هل منحت كلينتون السعودية صك البراءة من دم العراق فعلا؟ 5 مفاجآت صادمة

مصطفى كامل

منذ يومين تتحدث عشرات الحسابات في تويتر، ومعظمها وهمية، وكتاب وصحفيون، عن رفض السعودية لغزو العراق.

 


ويرفق أصحاب تلك الحسابات، والصحفيين والكتاب، مع تغريداتهم ومقالاتهم بضعة سطور مبهمة باللغة الإنجليزية، مؤكدين أنها رسالة من وزير الخارجية الأميركية الأسبق السيدة هيلاري كلينتون جاءت ضمن ما بات يعرف باسم "ايميلات هيلاري"، وهي مجموعة هائلة من الرسائل البريدية المتبادلة بين هيلاري كلينتون وطاقم وزارتها من ناحية، وجهات عديدة من ناحية أخرى.

وقد سألنا من يستطيع تزويدنا بالوثيقة كاملة أو رقمها فلم يتمكّن أحد من ذلك، لماذا؟!

قبل الإجابة عن السؤال دعونا نثبّت ملاحظتين أساسيتين:

الأولى: إن هذا المقال لا يهدف إلى تبرئة المسؤولين في المملكة العربية السعودية من الاشتراك في جريمة غزو العراق ولا إلى اتهامهم، لسبب سوف أتحدث لاحقاً، فالغرض الوحيد من هذا المقال هو فضح التزييف الحاصل في تناول قضية وثائق أو مراسلات كلينتون وسواها.

الثانية: إن ما سأثيره هنا لا يتعلق بالقضية مدار الحديث حصراً، بل هو يتعلق بكل ما يمكن أن نواجهه من إعلانات سياسية الأغراض حول الوثائق المسرّبة، وهنا أنصح القراء بعدم تصديق كل ما يقرأونه باللغة العربية عن ترجمات البريد الالكتروني لهيلاري كلينتون أو وثائق ويكليكس أو سواها، فكثير منها مُضلِّل مع حشوٍ وبهارات تضيفها بعض الجهات بخبث شديد مقصود معتمدين على عدم إجادة الكثير من العرب للغة الانجليزية أو استسهال معظم الناس وعدم التدقيق في النصوص، إضافة الى اجتزاء النص واقتطاعه على قاعدة (لا تقربوا الصلاة) وطبعاً عدم التفريق بين الرأي والتحليل وموقف أميركا الرسمي من الأحداث.

وقد ‏‎سبق أن رأينا من الأكاذيب العجب العجاب بخصوص كتاب مذكرات كلينتون، حيث كانت أكاذيب الإعلام العربي عن هذا الكتاب مما لا يخطر حتى على بال الشياطين، فيما قراءة النسخة الأصلية للكتاب، باللغة الإنجليزية، تكشف عن عدم وجود أي منها، وغير هذا كثير جداً تكرر مع آخرين.

نعود إلى السؤال لماذا لم يُقدّم أي من ناشري تلك الوثيقة المزعومة نصاً كاملاً لها، أو رقمها في أقل تقدير؟

ونجيب: ببساطة لأن أياً من ناشريها لم يطلع على أصل الوثيقة، وهو يردد ما يراه أمام عينه أو تسمعه أذناه، أو ما يُملى عليه، دون تمحيص، مع أن كل تلك الوثائق نشرت منذ سنوات على موقع ويكليكس الشهير، وكل الذي حصل الآن هو إعادة نشرها، فقط، على موقع وزارة الخارجية الأميركية، نقلاً عن ويكليكس، في إطار الصراع الانتخابي والسياسي المحتدم الدائر بين الجمهوريين والديمقراطيين في الولايات المتحدة.

بحثت عن الوثيقة بين ذلك العدد الهائل الذي يقدر بعشرات الآلاف من الرسائل فوجدتها وهنا كانت أكثر من مفاجأة!

