كيف عملت الميليشيات على استغلال "داعش" للسيطرة ‏على العراق لصالح إيران؟

في حزيران/يونيو 2014 استولى تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) على مدينة الموصل، مركز محافظة نينوى في شمال العراق، وبعد أربعة أيام فقط أصدر المرجع الشيعي علي السيستاني، فتوى تحث أتباعه على التطوع في القتال ضد المسلحين.


وتدفق عشرات الآلاف من الشبان، ومعظمهم من شبان الجنوب الشيعي الفقير وضواحي بغداد، على مراكز التجنيد ومعسكرات الجيش ومقار الميليشيات.

احتشد عدد من الشبان في قاعة محاضرات في أحد المباني القديمة بشرق بغداد، متحمسون للتطوع ضد داعش، بملابس ملونة وأكياس بلاستيكية وضعوا بها بعض الملابس، وكأنهم متجهين لرحلة نهاية الأسبوع. وبرز في المشهد حينها، البعض من الشبان يرتدون عصابات خضراء تحمل شعار "كتائب حزب الله"، التي شكلها الارهابي أبو مهدي المهندس عام 2006، وتتبع للحرس الثوري الإيراني.

وسرعان ما ظهرت مجموعات منظمة أخرى، حملت السلاح، وبات المشهد في شمال البلاد، فصائل تتبع لقيادات ومراجع مختلفة.

وبدعم من رئيس الحكومة آنذاك نوري المالكي، انطوت هذه الميليشيات تحت مسمى "الحشد الشعبي"، وباتت مؤسسة معترف بها على مستوى الدولة بتشريع قانون صوَّت عليه غالية أعضاء البرلمان في 26 تشرين الثاني/ نوفمبر عام 2016.


التجنيد الممنهج

وعن كيفية الانضمام إلى عناصر"الحشد الشعبي"، أشارت صحيفة "الغارديان" البريطانية إلى أنّه في البداية كان الباب مفتوحاً للشبان الشيعة المتطرفين مذهبياً، ولكن بعد ذلك بدأ قبول الجميع، بحسب قول أحد ضباط التجنيد عام 2014.

الضابط المسؤول عن التجنيد، شارك في تنظيم وحدة مقاتلين في مدينة حلب السورية ضد "داعش"، والذي قال، بحسب الصحيفة، حينها "لقد قاتلنا الأميركيين، ونقاتل داعش في سوريا".

وأضاف أنّ "خبرتنا ستجعلهم أقوياء (عناصر المليشيات)، سنقدم لهم أفضل تدريب يمكن"، لافتاً إلى إنضمام جنود من الجيش العراقي لهم لرغبتهم التخلص من الفساد، بحسب قوله.

كما انضم إلى المجندين الشباب مقاتلون شيعة مخضرمين مثل أبو هاشم الذي حارب ضد نظام الرئيس صدام حسين في الثمانينيات والتسعينيات، وذلك تحت قيادة المهندس، رئيس أركان الحشد ونائب رئيسه، الذي تواصل مع مقاتلين قدامى لمقابلته.

ونقلت الصحيفة عن أبو هاشم، ضابط مخابرات في "الحشد"، قوله "بعد سقوط الموصل، لم نذهب إلى الحرب بسبب فتوى السيستاني، بل بدعوة من المهندس الذي أراد مقاتلين أكبراً سناً للعمل معه"، كاشفاً "التقينا به في منزله  وأخبرنا أن (الدولة) العراقية سقطت، مردداً أنا الدولة الآن".


السيطرة الإيرانية 

وبعد وصول أبو هاشم ورفاقه مستعدين لحمل السلاح في صيف 2014، أمرهم المهندس بالتوجه إلى قاعدة التاجي العسكرية، شمال بغداد، لتشكيل قوة جديدة. كانت مهمتهم الأولى هي حماية الأضرحة الشيعية في سامراء ووقف تقدم مقاتلي داعش إلى بغداد.

وقال أبو هاشم "عندما وصلنا إلى القاعدة، وجدنا فوضى كاملة، ولكن عندما وصل المهندس أصبحت الأرض منظمة لأجله"، لافتاً إلى أنّه "سرعان ما بدأت الرحلات الجوية الإيرانية في نقل الأسلحة إلى المطار الذي افتتح حديثاً (آنذاك) في النجف".

وأكّد أنّه "بالأسلحة والسيارات والرجال جاء مستشارون إيرانيون، وانتشروا في أنحاء البلاد في بقعة جغرافية واسعة من ديالى شرقاً"، معتبراً أنّ "المهندس  تفاوض مع الفصائل والميليشيات وسيطر عليها".

ولفت إلى أنّه "عندما شكّلنا الحشد حاولنا تكرار تجربة الحرس الثوري الإيراني، لكننا فشلنا في شيء واحد وهو تعدد الفصائل، واختلاف مراجعها، الذي حاول المهندس ضبطها".


