إياكم أن تتوهموا

مصطفى كامل

في مخيلة البعض منا أوهام تنبغي محاربتها، وفضح مروّجيها عن قصد، ومحاصرة من يروّجها عن جهل وغباء.

ومن بين الأوهام التي يتعيّن علينا محاربتها تمرير الفكرة القائلة بأن ما يحدث الآن من خيانات واستسلام للعدو الصهيوني أمر جديد وحدث راهن فحسب، مرتبط بظروف معينة، حالية، يمرّ بها العرب وأنظمتهم، وكأن هذه المسيرة منقطعة الجذور عن كل ما سبقها ممن مسار طويل في درب الهوان والتنازلات الكريهة.
إياكم، أيها العرب، أن تتوهموا أن الخيانات بدأت اليوم، أو أنها وليدة ظروف الهزائم الراهنة.
الخيانات بدأت عندما أسموا العدو الصهيوني بالعدو الإسرائيلي.
وعندما استبدلوا تسمية الكيان الصهيوني بإسرائيل.
وعندما تحدثوا عن الأراضي المحتلة، أو أراضٍ محتلة، في عام 1967 وميّزوها عن تلك المحتلة في عام 1948، وكأن ما احتل عام 1948 حلال على شذّاذ الآفاق ممن جمعتهم العصابات الصهيونية من كل مكان وأرسلتهم لاحتلال أرض فلسطين.
بدأت الخيانات عندما تحدثوا عن قضية فلسطينية وليس عن احتلال صهيوني لأرض فلسطين العربية.
وعندما أشاعوا بيننا مصطلح (صراع فلسطيني/ إسرائيلي) مستبعدين مفهوم الصراع العربي/ الصهيوني، وهو صراع شامل لا يتعلق بفلسطين وحدها، وإن كانت في القلب منه.
خيانات النظام الرسمي العربي بدأت عندما تهاون حكام (عرب) مع خطوة أنور السادات في 1977 ولم يلتزموا بقرار مقاطعته كما رسمته قمة بغداد في العام 1978.
بدأت الخيانات عندما ناقشت جهات (عربية)، رسمية وشعبية، القرار الأممي ذي الرقم 242 ومشروع روجرز قبله، وبدأت التعامل مع سياسة (الخطوة خطوة) التي رسمها هنري كيسنجر في أعقاب حرب رمضان/ أكتوبر 1973 التي اتضح أنها كانت تحريكية لا تحريرية.
الخيانات بدأت يوم قرر حكام (عرب) عام 1974 اعتبار منظمة التحرير الفلسطينية الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني، وهو القرار الذي تصدى له، منفرداً، المناضل الشهم صدام حسين، الذي مثّل العراق في مؤتمر قمة الرباط حينها، بالقول "إننا نعترف بالمنظمة ممثلاً شرعياً على طريق تحرير كامل التراب الفلسطيني" مسقطاً شرعية تمثيلها إذا تخلّت عن هدف "تحرير كل فلسطين من البحر إلى النهر"، وهو الهدف الذي بقي العراق يهتف به ويدعو له ويعمل عليه، بجد وصدق، حتى احتلاله عام 2003.
الخيانات بدأت بالسماح لحافظ الأسد والعصابات المارونية بتصفية الوجود الفلسطيني المقاوم في لبنان بدءاً بمذبحة تل الزعتر في العام 1976 وليس انتهاءً بمخيمي صبرا وشاتيلا في 1982.
بدأت الخيانات منذ شرعت وسائل إعلام (عربية) بالتعامل مع زعماء عصابات العدو الصهيوني ومنح من يمثلهم منابر لتسميم عقول أبنائنا، بزعم حرية التعبير وفسح المجال للرأي والرأي الآخر.
الخيانات بدأت مذ حطّ خميني الشر في طهران عام 1979 ليبدأ مسيرة المزايدات الكريهة واحتكار فكرة المقاومة والتحرير بعصاباته وفيلق (قدسه) الغادر.
الخيانات بدأت مع مؤتمر مدريد ومسيرته، ومع مفاوضات أوسلو في الغرف المظلمة، ومع اتفاقية وادي عربة.
الخيانات بدأت عندما أطلق حكام (عرب) في قمة بيروت 2002 ما وصفوه (مبادرة عربية) لما يزعمون إنه (سلام الشجعان) وفق مبدأ (الأرض مقابل السلام) وهو في حقيقته استسلام الخونة والعاجزين وبيع فلسطين مقابل الأوهام، وهي (مبادرة) قبلها الجميع ورفضها العراق وحده، وأجره على الله.
الخيانات بدأت يوم أفرد حكام (عرب) العراق، وهو المقاوم الحقيقي والمتصدي الحقيقي، حتى بات خطاب قيادته الوطنية حينها خطاباً منفرداً معزولاً عن (الواقع) كما كانوا يقولون، وفي الحقيقة هو معزول عن مسيرة الخيانات المذلّة التي تلبس الاستسلام لبوس الواقع البائس.
الخيانات بدأت يوم هرول حكام (عرب) إلى أعداء الأمة يستجدون الإسراع في تدمير العراق والقضاء على صدام حسين كي يخلو لهم جو الخيانة ولا يعكّر عليهم (صفو) العار فعل شريف.
هذه هي علامات الذل التي منها بدأت مسيرة الخيانات، وكثير كثير غير هذا، فلا تقبلوا أيها العرب ما يشيعه بينكم هؤلاء المنبطحون الراضون بالهوان المستسلمون لأعدائهم من أوهام.
والله المستعان

comments powered by Disqus
خدمة RSS LinkedIn يوتيوب جوجل + فيسبوك تويتر Instagram

عدد الزوار :129,893,171

تطبيق الموبايل

-->

آخر الزيارات

مساحة اعلانية

الأكثر قراءة

الأكتر مشاهدة

تابعنا على "فيس بوك"