المفاجأة الأولى: تقع هذه الرسالة المؤرخة في 12 شباط/ فبراير 2010 في خمس صفحات وهي مرسلة من مصدر يحمل العنوان البريدي sbwhoeop (والباقي محجوب) والذي اتضح انه يعود للصحفي الأميركي سيدني بلومنتال (Sidney Blumenthal) موجهة إلى العنوان البريدي التالي:

hrod17@clintonernail.com الذي يعود، كما يبدو، إلى الوزير هيلاري كلينتون، علماً أن بلومنتال له العديد من الرسائل الموجهة إلى بريد هيلاري كلينتون، قبل وبعد هذه الرسالة.

وهنا تكمن المفاجأة الأولى، فهذه السطور التي تنشرها تلك الحسابات ويتحدث عنها أولئك الكتاب والصحفيون لم تكتبها هيلاري كلينتون شخصياً، وإنما هي مقتطف من رسالة بريدية تلقتها من صحفي أميركي، وبالتالي فهي غير مسؤولة عن محتواها.

المفاجأة الثانية: في اليوم التالي، أي 13 شباط، وجّهت هيلاري كلينتون رداً مقتضباً من أربع كلمات:

Thanks on both counts.، أي شكراً على كلا الأمرين. ولا أعراف الأمرين وربما هي تشير إلى محادثة سابقة بين الصحفي والوزير.

بمعنى أن هيلاري اكتفت بشكر الصحفي ولم تعلّق على مضمون الصفحات الخمس التي وردتها منه، وهذا أمر لافت، فهي لم تكلّف نفسها عناء قراءتها أو فهم خلاصة عن مضمونها، وربما لم تجد فيها ما ينفع، وأياً يكن تفسير دافعها في هذا الرد بالغ الاقتضاب فالمهم أنها اكتفت بشكر المرسل وحسب.

المفاجأة الثالثةهذه الرسالة في حقيقة الأمر ليست أكثر من ملاحظات صحفية ينقلها الصحفي بلومنتال، إلى الوزير كلينتون، تتضمن رؤية شخصية بحتة وردت في أحدث خطاب علني، أدلى به في أحد المراكز البحثية كما يبدو، السفير الأميركي المتقاعد تشارلز فريمان (Charles W. Freeman Jr) الذي سبق أن عمل سفيراً لدى المملكة العربية السعودية قبيل اندلاع حرب الخليج عام 1991، وعاد بعدها إلى واشنطن للعمل في وزارة الدفاع إبان الولاية الأولى للرئيس بيل كلينتون.

بمعنى أنها ليست رؤية الصحفي ذاته، وهذا نجده واضحاً في الفقرة الأولى من رسالة بلومنتال إلى هيلاري. 

وهنا نشير إلى أن السفير فريمان معادٍ للوبي الصهيوني في الولايات المتحدة، وله آراء سلبية في ولي العهد السعودي الحالي محمد بن سلمان.

المفاجأة الرابعة: تستعرض الرسالة واقع المجتمع السعودي وتطوره ودور النفط في ذلك، وتتحدث عن القيم السائدة في المجتمع القبلي، وعن عدم وجود برلمان، وعن ارتفاع مستوى التعليم، وعن النمو العمراني، كما تعرض بعضاً من منحنيات صعود وهبوط العلاقات السعودية الأميركية، ... الخ.

بمعنى أنها رؤية عامة للسعودية ولا علاقة لها بغزو العراق عام 2003 لا من قريب ولا من بعيد.

المفاجأة الخامسة: في الفقرة الخامسة ما قبل الأخيرة، أي في الصفحة الأخيرة من الرسالة، تكمن المفاجأة الكبرى التي تطبّل لها تلك الحسابات، والتي قلنا إن معظمها وهمي، وبعضها ليس كذلك، ويتهافت عليها أولئك الصحفيون والكتاب، لنفي وجود أي دور للرياض في غزو بغداد واحتلالها، وكأنهم عثروا على القشة التي تنقذهم من الغرق، وهي في الحقيقة كلمة عابرة لا قيمة لها، بل تتعارض مع حقائق أخرى ليس مجال سردها اليوم.

