شهية #إيران تزداد شراهة، وكل يوم تصطاد شباكها فريسة جديدة

غسان العسافي

إنه حديث الساعة، ولا أظن أن هذا الموضوع يغيب اليوم عن أي إجتماع أمني أو سياسي أو مخابراتي في بلادنا العربية، ماذا يحصل، وماذا تريد إيران، وإلى أين تريد أن تصل في إحتلالها وفي تجاوزاتها لحرمة بلادنا العربية و الإسلامية؟

 

بعد أن كانت بلادنا العربية مبتلية بوجود (إسرائيل) ونشاطاتها التوسعية والإستيطانية، وأعمالها التخريبية والإرهابية تجاه إخوتنا في فلسطين وعدد من البلاد العربية، كما يبدو فأن (إسرائيل) قد إنسحبت من الصورة أو الواجهة الأمامية لتتولى إيران مهام الإرهاب والتخريب والتدمير والتهجير والإحتلال والإستيطان والنشاطات التوسعية..

وإن كنا نعرف شعارات حدود الدولة الصهيونية اليهودية كونها تمتد من النيل للفرات، فإن حدود الدولة الفارسية المجوسية كما يبدو لا حدود واضحة ومعروفة لها، على الأقل لحد يومنا هذا، فهي وضعت العراق في جيبها، وسوريا على الأبواب، ولبنان كذلك، وتحارب في اليمن ، ولها نشاطات تخريبية في الداخل السعودي وفي الكويت والبحرين، وعيونها على مصر وعدد من الدول الأفريقية والإسلامية ..

وكما يبدو فإن شهيتها لا يحدها حدود، وشراهتها تتمدد وتتوسع يوما بعد آخر، خاصة وأن الأحوال في عالمنا العربي والإسلامي لا تسر عدواً ولا حبيبا، والضعف يمتد ويتمدد في كافة أطرافه ونواحيه، بالمقابل فالوضع الدولي العام في المنطقة، كما يبدو يميل إلى تقوية إيران وتمكينها من تحقيق إنجازات على الأرض تساعدها في فرض إرادتها وقراراتها، وتقوية نفوذها الديني والمذهبي والسياسي والطائفي..

ويكفينا إثباتا وتأكيدا لما أوردناه، أن نرى الجنرال الإيراني قاسم سليماني يتبختر ويتجول بكل راحة وجرأة وجبروت وهيمنة في جبهات القتال، في الموصل وحلب، وقبلها في الرمادي والفلوجة كما أظن، وعدد آخر من المدن العراقية والجبهات، ولسان حاله يقول إنه القائد الفعلي لتلك الجيوش، ولتلك العمليات، ولتلك الميليشيات، ولتلك الفعاليات، خاصة وأن النتيجة النهائية لها ستصب في صالح إيران ودعم وجودها على الأرض في هذه الدول والمدن ..

تواجد سيلماني هذا لم يعد خافيا ولم يعد سرا، فبعد أن كانت السلطة العراقية تحاول مثلا أن تستتر وتخفي وتناور في عرض ومناقشة هذا الموضوع، وتدعي أنه كان في زيارة، ومرة أخرى أنه يعمل بصفة مستشار، فهو الآن بات علنا وجهارا يظهر في الصورة هنا وهناك دون أن يكلف أحدا نفسه التفنيد والشرح والتوضيح، إن كان هذا تدخلا إيرانيا فاضحا، وتجاوزا لسيادة تلك الدول ..

بل أن الأمر وصل أن يكلف رسميا أو يتولى رسميا بالأحرى، لأن التكليف يأتي من سلطة أعلى، وأعتقد أنه الآن يمارس السلطة الأعلى في العراق بشكل خاص، حيث يقال أنه يتولى الآن قيادة العمليات العسكرية في بعض أجزاء منطقة الموصل، وينسق ويوجه ويأمر الجيش والحشد والميليشيات، في حين بات معروفا الآن جيدا دور إيران وحزب الله والحشد وعدد من الميليشيات العراقية الطائفية الأخرى في معارك حلب الأخيرة، أو ما يسمى بتحريرها ..

