من هو كريم فرمان؟ وهل التقى خميني في باريس؟ وهل كان الرئيس صدام حسين يكلّفه بمهام خاصة فعلا؟

مصطفى كامل

تعقيباً على المقال الذي نشر في مواقع علامية عديدة مؤخراً بعنوان "مع الخميني وجه لوجه في باريس..ماذا ارسل لصدام؟" لكاتبه د.كريم فرمان، نقدم لكم المعلومات التي حصلنا عليها بخصوص المقال وكاتبه والحدث الذي يتناوله.

 

يتعلق المقال بلقاء جرى بين المسؤول الأمني العراقي الرفيع الأسبق، السيد علي رضا باوه، يرحمه الله، مع خميني في باريس، قبل أشهر قليلة من وصول الأخير إلى طهران في شباط/ فبراير 1979، ويحدد الكاتب موعد ذلك اللقاء بأنه جرى في تشرين الثاني/ نوفمبر 1978.

حيث أبلغ خميني السيد باوه بأنه "يستعد لمحاربة العراق وإسقاط حكم الرئيس صدام حسين وحزب البعث الكافر فور وصوله إلى طهران".

يحتوي المقال على جملة من الأخطاء الفادحة، سنتعرض لبعض منها، فليس مهمتنا حصرها بالكامل، لكننا سنشير إلى بعضها، وإلى بعض ما يتعلق بكاتبه وبالحدث الذي يتناوله.

يبدأ مقال فرمان بالعبارة "في مكتب الرئيس صدام حسين رحمه الله وفي ليلة من ليالي الشتاء في مطلع شهر نوفمبر من عام 1978 طلب مني السيد الرئيس استدعاء احد رفاقه الحزبيين القدامى لمقابلة عاجلة".

وهنا أول الأخطاء الفادحة المفضوحة التي يقع فيها الكاتب، فصدام حسين حينها لم يكن في هذا التاريخ رئيساً للعراق، وانما كان يشغل منصب نائب رئيس مجلس قيادة الثورة، فكيف يناديه الكاتب والسيد باوه بعبارة (سيدي الرئيس) وهو لم يكن رئيساً للجمهورية؟

ثم أن الشخص المقصود، السيد باوه، ليس شخصاً نكرة لتبحث عنه مديرية الأمن العام، وانما هو أحد المسؤولين الأمنيين الكبار في بداية عهد ثورة تموز 1968، ولسنوات تالية، وطرق الاتصال بشخصيات من هذا النوع لا تكون إلا وفق سياقات معينة معروفة للعراقيين.

وموضوع زيارات النائب صدام حسين، والرئيس لاحقاً، لأبناء شعبه في كل أنحاء العراق لا علاقة لها بموضوع خميني وتهديده بشن حرب على العراق، ولا لاستمالة شيعة العراق، كما يزعم الكاتب، بل هو سياق معتمد في الدولة العراقية، حيث كان الرئيس أحمد حسن البكر، يرحمه الله تعالى، يقوم به بشكل منتظم، وكان النائب صدام حسين يقوم به كذلك، وبعد تولي الأخير المنصب الأول في الحزب والدولة واصل القيام به بشكل دائم حتى غزو العراق عام 2003.

كما أن تطوير القوات المسلحة العراقية بدأ بعد تأميم النفط وحرب رمضان في تشرين الأول/ أكتوبر 1973 لغرض مواجهة العدو الصهيوني، وليس لغرض التهيؤ لحرب سيشنها خميني ضد العراق، كما يزعم كاتب المقال.

وتعالوا لنناقش جوانب أخرى في القضية..

بعد بحث دقيق مع عدد من الأشخاص، ومنهم مسؤولين كبار في ديوان الرئاسة وفي قيادة حزب البعث العربي الاشتراكي وفي جهاز المخابرات، قبل احتلال العراق، وأحد أفراد عائلة المرحوم علي رضا باوه، توصلنا إلى المعلومات الآتية:

أولا: المقال يعتمد بالكامل على معلومات حقيقية أدلى بها المرحوم باوه للصحفي مؤيد عبدالقادر في لقاء بينهما في دمشق بعد احتلال العراق، وتحديداً في العام 2009، ونشرت قبل سنوات في صحيفة السيد عبدالقادر المسماة (الصوت) كما نشرها على صفحته في موقع "فيسبوك" من قبل.

ثانياً: لا يوجد في مكتب النائب أي شخص بهذا الاسم، ولا بالمنصب الذي يدّعيه في لقاءات صحفية نشرتها وسائل إعلام خليجية، حيث يزعم أنه كان (مسؤول الاتصال الخارجي في مكتب صدام حسين، النائب والرئيس لاحقاً) حيث لا وجود لهذا المنصب إطلاقاً.

ثالثاً: الاتصالات الخارجية في الدولة العراقية تجري عبر السياقات المعمول بها رسمياً (وزارة الخارجية وجهاز المخابرات، أو مكاتب الحزب المعنية بالنسبة للاتصالات الحزبية الخارجية).

رابعاً: اتضح أن الكاتب، واسمه عبدالكريم فرمان، شخص كذاب يجمع المعلومات من المقالات والأحاديث الفيديوية المنشورة، ومن خلالها يرتّب لنفسه قصصاً مع الرؤساء، ويدعي، كاذباً، أنه كان قريباً جداً من الرئيس صدام حسين، وأن الرئيس كان يكلفه بمهام خاصة مع عدد من الرؤساء العرب والأجانب.

