العراق: حشد مُقدس وميليشيات معصومة ووطن مستباح

مثنى عبدالله

منذ عام 2003 وحتى اليوم، كانت ومازالت المعادلة السياسية في العراق قائمة على عدم وجود قداسة للوطن، ولا أولوية له، ولا حتى تعريف واضح لمعنى الوطن، في مناهج الأحزاب الحاكمة أيام المعارضة وبعد الاستيلاء على السلطة. 

وبعد الغزو توّضح أكثر عدم وجود معنى للوطن لدى هؤلاء، من خلال الممارسة السياسية، لذلك ساعة يقولون إنهم يؤمنون بالأممية الاسلامية، وأن لا حدود وطنية، كي يبرروا التدخلات الإيرانية في العراق وعمالتهم لها، وتارة يُشبّهون العراق بأنه مجموعة بقع طائفية وإثنية جرى لصقها ببعض، من دون وجود روابط اجتماعية وتاريخية.
وفي مقابل عقيدة عدم الإيمان بوجود وطن، أو في أقل تقدير ليس للوطن أولوية في برامجهم ومعتقداتهم، تتصدر الطائفة والمذهب والإثنية، الأولوية لديهم، وتصبح هي المسرح الذي يجب أن يقف عليه الجميع.
كما تُحشد خلف هذه المفاهيم كل الإمكانيات كي تصبح هي المقياس للولاء، وهي خط الشروع الواجب على الجميع الانطلاق من نقطته، وهي العدالة التي يجب أن يخضع لها المجتمع، وهي المستقبل الذي يجب أن يتحرك الجميع من أجل تعزيزه، بل جرى التثقيف على أن هذا هو الوضع الطبيعي وغيره استثناء، لماذا؟ لأنهم خسروا الوطنية عندما تعاونوا مع الغزاة على احتلال بلدهم، وأصبح من المستحيل ادعاؤهم الوطنية، لأنها سوف تدينهم، فبات همهم الوحيد هو تحويل هذه الهويات الفرعية إلى هويات ذات أبعاد سياسية. كما أن المشروعين الأمريكي والإيراني اللذين ارتبطوا بهما، كانا قائمين على خطة منح كل فريق يدعي تمثيل مجموعة من البشر صفة سياسية، وحصة في السلطات الثلاث، في حين لم يشهد تاريخ العراق من قبل أن أخذت الطائفة أو المذهب أو الإثنية وظيفة، بأن تكون جزءا من السياسة، وأن يتم الاعتراف بذلك رسميا.