ما يؤيد ويثبت صحة قلقي وحيرتي، عناوين الأخبار والمواضيع  والتصريحات الرسمية المنشورة خلال الفترة الماضية، مثلا أحدها يتساءل: هل مات ضمير العرب؟، في حوار ونقاش عن الضعف العام في الموقف العربي والقيادة العربية .. في موضوع آخر نجد عنوانا: كيف نجحت إيران في حشدها المذهبي وفشلت الدول السنية؟، في خبر نشرته إحدى الوكالات، مجلس التعاون لدول الخليج العربية يستنكر تصريحات بعض المسؤولين الإيرانيين، والتي هددت دول الخليج بالويل والثبور .. وفي خبر آخر، نقرأ أن وزير الخارجية الإماراتي صرح بأن سياسات إيران التوسعية وتدخلها الدائم له الدور الأكبر بعدم الإستقرار في المنطقة .. وخبر آخر ، أن إستمرار التدخل الإيراني في شؤون المنطقة سيكون كارثيا على الجميع .. وخبر آخر، أن رئيس البرلمان العربي يدين تصريحات إيران العدوانية تجاه مملكة البحرين واليمن ..

وهكذا، أظن إن موضوع إيران بات كابوسا مزعجا يـؤرق منام جميع العرب، في ليلهم ونهارهم، فبعد تجربة العراق وحربه الطويلة مع إيران والتي خرج بها منتصرا، ما عزز موقف الدول العربية كافة في مواجهة المد الإيراني والثورة الإيرانية الفتية في حينها وزعيمها خميني، يأتي إحتلال العراق عام ٢٠٠٣ ومن ثم إعدام رئيسه صدام حسين يرحمه الله ليترك ثغرة كبيرة في جدار الأمن والأمان العربي والخليجي بشكل خاص .. 

وهذا يظهر واضحا في التردي والتردد الكبير في مواقف الدول العربية والخليجية، وحيرتها في كيفية مواجهة المد والتحدي والخطر الفارسي، وكما يبدو أن  إتفاقا ما أبرم ما بين الأميركان وإيران، ربما يكون الإتفاق النووي المعروف جزء منه، إنتهت الأمور بموجبه ليكون العراق اليوم ولاية إيرانية، يـأتمر بـأمرها، لا سيادة ولا أمن ولا أمان له ولشعبه إلا ما تتكرم به الإرادة والهيمنة الإيرانية!

وكما يبدو أن إتفاقا مشابها ربما أعد بين إيران وروسيا هذه المرة بشأن سوريا، وربما تؤول الأمور لاحقا لتكون سوريا ولاية عربية ثانية تحت الولاية والإدارة الإيرانية كالعراق، وهذا ما لا نتمناه، لكن كثيراً من المؤشرات تدعم رأينا، فإيران أصبحت لها كلمتها فيما يتعلق بالأوضاع في حلب، ولها ولميليشياتها وجيشها صولات وجولات هنا وهناك، وفرضت إيران نفسها لتكون طرفا مهما له كلمته في أية مفاوضات دولية تخص سوريا، ولو قارنا جدلا ونظريا بين موقفي تركيا وإيران، دوليا ومحليا، فيما يتعلق بقضيتي العراق وسوريا، لعرفنا فعلا قوة الموقف الإيراني وتداخله وتعقد مساراته ، وتعقد علاقاته وإرتباطاته بعدد من المواضيع في المنطقة ..

يشير الأكاديمي الأردني المتخصص في الشأن الإيراني الدكتور نبيل العتوم، في مقابلة معه، إلى أن إيران تمتلك مشروعا توسعيا عقائديا محوريا، تسعى لتطبيقه وفرضه على المنطقة، وتعتزم من خلال ذلك المشروع بسط نفوذها وهيمنتها، ويضيف أن إيران تتوسل في فرض مشروعها عبر أذرعها في المنطقة، كالحوثيين في اليمن، وحزب الله في لبنان، والشيعة في العراق، والعلويين في سوريا، إضافة إلى سيطرة أقليات شيعية على مفاصل إقتصادية مهمة في المنطقة، وأكد العتوم أن إيران تتطلع لإحياء أمجادها الإمبراطورية السابقة، لتتمكن من خلالها بسط نفوذها، متوسلة في ذلك بالمذهبية الشيعية، لغايات التجييش الطائفي المذهبي.

كما يرجع الدكتور العتوم نجاح إيران في مسعاها إلى ضعف الموقف العربي الرسمي، وسوء تقدير الأنظمة العربية لقوة إيران وقدرتها، منتقدا في الوقت نفسه سلوك أنظمة عربية رسمية في معاداتها لحركات وإتجاهات إسلامية معتدلة كان يمكن أن تكون أدوات فعالة ضمن إستراتيجية شاملة لمواجهة مشاريع إيران التوسعية، ودعا الأنظمة العربية الرسمية إلى التنبه جيدا للأخطار الإيرانية المحدقة بالمنطقة كلها، والتي لا يمكن مواجهتها والتصدي لها إلا بتحالف الأنظمة العربية السنية مع الحركات والجماعات الإسلامية التي تمتلك عمقا شعبيا يمكنها من لعب دور محوري في هذا المجال ..