كل القضية التي يقاتل من أجلها هؤلاء، هي العبارة التالية:

"في كانون الأول (ديسمبر) 2002، عندما كانت الولايات المتحدة تستعد لغزو العراق بالضد من نصيحة قوية لولي العهد آنذاك عبدالله، تخلت أرامكو السعودية (أكبر شركة نفط في العالم) بهدوء عن الدعم الذي دام عقوداً لتكلفة شحن النفط إلى سوق أميركا الشمالية. في غضون أشهر، حلّت الصين محل الولايات المتحدة كأكبر دولة في السوق الخارجية لنفط المملكة. ظلَّت الصادرات الأميركية ثابتة نسبياً مع ازدهار الاقتصاد السعودي، انخفضت حصّتنا في السوق بشكل كبير في أكبر أسواقنا في الشرق الأوسط. ومن المفارقات أن أفضل عنصر في العلاقة الأميركية السعودية الآن هو التعاون ضد الإرهابيين. هذه مهمة تعلم السعوديون بحكم الضرورة التفوق فيها. حيث تضمن السياسات الأميركية إمداداً لا نهاية له من الشباب المسلمين الغاضبين في المنطقة، بما في ذلك في المملكة العربية السعودية".

الفقرة، كما هو واضح، تتحدث عن توقف الدعم الذي كانت تمنحه الولايات المتحدة لشحنات أرامكو من النفط إلى الأسواق الأميركية، وعن حلول الصين بديلاً عن أميركا كأكبر مستورد للنفط السعودي، وتشير إلى أن الصادرات الأميركية إلى السعودية لم تتأثر بانخفاض شحنات النفط السعودية إلى أميركا بل ظلّت ثابتة نسبياً بسبب ازدهار الاقتصادر السعودي، وتختم بالاشارة السريعة إلى التعاون السعودي الأميركي في مجال محاربة (الإرهاب) وهي مهمة يتفوق فيها السعوديون، مع لفتة مهمة تفيد أن السياسات الأميركية الخاطئة هي من يولّد مشاعر الغضب المتواصل لدى الشباب المسلم، بما في ذلك بين شباب السعودية.

وبالتالي فلا براءة للسعودية من دم العراق، ولا حديث لكلينتون، ولا هم يحزنون، بل رؤية تقييمية لسفير أميركي متقاعد، منذ سنوات، أدلى بها لصحفي، وتبرع الصحفي، دون أن يكون ذلك بإيعاز من السفير المتقاعد، بإيصالها إلى السيدة كلينتون، حيث لا إشارة من الصحفي أو السفير إلى طلب إيصالها لهيلاري. 

وللدلالة على ما قلته لكم أضع بين أيدي قرائي رابط صورة رسالة الصحفي الأميركي سيدني بلومنتال، كما وردت في مراسلات وزارة الخارجية الأميركية، وبإمكان من يرغب الاطلاع عليها أو تحميلها والاحتفاظ بنسخة منها:

https://foia.state.gov/search/Results.aspx?searchText=(c05773930)%20AND%20(c05773930)&collection=Clinton_Email

 

وهنا رابط للتحميل إذا تعذّر فتح الرابط الأول: 

https://drive.google.com/file/d/1Zi1GeScbtgc8BEJA3I5FOZvel8eBmMgq/view?usp=sharing


أخيراً أقول لأصحاب تلك الحسابات، ولمن يتذرّع بهذه الرسالة، إن هذا السطر اليتيم البائس الذي تعتبرونه فتح الفتوح لا قيمة له في الحقيقة، فلو أردتم أدلة أفضل وأكثر رصانة على معارضة السعودية للحرب ضد العراق لوجدتم، ولو أردتم أدلة على عدم مشاركة السعودية في العدوان على العراق فستجدون، أما إذا أردتم ما يخالف ذلك، وبأدلة لا تستطيعون دحضها، فانتظروا القادم في وقت قريب.

والله الموفق والمستعان


comments powered by Disqus
خدمة RSS LinkedIn يوتيوب جوجل + فيسبوك تويتر Instagram

عدد الزوار :130,468,593

تطبيق الموبايل

-->

آخر الزيارات

مساحة اعلانية

الأكثر قراءة

الأكتر مشاهدة

تابعنا على "فيس بوك"