هل سيساعدنا كورونا على إلغاء الديون العمومية؟

هيفاء زنكنة

هناك تغيرات حياتية كبيرة فرضها وجود فايروس الكورونا غير المرحب به، فهل ستبقى معنا بعد انحسار الهجوم أم ان إيقاع الحياة سيستعيد محاسنه ومساوئه بكل المستويات؟

لم يقتصر تأثير انتشار فايروس كورونا، على مأسسة أو فرض روتين حياتي يومي لكل شعوب العالم، تقريبا، وخلال فترة وجيزة لا تتجاوز الأشهر. حيث يبدأ اليوم بمراجعة اعداد الإصابات والموتى ومعدل الشفاء ولا ينتهي بالحجر الصحي والتباعد الاجتماعي والاعتماد، شبه الكلي، على وسائل التواصل الاجتماعي الالكترونية للاطمئنان على الاهل والاصدقاء، بل أمتد الى كل ما يمثل أساسيات النظم الاقتصادية المحلية والدولية، من العمل والرأسمال الى المؤسساتية المتداخلة في تكوين الدول والأنظمة العالمية الشاملة، من الرأسمالية والاشتراكية الى الدول المتأرجحة اقتصاديا ما بين الاثنين في اعتمادها على ما تتمكن من الحصول عليه من الدول الكبرى، والمؤسسات المالية الدولية الكبرى، من قروض وفق معاهدات واتفاقيات وتنازلات سياسية تصل أحيانا حد القبول بأشكال الاستعمار القديمة والمعاصرة.
لقد مس انتشار الفايروس حياة الناس بشكل قاتل لا يساويه في خطورته، غير الخوف من الموت جوعا جراء البطالة والانهيار الاقتصادي في وضع اعتماد غالبية الناس على العمالة المؤقتة وغير المضمونة. وهو خطر حقيقي غذاه نظام العولمة الذي صغّر من مساحة العالم لتسهيل الاستثمار ومعه الاستغلال البشري مقلصا في الوقت نفسه من الإنتاج الوطني المحلي، لصالح بلدان استطاعت إدامة هيمنتها او تطوير نفسها استفادة من حفنة من الشركات الاحتكارية العابرة للأوطان ذات القدرة على الهيمنة وابتلاع كل ما يقف بوجهها.
مَكّنت أخطبوطيه الهيمنة الدول الرأسمالية من المحافظة على بقائها وتجاوز الانتكاسات التي خلخلت توازن الأسواق والنظم الاقتصادية في العقود الأخيرة، كما نجحت في افشال الأنظمة الاقتصادية البديلة التي تبنتها بعض دول « العالم الثالث» في محاولتها كسر القيود الاقتصادية المفروضة عليها. هذه الهيمنة الاقتصادية السائدة تواجه الآن تحديا من نوع « غير بشري» تمكن من هز «قَدَرية» بقاء النظام الرأسمالي مقابل صعود الامل بتغييرات حقيقية لصالح المجتمعات الباحثة والمتطلعة لتحقيق العدالة الاجتماعية والتخلص من الظلم والتمييز الاقتصادي.
ان محاولة تحقيق العدالة الاجتماعية، بكل المستويات، ليست وليدة انتشار فايروس كورونا، الا ان انتشار الفايروس ومحنة الأزمة الصحية العالمية ساعد الشعوب على الرؤية بوضوح أكبر وكشف عمق الدمار الذي سببته الرأسمالية للبشر والطبيعة. في الوقت نفسه، من السذاجة الاعتقاد أن انتشار الفايروس وآثاره الضارة بشريا وماديا، مهما كانت مدة بقائه معنا، سيسقط النظام الرأسمالي وان كان من الواضح أنه سيضعفه، وستبقى الضربة القاضية بيد الشعوب بشرط استمرار مقاومة الهيمنة والفساد والاحتكار وتسويق حروب القتل والنهب التي تعاني منها الشعوب، خاصة في البلدان العربية.