وهنا لابد من التأكيد على ضرورة معالجة التشرذم في المعسكر العربي الإسلامي في مواجهة المعسكر والمشروع الإيراني الفارسي، ولا بد من وقفة نتأمل بها حجم الصدع والتشرذم هذا، والتاريخ يعطينا نماذج كثيرة لخلافات بين الدول العربية والإسلامية بعضها مع البعض الآخر، وبينهم وبين المنظمات والجمعيات والحركات الإسلامية حولها، وما نعتقده أن هذا هو واحد من أهم أسباب الضعف في الموقف العربي الإسلامي، ولدينا نموذج حي وقريب هو المواجهة مع حركة الاخوان المسلمين وتحجيمها ومحاربة أعضائها في مصر وعدد من دول الخليج، وكذلك الحال بجماعات ومنظمات إسلامية أخرى، وأعتقد أن على هذه الدول أن ترى حقيقة الخطر ومن هو العدو الحقيقي لها، بدلا من إنشغالها في معارك وخلافات فرعية ثانوية ..

في نفس السياق، أكد الكاتب السعودي سلطان الجميري، أن إيران صاحبة مشروع عقائدي توسعي، تعمل عليه وتضحي من أجله، وتدفع الغالي والنفيس لتحقيقه، ولا تتردد ولا تخاف من المغامرات التي ترى فيها إحتمالية تحقيق أهدافها، في المقابل فأن مواجهة الدول الإسلامية للمشروع الإيراني الفارسي يتطلب شجاعة ذاتية، مع عدم الإتكاء على الدول الكبرى أو الركون إلى تنفيذ رغباتهم وسياساتهم في المنطقة، بالمقابل تمتلك إيران قدرا كبيرا من إستقلالية سياساتها وقراراتها، وهي في تعاونها مع الدول الكبرى لا تسلم لها رقبتها، بعكس الدول العربية، التي تظهر كمستعمرات صغيرة لا يمكنها تنفيذ قراراتها حتى على مستوى أمنها القومي دون مشاورة أميركا.

وينبه الجميري أن الدول العربية لا يمكنها مواجهة مشاريع إيران التوسعية وهي في وضعها الحالي، وستظل تتساقط الواحدة بعد الأخرى، لأنها لا تمتلك مشروعا واضحا موحدا صلبا، ولا تمتلك رؤية، وكثير منها تحمل أجندات مختلفة عن الدول العربية الأخرى، ووصل الحال بالبعض إستعداده التعاون والتعامل مع إيران ذاتها لتحقيق بعض المآرب والمصالح الآنية، رغم معرفتهم أن إيران تترصد بهم، وتنتظر سقوطهم وإصطيادهم!

وفي مقالة مهمة أخرى للكاتب مارتن جيلوف نشرت في صحيفة نيوزيلاند هيرالد قبل أيام، يشير الكاتب أن إيران تحاول أن تمد وتمدد قوتها وسيطرتها إلى داخل مدينة حلب بعد سقوطها وإندحار الجماعات والميليشيات السورية المعارضة، وخروجهم من المدينة حسب الإتفاق الدولي، حيث يشير أن روسيا وتركيا إتفقتا ورعتا مخطط وعملية إخراج اللاجئين والمحاصرين في المدينة، في حين تعمل إيران على عرقلة هذه العملية في محاولة منها على فرض هيمنتها وسيطرتها على الأرض، ودعم القوات والميليشيات العاملة تحت ادارتها وسيطرتها، وفي محاولة منها للنيل ممن تعتقد أنهم من الثوار والجماعات المناهضة لحكم الأسد والذين سيتم إجلاءهم من حلب تباعا، والواقع أن ضغوط إيران ومحاولاتها تجد لها آذانا صاغية سواء في روسيا أو أميركا أو الأمم المتحدة، مما يؤشر ويؤكد أن إيران تعمل فعلا على الحصول على أدوار قيادية وهيمنة وسيطرة على الأرض سواء في حلب أو سوريا بشكل عام خلال الفترة القادمة!

كما يبدو أن إيران لا تريد أن تضيع الفرصة هذه، وهي تشعر أن لها الحق في الحصول على ما تريده في الحاضر والمستقبل السوري، بإعتبار أن الفضل يعود لإيران أولا في إنقلاب كفة الأمور والموازين لصالح نظام بشار الأسد خلال النزاع الطويل الذي يمتد لأكثر من خمس سنوات، حيث أن النظام كان متوقعا سقوطه بسهولة منذ الأيام الأول للثورة لولا وقوف إيران وروسيا والعراق وحزب الله و عدد من الميليشيات الشيعية العراقية وحتى مصر مؤخرا إلى جانب النظام السوري، وتردد وتشرذم القوى الداعمة للثوار، مما أوصلنا اليوم إلى هذه النتيجة.

