مع زحف حشرة "الأرضة" نحو #بغداد، محو "مكنزي: آخر معلم للجمال البغدادي!!

عبدالجبار العتابي

قطرات من الدمع انسابت من عينيّ وانا اشاهد المكان الذي كانت تقوم فيه (مكتبة مكنزي) وقد تحول الى فراغ، فيما بضعة عمال يعيدون ترتيب المكان ليكون محلا تجاريا عاديا!

 

وقفت امام (مكتبة مكنزي) في شارع الرشيد ببغداد، لكنني لم أرها!! فتشت عنها في الرواق وبين الاعمدة وفي المكان كله.. فلم اجدها، غابت عن المشهد تماما وأضحت سرابا.. لا يحسبه الظمآن ماء!

اغمضت عينيّ على الفور، باحثا عنها، فرأيتها مكتظة بالكتب والناس والجمال المتجسد على كل مساحة فيها. فتحت عينيّ.. رأيت فراغا هائلا تصفر فيه الحيرة ويقوم عليه الالم فيما الذكريات رأيتها تنزوي ثم تتداعى دخانا.

اغمضت عينيّ ثانية، رأيت العشرات من الشباب المتأنقين والشابات السافرات وهم يدخلون المكتبة من ابوابها البيض ورأيت اخرين غيرهم يخرجون وفي ايديهم كتب تحمل عناوين باللغة الانجليزية وهم يرسمون على وجوههم ابتسامات مختلفة.

عدت لأفتح عينيّ فرأيت كوما من ركام واكوام من رمل وحصى واسمنت ورجلا يعبّد الممر ببلاطات من (الكاشي) ولا اثر لأي اسم ولا أية لافتة ولا لشكل او لون المكتبة، هناك جلست على الرصيف المقابل لها ورحت فيما يشبه الغيبوبة!!، وعندما انتبهت وجدت شابا يقف بالقرب مني فسألته: اين صارت مكتبة مكنزي؟ فأجابني مستغربا: مكتبة؟ لم تعد هنالك مكتبة حين لم يعد هناك من يقرأ!

المعنى: ان مكتبة مكنزي الشهيرة التي تقع في منطقة رأس القريّة بشارع الرشيد وتحت بناية (بيت لنج) ذات العمارة البغدادية المميزة والجميلة.. اندثرت تماما وغابت عن المشهد الثقافي والاجتماعي والعلمي في العراق وانهار تاريخها الذي يمتد الى نحو 100 عام بكامله ومحيت من الوجود تماما، وبذلك يكون اخر الجمال البغدادي قد انتهى، اخر ما يمكن ان يتمسك به المثقف البغدادي للتعبير عن اصالة نفسه وقوة ارادته وعشقه للكتب ووفائه للمكان الذي يمثل جزء من كينونته وحياته والسيرة الذاتية للمدينة التي هو ابنها.

انظر الى وجه صاحبها ومؤسسها كينيث مكنزي (1880 - 1928) الذي ينتمي لعائلة فلاحية أسكتلندية، الكتبي او عاشق الكتب الذي اكتسب في لندن خبرة في سوق الكتب اهلته الى افتتاح مكتبة صغيرة الا ان الحرب العالمية الاولى اوقفت طموحاته، فوجد نفسه جنديا يتعرض لاصابة لم يشف منها الا بعد انتهاء الحرب، فعاد يبحث عن عمل فسنحت له الفرصة فيما بعد للمجيء الى بغداد (للإطلاع ميدانياً على حاجة المدارس والمؤسسات التعليمية للكتب والمصادر بعد مشاهدته سوق الكتب في بغداد وتبيان الحاجة الى مكتبة شاملة للكتب الأجنبية).

واشتغل الرجل على هذا الاساس ليسدي للعراقيين خدماته فانبهروا به وتباهوا بمكتبته التي قدمت لهم الكتب الاجنبية وصارت قبلة اهل العلم والثقافة والادب، اذ لا يمكن لطالب علم او محب للقراءة ان لا يجعلها راكزة في ذهنه ويخطو اليها مبتهجا بها وبنفسه، فكانت علامة بغدادية مضيئة مثل ضوء فنار ازاء بحر معتم، وعلى حد قول الروائية العراقية ميسلون هادي (والذين ينبهرون بمكتبات العالم التي تحوي على أحدث الكتب قد لا يعلمون أن مكتبة (مكنزي) في شارع الرشيد كانت توفر للقراء الكتب الاجنبية من كل حدب وصوب)، وقد كانت المكتبة (تتعاطى بيع الكتب الاجنبية وتوفر لطلاب الكليات العلمية احتياجاتهم، كل حسب اختصاصه، الى جانب اخر ما تطرحه مؤسسات النشر الانجليزية من كتب الادب العالمي كما تقوم بخدمات الاشتراك في الجرائد والمجلات الغربية ليتم ايصالها في مواعيدها الى دور المشتركين في بغداد وخارجها)، اية رفاهية هذه التي تقدمها المكتبة لقرائها واي احترام؟!

