثر قراءة

الأكتر مشاهدة

تابعنا على "فيس بوك"