ومع تقدم الحياة السياسية الطائفية والمذهبية والإثنية، ولأن هذه الواجهات التي تدّعي تمثيل هذه الهويات باتت فوق القوانين والأعراف، وفوق الدولة أيضا، ولأنها تغوّلت وانتقلت نشاطاتها من السياسة لتشمل كل مناحي الحياة، ولأن ممارساتها أصبحت مترافقة مع حالات الابتزاز والقتل والتغييب والاعتقال والترهيب، من دون وجه حق، فقد بات منحها صفة القداسة واجبا، والتبرك بها مُستحبّا، وإلباسها ثوب العصمة مطلوبا، لأن القداسة والعصمة عناصر إيجابية دينية في وعي العامة، غير قابلة للنفي، وليست دنيوية يمكن الطعن بها ونفيها حين يكتشف الناس أن الزعيم الطائفي قاتل أو سارق أو ناهب للمال العام أو ظالم. لذلك زار رئيس الوزراء مقر الحشد الشعبي في منتصف مايو الماضي، وارتدى الزي الرسمي للحشد، للتعبير عن إيمانه بقدسيته. وعندما اعتقل جهاز مكافحة الإرهاب 13 عنصرا من كتائب حزب الله العراقي في شهر يونيو الماضي، سارع لإطلاق سراحهم لأهم معصومون، وبذلك يتبوّأ هؤلاء منازل فوقية تعلو هامات الآخرين، مهما كانت منازل الآخرين الدنيوية مهمة، فتُجيّر لهم الصفقات والمشاريع والالتزامات، وتصبح السلطة تشبه عصابة تدير مصالحهم بالعدل الطائفي والقسطاس المذهبي والإثني، وحتى لو سقط اليقين الذي يعتصم به الناس بالنسبة لمفاهيم القداسة والعصمة التي يرتديها هؤلاء، وارتفعت أصوات المظلومين منددة بالظالمين والفاسدين المُقدّسين والمعصومين، فإن هؤلاء صفّحوا وحصّنوا أنفسهم على مدى سبعة عشر عاما، بجهد الدولة المادي والمعنوي، تحسبا لكل طارئ، وضد كل صوت يخرج عليهم مناديا بصفاتهم الحقيقية كقتلة وفاسدين وسارقين.
لذلك رأينا المشاهد المأساوية للشباب الذين خرجوا منددين بهم في شوارع وساحات بغداد والنجف والناصرية والبصرة، وبقية محافظات الوسط والجنوب، حيث واجهتهم الميليشيات المعصومة بالذخيرة الحية، وقنابل الغاز المسيل للدموع، التي حطمت جماجم الكثير من المتظاهرين الأبرياء. كما تم تغييب وخطف الآلاف وتعذيبهم وتهديد عوائلهم. ومع ذلك لم نجد حتى ولو إشارة رسمية إلى الجهة التي قامت بكل هذه الأفعال الإجرامية، على الرغم من أن الرصاص الذي انهال على المتظاهرين العُزّل خرج من مقرات معلومة للميليشيات المعصومة، وأن الخطف الذي تم كان من قبل مسلحين بسيارات حكومية، وهو مشهد يحاكي ما حصل على يد الحشد الشعبي المُقدّس في المدن التي تم طرد تنظيم الدولة منها، حيث كان سياق التعامل مع المواطنين ليس مختلفا عن طريقة التعامل مع المتظاهرين، الذي خرجوا في انتفاضة تشرين الأخيرة. وعلى الرغم من أن الفيديوهات التي تم تصويرها من قبل عناصر هذا التشكيل كانت دلائل واضحة على عمق الجرائم، والتي عززت دلالتها تقارير المنظمات الدولية التي كانت تعمل في هذه المدن، فإن رد الفعل الحكومي كان أيضا ضمن سياق أن المُقدّس لا يُمس، وأن المعصوم لا يُسأل، وأن دماء الأبرياء حتى لو تفجّرت أنهارا فإنها لا تساوي قطرة دم معصوم أو مُقدّس. فكان التبرير أن كل الذي حصل، سزاء في الموصل والأنبار وصلاح الدين وبغداد والنجف والناصرية والبصرة، أو أي بقعة اخرى، إنما هي تصرفات فردية لا تمت بصلة إلى الهياكل الحكومية التي ينتمي إليها من ارتكبوا الجرائم، وبذلك تم التعتيم على المجرمين.
إن الاستباحة التي تعرّض لها العراق، أرضا وشعبا ومياها وسماء، لا يمكن أن تكون بلا ثمن مُلزم أن يدفعه كل طاغ داخلي أو خارجي. صحيح أن من استباحوا وسهّلوا للاخرين الاستباحة، هم اليوم في السلطة وقوى تحمي السلطة، ويستطيعون أن يملأوا هذا الوطن بالخداع والوهم، لكن الحقيقة لاتزال هي العراق الذي يحدث فيه كل ذلك وهو الشاهد عليهم. يقينا هنالك كذبة دولية كبيرة منذ عام 2003 وحتى اليوم تسير على أرض الواقع، وهنالك ملايين من الاكاذيب الصغيرة تطفو على السطح كل يوم لتجميل هذه الكذبة الكبيرة ومحاولة تنظيفها، وقد أدرك البعض مبكرا مغزاها، وبعضهم تأخر في إدراكها، لكن من لم يدركها حتى اليوم لا يعني ذلك أنها مجرد هراء.
صحيح هنالك رغبة دولية وإقليمية في تجاهل الحقائق في العراق، لأن اللهب بات كبيرا في ساحات أخرى. مع ذلك فإن الحقائق ليست سريعة فقدان الصلاحية. كما أن السعي لإعادة إحياء الهوية الوطنية، بعيدا عن الأفكار الطائفية، مازالت جارية في ساحات بغداد والناصرية والبصرة، وغيرها من المدن الثائرة، هنالك مكسب يصب في مصلحة الفكرة المدنية المواطنية، يتشكل كل يوم في هذا الساحات. وهنالك إصرار على تحقيق إنسانية الإنسان في العراق وحقوقه فردا وجماعة. لقد ولّى زمن كانت فيه الميليشيات هي المتحكمة بالشارع، وهي التي تفرض إرادتها على الجميع. اليوم هنالك شباب ذوو مشروع للتغيير وليس للإصلاح، وهم يدركون جيدا بأن المستنقع الذي وقع فيه العراق لن ينفع معه التجفيف. ردم المستنقع هو الطريق الوحيد كي يتم إسدال الستارة على مشهد العملية السياسية القائمة. في كل التاريخ كان الرأسمال الرفضي يشكل مدماكا رئيسيا في أي عملية تغيير. وكان الشباب هم دائما حملة راية الرفض لذلك قادوا فصولا تاريخية ومارسوا أدورا بطولية. واليوم هدف الشباب العراقي هو بناء الدولة الوطنية الحديثة، لأنهم يدركون أنها الحاضنة الرئيسية لحقوق المواطنة. كما يدركون ألا وجود لمواطنة في دولة غير وطنية.

نشر المقال هنا

comments powered by Disqus
خدمة RSS LinkedIn يوتيوب جوجل + فيسبوك تويتر Instagram

عدد الزوار :130,481,708

تطبيق الموبايل

-->

آخر الزيارات

مساحة اعلانية

الأكثر قراءة

الأكتر مشاهدة

تابعنا على "فيس بوك"