كينيث مكنزي .. مات في مساء يوم السبت 21 من شهر كانون الثاني سنة 1928،  وقد سقط مغمياً عليه بعدما أصيب بالجلطة وهو يعمل في المكتبة ، تم نقله الى المستشفى لكنه فارق الحياة بعد ساعتين من الغيبوبة التي لم يفق منها.

بغداد (تلك).. الذي تعرفه جيدا، وربما عدته واحدا من ابنائها، واعترافا بفضله.. شيعت جنازته بحضور كبير من العراقيين والبريطانيين، ودفن في المقبرة البريطانية في الباب الشرقي. (تلك) بغداد القديمة هي التي عرفت فضله لثماني سنوات فكان منها هذا التقدير له.

لكن المكتبة تواصلت في نهجها وقد إستلم مهمة ادارتها دونالد مكنزي، شقيق زوجته،  فاستمرت في رسم خطوط نجاحها البيانية المتصاعدة، حتى وفاته عام ١٩٤٦، بعد ذلك إنتقلت ملكية المكتبة الى عراقي (يقال) انه كان يشتغل في المكتبة وبقي يدير المكتبة حتى وفاته.

يقول جبرا ابراهيم جبرا في كتاب سيرته الذاتية (شارع الاميرات) "في يوم من تلك الأيام الأولى من استقراري في الكلية، كنت في مكتبة مكنزي أستطلع آخر ما وصل إلى بغداد من كتب انجليزية وأتحدث إلى صاحبها كريم وهو عراقي شديد اللطف ورث تلك المكتبة عن أصحابها الانجليز، لأنه كان يعمل معهم في إدارتها منذ أيام تأسيسها قبل الحرب العالمية الثانية وغدت له خبرة بما يستجد في عالم الكتب الأجنبية، مضيفاً إلى ذلك تعامله مع بعض الكتب العربية التراثية منها والعراقية الحديثة. وقد أضحت مكتبته هذه، في شارع الرشيد الشارع الأهم في بغداد يومئذ، ملتقى للمثقفين من عراقيين وأجانب، كلهم على صلة شخصية بصاحبها الذي يتابع اهتماماتهم الفكرية، ويحاول بعناية تلبية ما يطلبون من كتب... وبقيت المكتبة معلماً من معالم المدينة". نعم .. يقول ان (المكتبة بقيت معلما من معالم المدينة)، دعني اضحك ذلك الضحك المسمى ضحك كالبكاء من فضلك سيدي جبرا ابراهيم جبرا، لكنني سأبلغك انها لم تعد معلما، لقد محيت تماما، لكنني استحي ان ابلغك بهذا، فالدمعة مختبئة تحت الجفن وبعد لحظات ستنفجر!!

مكنزي .. ايها الرجل العاشق للكتب الذي جعل من بذرة هذه المكتبة شجرة وارفة الظلال، لقد اقتلعت شجرتك بعد ان يبس قلبها فقطعت اغصانها وحرقت اوراقها ودرست ارضها ليتحول ذلك المكان الذي يحتضن الكتب الى مجرد محل لبضائع يضيع مع المحال التجارية وما اكثرها في بغداد الان حيث كل شيء يركض نحو الزائف والكسب السريع.

كان من المفروض ان تستعد بغداد (الجديدة) من الان للاحتفال بمرور 100 عام على انشاء مكتبة مكنزي التي ستصادف عام 2020، ان تبهر العالم باحترامها للكتاب وللمكتبة ولاسرة مكنزي الاسكتلندية وان تقيم الدنيا ولا تقعدها معلنة عن الكثير من اشيائها التي يحاول الاخرون تناسيها او غض النظر عنها، وان تحتفظ بمبنى المكتبة وتجعله معلما تراثيا وحضاريا يمر منه المارون فيستوقفهم جماله فيعرفون انها مكتبة وان هناك قراء!!

لكن يا سيديّ المكنزيين (كينيث و دونالد).. بغداد الان ليس بغداد التي عشتما فيها، لذلك اندرس مكتبتكما ولم يبق منها شيء!!

 

المصدر

comments powered by Disqus
خدمة RSS LinkedIn يوتيوب جوجل + فيسبوك تويتر Instagram

عدد الزوار :104,812,697

تطبيق الموبايل

-->

آخر الزيارات

مساحة اعلانية

الأكثر قراءة

الأكتر مشاهدة

تابعنا على "فيس بوك"