خامساً: ينتحل هذا الشخص، كريم فرمان، في بعض القضايا التي يتحدث عنها، في الإعلام وفي ندوات عامة وفي مجالس خاصة، وينسبها لنفسه زوراً، ينتحل صفة أحد ضباط جهاز المخابرات العراقي اللامعين، وكان متخصصاً في بعض القضايا الفنية، وقد أرسله الرئيس صدام حسين إلى الرئيس علي عبدالله صالح، يرحمه الله، بناء على طلب الأخير لإنجاز بعض القضايا الفنية في مكتبه.

سادساً: يقيم الكاتب حالياً في دولة الإمارات العربية المتحدة، ويعمل بصفة رئيس مجلس إدارة (مؤسسة المرأة العربية). كما أنه عضو في (المعهد العالمي للتجديد العربي) ومقره في العاصمة الإسبانية.

سابعاً: المعلومات الواردة في المقال المذكور بشأن تكليف الرئيس صدام حسين للكاتب غير صحيحة على الإطلاق.

ثامناً: حدثت قضية تكليف السيد باوه بمهمة التواصل مع خميني بعد تولي السيد صدام حسين المنصب الأول في دولة العراق في تموز 1979، وليس قبل ذلك.

تاسعاً: كلّف الرئيس صدام حسين وزير الداخلية حينها، السيد سعدون شاكر، يرحمه الله تعالى، بالاتصال بالسيد باوه لهذه المهمة، بحكم العلاقة الخاصة بين شاكر وباوه، بحكم عملهما في الجهاز الأمني لحزب البعث العربي الاشتراكي قبل تموز 1968، وبحكم عملهما في جهاز المخابرات بعد تأسيسه لاحقاً، ولكون المهمة ذات طابع غاية في السرية، وبالفعل فقد اتصل السيد شاكر بالسيد باوه شخصياً لهذا الغرض.

عاشراً: لم يحصل لقاء مباشر بين الرئيس والسيد باوه حينها.

حادي عشر: معلومات لقاء السيد باوه بخميني في باريس، وما أدلى به خميني عن عزمه إسقاط حكم الرئيس صدام حسين، صحيحة لأن مصدرها هو السيد باوه شخصياً، كما نوّهنا في أعلاه.

ثاني عشر: لم يكن برفقة المرحوم باوه في باريس أي شخص.، ولم يكن هناك تسجيل في ساعة يد، كما زعم الكاتب.

ثالث عشر: موضوع إعدام مصطفى ابن خميني من قبل شاه إيران، محمد رضا بهلوي، كما أورده الكاتب غير صحيح، لكون نجل خميني توفي في النجف وليس في طهران، وبالتالي فإن السيد باوه لم يجلب جثمانه من العاصمة الإيرانية لدفنه في النجف، كما زعم كاتب المقال.

رابع عشر: عاد السيد باوه إلى بغداد وقدّم تقريراً مفصلاً عن اللقاء إلى السيد سعدون شاكر، حسب السياق الأصولي باعتبار أن السيد شاكر هو من نقل له تكليف الرئيس بالمهمة.

خامس عشر: قام السيد شاكر بكتابة مذكرة إلى الرئيس عن الموضوع ضمّنها خلاصة تقرير السيد باوه عن لقائه بخميني.

سادس عشر: أعاد الرئيس مذكرة السيد سعدون شاكر، وطلب أن يقدّم له تقرير السيد باوه الأصلي كاملاً وليس خلاصة عنه، وهو ما حصل فعلا.

سابع عشر: أكرر القول إن معلومات ما دار في اللقاء مع خميني صحيحة، لأنها تستند إلى ما نشره الصحفي مؤيد عبدالقادر بحسب شهادة أدلى بها له المرحوم باوه شخصياً ومباشرة.

ثامن عشر: تالياً لما سبق ومن خلال مسعانا في البحث عن حقيقة الموضوع، وردت إلينا معلومات من مصادر أخرى حول القضية، وهي كما يأتي:

  • أكد لي الآن الشخص الذي حمل بريد السيد سعدون شاكر باليد إلى الرئيس صدام حسين، وهو أحد مرافقي الرئيس، صحة ما ورد في ملاحظاتي أعلاه.

  • كما أكد لي مسؤول عراقي رفيع صحة ما دار في اللقاء بين السيد باوه وخميني في باريس، موضحاً أن السيد سعدون شاكر أبلغه شخصياً بهذه التفاصيل.

وبذلك يتضح أن مقال الكاتب كريم فرمان ملفق بالكامل، وحديثه عن دوره في القضية لا أساس له من الصحة، ولكن مضمون ما دار في اللقاء بين السيد باوه وخميني صحيح.

إننا إذ ننشر هذه التفاصيل، فإننا نفعل خدمة للحقيقة وبياناً لها، وحتى لا يتطفل المتطفلون ويزور المزورون تاريخ العراق المعاصر، ويخلقوا لأنفسهم أدواراً غير حقيقية يتكسّبون منها ويروّجون الأكاذيب لأغراض شتى.


comments powered by Disqus
خدمة RSS LinkedIn يوتيوب جوجل + فيسبوك تويتر Instagram

عدد الزوار :129,891,903

تطبيق الموبايل

-->

آخر الزيارات

مساحة اعلانية

الأكثر قراءة

الأكتر مشاهدة

تابعنا على "فيس بوك"