جاذبية استخدام المظلومية في العراق

هيفاء زنكنة

أيام العراق كما هي. الاحتجاجات مستمرة للمطالبة بالحقوق. اختطاف الناشطين واكتظاظ المعتقلات مستمر. أيام العراق عادية للمواطن العادي. على مواقع التواصل الاجتماعي تبادل الاتهامات ما بين المثقفين مستمرة، اكثرها انتشارا هي الموجعة، الغاضبة، المشحونة بالشتائم، المنصبة على المقارنة بين ممارسات النظام العراقي السابق والحالي حول حقوق الانسان.

هل بإمكاننا المقارنة، بعيدا عن الالم الشخصي واستنادا الى ذاكرتنا التي عانت الكثير عبر العقود الكارثية المحملة بالحروب والحصار والاحتلال؟ ماذا عن مراجعة عدد من تقارير المنظمات الحقوقية الدولية لتمنحنا تخطيطا جافا، بلا عواطف، عن الموضوع؟
عند مراجعة تقارير منظمة العفو الدولية عن انتهاكات حقوق الانسان في العراق، في ثمانينات القرن الماضي، أثناء الحرب العراقية الإيرانية، سنلاحظ ان التعذيب و الاختفاء والاعدام، يطغى على التقارير. حيث تم تمريرها بذريعة المحافظة على «أمن الدولة» في فترة الحرب، واتهام الاحزاب المعارضة بالخيانة والإرهاب. وهي ذات الاحزاب المشاركة بالحكم حاليا. يوثق تقرير المنظمة لعام 1983، مثلا، اعتقال 38 «معارض رأي» و اعتقال اربعة من مساعدي آية الله الخوئي، واختفاء اربعة من اعضاء الحزب الشيوعي، واعتقال اعداد كبيرة منهم، بالإضافة الى اعضاء من حزب الدعوة الإسلامي المحظور، واطلاق النار على متظاهرين في مختلف المدن الكردية واعتقال عدد منهم. يؤكد التقرير ان الاعدامات تتم بعد اصدار احكام سريعة غير مستوفية للشروط القانونية. الا ان المنظمة رحبت بقرار مجلس قيادة الثورة الصادر في 16 تموز/ يوليو 1982 بالعفو «عن كل الاكراد المتهمين بحمل السلاح ضد الحكومة العراقية». كما صرح نائب رئيس الوزراء طارق عزيز، يوم 10 آب/ اغسطس، ان العفو يشمل كافة اعضاء الحزب الشيوعي. حول مدى صحة تنفيذ قرارات العفو، ذكرت المنظمة انها كتبت الى «الرئيس صدام حسين ملتمسة تفاصيل العفو، إلا انها لم تتلق اي جواب. كما لم يصدر أي تصريح رسمي حول أعداد المعتقلين الذين استفادوا من العفو».
من المفيد مراجعة سجل إيران، لذات الفترة، ايضا، لأن عددا من الاحزاب والميليشيات التي دخلت العراق بعد الاحتلال أسست في إيران، وكونها البلد الثاني المؤثر، بعد أمريكا، في البلد، منذ الاحتلال الانجلو أمريكي عام 2003، الى حد ترك بصمة كبيرة في تشكيل الهوية الفردية. يتبين عند المراجعة ان التعذيب والاختفاء والإعدام، يطغى على التقارير. حيث وثقت المنظمة، اعدام 624 شخصا، عام 1982 فقط، بينما بلغ العدد 4605 منذ الثورة عام 1979، حسب الارقام المعلن عنها رسميا. تم تمرير الانتهاكات والاعدامات بذريعة التخريب ومعاداة الثورة والقيام بمحاولة انقلاب. في كانون الثاني 1982، كتبت المنظمة الى رئيس الوزراء حسين موسوي بصدد عدد الاعدامات الكبير واصدارها في محاكمات سريعة جراء اعترافات مستخلصة نتيجة التعذيب، الا انها لم تتلق أي جواب. وطالت الاعتقالات سجناء الرأي، من بينهم اربعة محامين اعضاء في نقابة المحامين، استهدفتهم مع آخرين آلة الاعتقال، بعد اعلان آية الله خميني، في 23 اغسطس 1982، تطبيق الشريعة والغاء القوانين المدنية.