تبدت دلائل استمرارية النضال الشعبي، في الآونة الأخيرة، بأشكال متعددة. فمن صميم هذه المجتمعات، وعلى الرغم من معاناتها في ظل قطاع صحي عمومي دمرته السياسات النيو ليبرالية، برزت بسرعة توازي سرعة تخبط الدول إزاء الجائحة، أشكال مجتمعية تضامنية جديدة، ساهمت في تقوية العلاقات التكافلية الموجودة، لمساعدة المعوزين والهامشيين وتوفير فرص الاستمرار لصغار المنتجين، فضلا عن التوعية بضرورة السيادة الاقتصادية لبناء الدولة بشكل يضمن التنمية وانهاء اشكال الاستغلال المستديم. نجحت هذه التشكيلات في التشبيك مع منظمات المجتمع المدني، بسرعة مذهلة نسبيا، محاولة انجاز بعض ما لم تستطع الحكومات إنجازه اما لأنها متواطئة مع مراكز القرار الإمبريالية، أو لكونها لا تحمل برامج واضحة لمعالجة الأزمات والاهتمام بشرائح المجتمع الأكثر تضررا، أو لأنها منخورة بالفساد.
ولعل المبادرة التي نبهت، أخيرا، الى ضرورة الغاء الديون العامة واتفاقيات «التبادل الحر»، لمواجهة تفشي جائحة كورونا وعواقبها الكارثية، جديرة بالمتابعة والتضامن الشعبي لأنها لا تقتصر على إدانة الوضع الاقتصادي الحالي بل وتطرح حلولا لإيجاد البدائل لقضية الديون لكونها المحددة للسياسة العامة في بلداننا. وتشكل، إلى جانب اتفاقيات «التجارة الحرة»، أداة للنهب والسيطرة الامبريالية « فخدمات الدين تمتص سنويا أضعاف الميزانيات الاجتماعية ببلداننا، فيما يتضاءل بصورة كبيرة جدا الانفاق الصحي العمومي عن المستويات الدنيا التي حددتها المنظمة العالمية للصحة. فلا بد من وقف تسديد الديون العمومية لتوفير السيولة المالية الضرورية لمواجهة تفشي وباء كورونا والتصدي للأزمة الاجتماعية والاقتصادية التي سيعمّقها. كما وجب وقف جميع أشكال خصخصة الخدمات العمومية، ومنح الأولوية لتطوير قطاع صحي عمومي، وتطوير أنظمة رعاية صحية وطبية مجانية وجيد»، حسب المبادرة التي تبنها مئات المنظمات الناشطة في هذا المجال.
ولهذه المبادرة جذور تعود الى حقب النضال ضد الاستعمار أولا والدكتاتورية المحلية ثانيا كما في مصر وتونس. وبرزت مبادرات في الحراك الشعبي اللبناني الأخير تطالب بوقف تسديد الديون وسنّ برنامج إصلاحات تهم الحماية الاجتماعية والغذائية والصحية للسكان. وعلى المستوى العالمي، ارتفعت الدعوات لوقف تسديد الديون العمومية لبلدان الجنوب، وان تكون الخطوة التالية هي « وجوب أن يقترن وقف السداد بوضع آليات لتدقيق الديون العمومية تمكن غالبية المواطنين والمواطنات من الانخراط في تحديد الأقسام غير المشروعة والكريهة وغير القانونية من هذه الديون، والتي وجب إلغاؤها والتبرؤ منها بشكل نهائي، وتخصيص هذه الموارد لتنفيذ إجراءات اقتصادية واجتماعية وبيئية». ويشكل العراق مثالا صارخا في حجم الديون والذي وصل 124 مليار دولار حسب عضو اللجنة المالية النيابية، محمد صاحب الدراجي (19 أيار 2020)، وهي ديون مستحقة لقروض بفوائد ستثقل كاهل الشعب العراقي وتعيق ان لم توقف التنمية الاقتصادية على مدى عقود مقبلة. وتتطلب من أي حكومة وطنية التحقيق في جميع أشكال النهب والشروط المجحفة التي فرضت على العراق، والتدقيق في الأسس غير الشرعية وغير القانونية التي تستوجب ضرورة الغاء هذه القروض.
يدرك أصحاب المبادرة إن إلغاء الديون العمومية سيؤدي حتما الى القطيعة مع البنك العالمي وصندوق النقد الدولي. « فقد ساندت هاتان المؤسستان الأنظمة الديكتاتورية في منطقتنا، واصطفتا الى جانب القوى الامبريالية الكبرى والدولة الصهيونية في إسرائيل لكبح السيرورة الثورية، وواصلتا تعميق المديونية وتكييف اقتصاداتنا لخدمة الشركات متعددة الجنسيات وكبار المضاربين الماليين عالميا.» ويطرحون خطوات عملية لتنفيذ ما يمكن ان نطلق عليه « التباعد الاقتصادي» عن مراكز القرار الامبريالية. ان تحقيق هذه الأهداف صعب لكنه ليس مستحيلا إذا ما استمرت في التحشيد والتوعية والضغط وتكثيف التعاون والتفكير الجماعي لوضع أسس مجتمع الحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية الذي تطالب به الشعوب في شوارع وساحات بلداننا.

نشر المقال هنا

comments powered by Disqus
خدمة RSS LinkedIn يوتيوب جوجل + فيسبوك تويتر Instagram

عدد الزوار :128,815,858

تطبيق الموبايل

-->

آخر الزيارات

مساحة اعلانية

الأكثر قراءة

الأكتر مشاهدة

تابعنا على "فيس بوك"