وحسب التقارير والدراسات، فأن لحلب الآن منزلة مهمة لدى إيران في محاولتها وخططها للحصول على موطئ قدم على البحر المتوسط، وربما تكون حلب نقطة إنطلاق وربط بين مناطق ومجالات مختلفة لتحقيق المصالح والسيطرة الإيرانية، مع الأخذ بنظر الإعتبار أن المعارك التي تدور الآن في الموصل، وفي حالة سقوط المدينة وهيمنة إيران وأتباعها عليها، ستتمتع بموقع جغرافي سياسي لا يضاهى، خاصة وأن حلب والموصل تعتبران من أهم مدن السنة العرب، وهما متقابلتان جغرافيا مابين العراق وسوريا، ويعتبران مركزان مهمان تجاريا وصناعيا وحضاريا وإسلاميا، وأعتقد أن إيران ستحقق العديد من المكاسب من خلال سيطرتها على المدينتين، كما يعتبر ذلك ضربة كبيرة وموجعة للعرب والمسلمين في المنطقة ..

ومما يؤشر على أن تطورات الأمور في سوريا ولبنان والعراق ربما لا زالت في بداياتها، صرح مسؤول لبناني أن إيران لا ترغب في وجود أي سني وأي نشاط و موطئ قدم سني في المنطقة المحصورة ما بين دمشق و لبنان، وهذا يؤكد أن هناك تغييرات ديموغرافية أساسها الدين والمذهب ستعمل إيران على فرضها في هذه المنطقة، وهي تنفذ كما يبدو وفقا لبرنامج وخطط موضوعة يتابع تنفيذها شيئا فشيئا ..

حسب التقارير المعلنة، هناك ما يقارب من  ٣٠٠  عائلة شيعية تم جلبها من العراق لتسكن في منطقة درعيا، إحدى أحياء دمشق، بعد أن تم إجلاء وإجبار المعارضة الإسلامية السنية على مغادرتها متجهة إلى منطقة أدلب قبل عدة أشهر، كما تشير تقارير أخرى إلى أن إيران تعمل على شراء العديد من الأراضي والأبنية في مناطق قرب مقام السيدة زينب والمناطق الممتدة منها إلى الزبداني، وترعى عملية نقل عدد من العوائل الشيعية ليقيموا في هذه المنطقة، هذا كله يتم بالتنسيق مع حزب الله الذي لديه قوة واضحة على الأرض في العديد من المناطق هناك ..

ما يمكن الوصول إليه وإستنتاجه، أن الأمور خطرة وحرجة جدا، و تسير من سئ إلى الأسوأ، وأن الهيمنة والسيطرة الإيرانية تسير وتنفذ وفق برامج ومخططات، بمساعدة ودعم وغطاء دولي، بالمقابل لا نرى أي بصيص من الأمل في أن نجد قوة أخرى موازية ومقابلة تحد من شراهة النظام الفارسي في طهران وشهوته التي لاتقاوم للإحتلال والهيمنة والسيطرة على دول المنطقة.

ما نخشاه فعلا، أن يكون الأوان قد فات على أي إحتواء أو تحسب، وأن الموضوع أصبح مسألة وقت لا غير، وإننا سنجد نفسنا يوما ، قريبا وليس بعيدا، والعلم الإيراني يرفرف في أكثر من مدينة وعاصمة عربية وإسلامية، ونرى وضعا جديدا للعرب والمسلمين، تسيطر عليه العادات والتقاليد والسمات الفارسية الايرانية، وربما لن نسمع الأذان كما تعودناه، ولن نرى الصلاة كما عرفناها، وربما لن يكون هناك كتاب أو جريدة تكتب أو إذاعة وتلفزيون ينطق باللغة العربية، وسنجد العالم العربي والإسلامي قد أصبح عالما إيرانيا فارسيا أعجميا!

أخيرا ، لا بد لي من القول، وحالنا، وما وصلنا إليه: هل العيب فينا، أم في زماننا؟، وكلامي موجه لكل العرب والمسلمين، وبالأخص قياداتهم.

 

comments powered by Disqus
خدمة RSS LinkedIn يوتيوب جوجل + فيسبوك تويتر Instagram

عدد الزوار :116,393,749

تطبيق الموبايل

-->

آخر الزيارات

مساحة اعلانية

الأكثر قراءة

الأكتر مشاهدة

تابعنا على "فيس بوك"