في العراق: أزمة رئيس الوزراء لا أزمة الجماعات المسلحة

مثنى عبدالله

منذ عام 2003 حاول الفاعل الأمريكي بعد احتلاله العراق، إعطاء كل فريق طائفي، إثني، مذهبي، ديني، حصة سياسية تبعا لفكرة معطوبة تقول، بضرورة الموازنة والشراكة، وعدم التفرد بصنع القرار من قبل طرف على حساب الأطراف الأخرى. ومن هذه اللحظة أخذت كل هذه الهويات الفرعية وظيفة سياسية، وباتت جزءا من العملية السياسية.

وكي يُحصّن القائمون على هذه الهويات مواقفهم ومواقعهم في وجه الاخرين، ذهب كل فريق للبحث عن حلفاء وحواضن إقليميين ودوليين، كي تكون له الغلبة على كل النصوص الدستورية والقانونية والتحاصصية، إن تعارضت مصالحهم معها في مقبل الايام، لأن المصالح ليست محددة، والطموحات ليست مؤطرة بسقف معين، فما هو مهماً اليوم قد يصبح أكثر أهمية في المستقبل، والذي ليس موجودا على قائمة الأهداف قد يكون كذلك مستقبلا. ومع مرور الوقت أصبح أمراء هذه الفرعيات هم الدولة، وباتوا ينظرون إلى المناصب الحكومية على أنها بُنى شكلية، هدفها الأول والأخير مجرد إدارة وتنظيم حصصهم. وفي إطار هذا الواقع الكارثي تبرز إشكالية منصب رئيس الوزراء، أين موقعه ضمن التشكيلة الحكومية؟ وما دوره فيها؟