يقول هانز فون سبونيك، ممثل الامم المتحدة في العراق المستقيل بسبب الحصار الجائر «لم تبق أية مادة في ميثاق حقوق الانسان لم تنتهك في العراق منذ غزوه». ولنراجع تقرير منظمة العفو لعام 2019: «استخدمت قوات الأمن وفصائل من قوات «الحشد الشعبي» القوة المفرطة ضد المحتجين المشاركين في مظاهرات عمت أنحاء البلاد بدءا من أكتوبر/تشرين الاول، فقتلت أكثر من 500 منهم وأصابت آلافا آخرين، وتوفي الكثير نتيجة إصابتهم بالذخيرة الحية أو بعبوات من الغاز المسيل للدموع لم تشاهد من قبل. وتعرض النشطاء، وكذلك المحامون الذين يمثلون المحتجين، والمسعفون الذين يتولون علاج الجرحى، والصحافيون الذين يغطون الاحتجاجات للقبض، والاختفاء القسري، وغير ذلك من أشكال الترهيب على أيدي أجهزة الاستخبارات والأمن.. وظل آلاف الرجال والصبية مفقودين بعد اختفائهم قسريا على أيدي قوات الامن العراقية، بما في ذلك وحدات الحشد الشعبي». كل هذا، بدون القاء القبض على مرتكبي الانتهاكات والجرائم، بل وغالبا ما تتم مكافأة المسؤولين على الرغم من توفر الادلة والشهود. ترينا هذه المراجعة السريعة ان هناك ممارسات وانتهاكات تكاد تكون متماثلة في تطبيقها وتبريرها بين النظامين العراقي والإيراني، في الثمانينيات، الا انها تعمقت وانتشرت وتطورت بشكل كبير، وهنا المفارقة، على أيدى الساسة الذين طالما قدموا انفسهم كضحايا للنظام السابق. حيث اصبحت «المظلومية» ذريعة للتعاون مع الاحتلال اولا ولتكريس نظام المحاصصة والتمييز الطائفي والعرقي ثانيا. ما يجمع الساسة «الضحايا» بالإضافة الى الفساد، هو ارتكاب أو غض النظر عن الانتهاكات والتعذيب والاختفاء وتنفيذ احكام الاعدام، بشكل جماعي شبهته مفوضة الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان بـ«ذبح الحيوانات في المسلخ».
ومن استخدام المثقب وشوي الضحايا واغتصاب الرجال الى تصوير أشرطة فيديو التعذيب والانتهاكات الجنسية وتوزيعها. كل هذا بحجة «ليس الوقت ملائما» لانشغال الحكومة بمحاربة الإرهاب!،
ويعود سؤال «من هو الاسوأ» أو «الاحسن» من الحكام، ليتكرر وينتشر بتنويعات تبريرية، مبتذلة، تختزل حياة الإنسان الى رقم في قوائم تضم الآلاف. تُنسينا بديهية ان حماية الفرد هي مسؤولية الحكومة، خاصة، اذا كانت تدّعي الديمقراطية الانتخابية وتُزّين وجودها بحقوق الإنسان. وإلا من يتحمل، مثلا، مسؤولية عوائل آلاف القتلى والمغيبين تحت لافتة مكافحة الإرهاب، وملايين المهجرين، في عدة مدن، جراء قصف قوات التحالف الدولي «الستيني» والميليشيات الطائفية؟ ألن تكون هذه مبررا لمظلومية مستقبلية تبرر الافعال الانتقامية كما يفعل ضحايا تهجير تهمة «التبعية الإيرانية» من قبل النظام السابق واستغلالها سياسيا من قبل النظام الحالي؟
لا يمكن تقليل المسؤولية عن الحكومة حيث اثبتت السنوات الاخيرة، في حياة العراقيين، ان بامكان مُدّعي المظلومية ان يكون جلادا بينما يبقي الضحايا الحقيقيين مظلومين. وحين توفر الحكومة التمويل لصالح «التظلم» فانها تعمل على تقسيم الناس وإقناع الضحايا بأن المجتمع يقف ضدهم بلا هوادة، مما يقضي على امكانية التفكير بايجاد حلول حقيقية للمعاناة والقمع. وهو ما وصفه المفكر الإنساني البريطاني برتراند راسل، عام 1950، في مقالته المعنونة «الفضيلة الفائقة للمضطهدين» التي بيّن فيها «ميل الناس إلى تخيل أن أولئك المضطهدين يتمتعون بجودة اخلاقية فائقة».

نشر المقال هنا

comments powered by Disqus
خدمة RSS LinkedIn يوتيوب جوجل + فيسبوك تويتر Instagram

عدد الزوار :130,481,593

تطبيق الموبايل

-->

آخر الزيارات

مساحة اعلانية

الأكثر قراءة

الأكتر مشاهدة

تابعنا على "فيس بوك"