الخطر على (الدولة) العراقية

وبعد تراجع حدة المعارك مع "داعش" ودور ميليشيات الحشد بذلك، بدأت المظاهرات الشعبية التي نظمها ناشطون سئموا من قدرة الجماعات المسلحة في السيطرة على كافة جوانب الحياة العراقية، وجنيها لثروات من خلال وسائل فاسدة.

وقال محلل عراقي، طلب عدم الكشف عن هويته، في حديث للصحيفة البريطانية، إنّ "بعض الفصائل العسكرية تتلقى رواتبها من السلطة العراقية لكنها لا تتبع التسلسل العسكري للقائد العام للقوات العراقية".

واعتبر أنّهم "يتصرفون وفقًا لتحالفاتهم مع الحرس الثوري الإيراني، ويخدمون الاستراتيجية الإيرانية الأكبر في المنطقة، ومصالحهم التجارية الخاصة".

وشدد على أنّهم "يشكلون تهديداً للدولة العراقية من الداخل".


تفكك الحشد وتوريط الحكومة

في كانون الثاني/ يناير الماضي، قُتل  القائد العسكري الإيراني، قاسم سليماني وابو مهدي المهندس بضربة أميركية، في الوقت التي كانت الميليشيات خاضعة لقيادته، وتعمل بأمر من إيران.

وبعد تسعة أشهر من الضربة الجوية الأميركية، أصبحت الفصائل المختلفة أكثر انقساماً من أي وقت مضى، حتى بعدما شجّعتهم الضربة متخذين وفاته ذريعة جديدة للبقاء.

وقال مسؤول حكومي، لصحيفة "الغارديان"، إنّ "قتل سليماني عطّل انسياب عملية اتخاذ القرار لهذه الفصائل، وهي لا تتصرف وفق استراتيجية عامة".

وعلى اثر ذلك، كثفت الميليشيات الموالية لإيران عمليات قتل وخطف النشطاء، وبدأت بإطلاق الصواريخ على السفارة الأميركية في المنطقة الخضراء وعلى معسكرات عسكرية لها، واضعة الحكومة العراقية في مأزق دبلوماسي مع واشنطن التي لوحت بإغلاق سفارتها في بغداد.


مساعٍ حكومية (للسيطرة) على الميليشيات

في نيسان/أبريل الماضي، عُيِّن رئيس المخابرات السابق، مصطفى الكاظمي، رئيساً لمجلس الوزراء، بعد خمسة أشهر من الفراغ الحكومي، إثر استقالة رئيس الوزراء السابق، عادل عبد المهدي، بضغط شعبي نهاية تشرين الثاني/ نوفمبر 2019.

ويواجه الكاظمي تحديات عدّة الأصعب منها هي محاولة التفاوض على مسار جديد للبلاد، في ظل  تأثير طهران على السياسة والأمن في العراق  بوجود الجماعات المسلحة التابعة لها، والتي يصعب السيطرة عليها.

ويعتقد الكاظمي أنّ أي مواجهة مباشرة مع الفصائل أمر خطير وقد يكون له تداعيات سياسية وأمنية خطيرة، دون أن تكون النتيجة إيجابية مضمونة.

وفي حزيران/ يونيو الماضي، نفّذت قوة مكافحة الإرهاب مداهمة على خلية ميليشيا جنوب بغداد، واعتقلت مجموعة من عناصر الميليشيات العراقية واللبنانية متهمة إياهم بالتخطيط لإطلاق وابل من صواريخ الكاتيوشا على المنطقة الخضراء. 

وفي الليلة نفسها، تجمع المئات من عناصر الميليشيا ذاتها في الشوارع عرضاً للقوة، فيما تحرك آخرون على الأهداف الاستراتيجية في المنطقة الخضراء، ما أدى إلى إطلاق سراح المعتقلين.


مواجهة مؤجلة

وفي هذا السياق، نقلت الصحيفة عن ضابط كبير في الجيش العراقي قوله  "أعتقد أحياناً أن الحل الوحيد لهذه الأزمة، دولتين وجيشين، أولاً نغلق بغداد، ونوجّه إنذاراً لوحدات الحشد الشعبي إما للانضمام إلى القوات النظامية أو نحاربكم".

واعتبر أنّ "حمام الدم والحرب لأسبوعين أفضل من الاستمرار في تأجيل المواجهة".


المصدر

comments powered by Disqus
خدمة RSS LinkedIn يوتيوب جوجل + فيسبوك تويتر Instagram

عدد الزوار :130,468,097

تطبيق الموبايل

-->

آخر الزيارات

مساحة اعلانية

الأكثر قراءة

الأكتر مشاهدة

تابعنا على "فيس بوك"