في كل الحكومات التي تشكلت في العراق منذ عام 2005 وحتى اليوم، يكون موقع رئيس الوزراء فيها على الطرف الذي يسمى (الأكثرية). وهذا الموقع لم يأتي اعتباطا، بل هو مرسوم ومتفق عليه من قبل كل أمراء الطوائف، وقد استغلت (الأكثرية) هذا المنصب لأداء دور واحد، هو أن لا يسمح للآخرين بالاستفادة من الحكومة، وأن تبقى الاستفادة مقتصرة عليهم. فبات دور رئيس الوزراء مهزوزا ومحدودا، لأنه لا يوازن بين جميع الأطراف، وإنما فقط دوره كبح جموح الآخرين. ولأن العراق المتشرذم والمشتت، لابد أن يواصل خدمته لواشنطن وطهران في إطار توأمة الولاء لهذين الفاعلين، ولأن رئيس الوزراء هو الذي سيكون في الواجهة لأداء هذا الدور، فقد ضغطت طهران على أذرعها لإفراغ هذا المنصب من كل دور، حتى بات ليس مهما بالنسبة لها من يأتي لتسنمه. المهم هو أن تكون هنالك سلطة موازية قادرة على تهديد أي رئيس وزراء. وقد حدث هذا بالفعل بقبول تنصيب رئيس الوزراء الحالي، على الرغم من كونه محسوبا على واشنطن أكثر منه لطهران، لأن هذه الاخيرة تعلم أن العبرة بالافعال لا بالاقوال. ويمكن ملاحظة أفعال الرجل على أرض الواقع كيف هي. فقد أعتقد أنه قادر على تنفيذ مطالب واشنطن، بالاستفادة من الظروف التي تمر بها إيران من تجفيف منابع التمويل، والوضع الاقتصادي والصحي المتهالكين، وغياب قاسم سليماني من المشهد السياسي والأمني، وبما يملك من أوراق قوة حازها من خلال عمله رئيسا للمخابرات. حمل كل هذه الأوراق وذهب ليداهم مقرا لكتائب حزب الله العراقي في بغداد، ويعتقل عددا من العناصر التي كانت فيه. وبعد بيان زخر بعبارات القوة والإصرار والإرادة التي لا تلين على محاربة الجماعات المسلحة، وأن عهد إخضاع كل السلاح لسيطرة الدولة قد بدأ، اقتحمت عناصر من هذه الميليشيا المنطقة الخضراء المحصنة، باقتلاع البوابة الرئيسية فيها ببلدوزر، أمام مرأى ومسمع القوات التي تحميها، فيما قامت مجاميع أخرى بمسيرة بعدد كبير من السيارات الحكومية في شوارع بغداد تهتف ضد، وتهدد رئيس الوزراء. ولم تمضِ سوى ساعات قليلة حتى تم الإفراج عن العناصر التي ألقي القبض عليها، بل الأكثر من ذلك وقف رئيس الوزراء شخصيا كواسطة خير وصلح بين الحشد الشعبي، وجهاز مكافحة الإرهاب الذي قام بالعملية، وهي سابقة لم تحصل في أي بلد آخر.
تسلط هذه الحادثة الضوء على من هو المأزوم الفعلي في المشهد العراقي الداخلي. كما تشير بوضوح إلى أن الميليشيات المسلحة هي التي تملك الدولة، وليس الدولة التي تعاني من ميليشيات مسلحة، فهي وبعد سبعة عشر عاما باتت أشبه بشركات كبيرة، تضم مؤسسات إعلامية ومصرفية، وأصبحت ظاهرة اقتصادية وسياسية. وأن كل الفعاليات الميليشياوية التي نراها، والتي تمارسها هذه المجاميع لها منفذ ميداني ومنفذ سياسي أيضا. والمنفذ السياسي هو مجموعة العوامل المتصارعة على الساحة، وهي التي جعلت منها سلطة فعلية على أرض الواقع، وليس رئيس الوزراء، أو رئيس الجمهورية، أو البرلمان أو القضاء، حتى باتت قادرة على صد أي تحرك حكومي ضدها، خاصة من قبل رئيس الوزراء الحالي المحسوب على الفاعل الامريكي. فطهران الحاضن الرسمي لهذه الجماعات، ربحت العراق كقمرة قيادة لها في منطقة الهلال الخصيب والخليج العربي بواسطة هذه الاذرع، لن تسمح أن تكون هنالك دولة حقيقية في العراق، وستبقى حريصة على أن تكون هذه الميليشيات هي المسيطرة على الوضع بشكل كامل، وهي القادرة على التأثير بالسياسة العراقية والإقليمية أيضا، فخطط طهران قائمة على خلق وسطاء وأذرع يعملون ضمن شبه دولة، وهذه الشبه دولة يجب أن تكون غير قوية وغير قادرة على استيعاب أذرعها، لكن ليست ضعيفة إلى درجة لا تعطي شرعية سيادية لهذه الأذرع، لذلك واهم جدا كل من يظن بأن رئيس الوزراء الحالي يريد تقويض الميليشيات، وأن وصوله إلى المنصب علامة على تضاؤل دورها، على اعتبار أنه تسنم المنصب، رغما عن اعتراضات كتائب حزب الله العراقي التي أعلنت معارضتها له.
إن اختبارات القيادة لا تكون بالتصريحات الرنانة، بل بالافعال على أرض الواقع. فلا الهجمات الصاروخية على المنطقة الخضراء والقواعد الأمريكية استطاع إيقافها، ولا سلاح الميليشيات وضعه تحت سيطرة الدولة، ولا الفاسدون وضعهم تحت طائلة القانون، ولا قتلة المتظاهرين كشف اللثام عنهم. في حين يمكن أن يكون هو الأكثر قدرة على الفعل من كل من سبقوه في هذا المنصب، لأنه كان رئيس المخابرات، ومن البديهي أن يكون على علم بكل الحلقات السائبة في الدولة العراقية، وكذلك كل الخارجين على القانون والمافيات والفاسدين والقتلة، لكن عدم حصول شيء من هذا القبيل يشير إلى أن الضعيف غير قادر على إعطاء حل والقوي متمسك تماما بعدم التنازل، في حين أن الحل على أرض الواقع يتطلب أفعالا وليس أقوالا. وفي ظل معادلة القوي الذي يستخدم كل الوسائل لإضعاف الضعيف، والضعيف الذي يستخدم الجعجعة الفارغة، كي يبين أنه قوي، يبقى العراق عالقا بين الطرفين، لأن الدينامية بين تركيبة النظام الدولي وتركيبة النظام الإقليمي تصر على جعله على ما هو عليه اليوم.
لقد بُني الجسم السياسي في العراق على الميليشيات منذ اللحظة الأولى لدخول القوات الأمريكية الغازية للبلاد، ومن يُعطي أمرا باستخدام الميليشيات للسيطرة على الأمور، ثم يذهب لإصدار قوانين تشرعن وجودها على مقاساتها، ويأتي غيره ليرتدي زيها لإثبات أنه منها ولها، وينحني لها حين تصول على سلطانه وهيبته، سيجد نفسه عبدا لهذه الميليشيات.

نشر المقال هنا

comments powered by Disqus
خدمة RSS LinkedIn يوتيوب جوجل + فيسبوك تويتر Instagram

عدد الزوار :129,084,032

تطبيق الموبايل

-->

آخر الزيارات

مساحة اعلانية

الأكثر قراءة

الأكتر مشاهدة

تابعنا على "فيس بوك"