ما لصدام... وما علينا

عبدالواحد الجصاني

أولا: هذه خواطر في الذكرى العاشرة لإسشهاد صدام، أبدأها بإستدراكات ثلاث: الأول هو الإعتذار لإستخدام اسم صدام من غير صفات وألقاب، لإن كلمة صدام لوحدها تجمع كل فضائل الصفات والألقاب.

والثاني هو أن ظاهرة صدام لا يمكن سبر أغوارها من دون ربطها بتاريخ وحضارة العراق والأمة العربية والاسلاميّة، فالرجل نتاج عبقرية أمّة، ولو لم يكن كذلك لما كان كذلك.

والثالث هو أن ذكرى الإستشهاد هي مناسبة لإستلهام الدروس واستكشاف الفرص لمواصلة الثورة العالمية التي قادها صدام لازالة نظام القطب الواحد الدولي القائم على الهيمنة الرأسمالية - الصهيونية وإستعباد الشعوب، وإحلال نظام دولي جديد بدله يتسم بالعدل والمساواة في الحقوق بين الشعوب والتنمية للجميع.

 

في الذكرى العاشرة لإستشهاد صدام، مطلوب احصاء منجزات الأشهر الإثني عشر الماضية، وأين هي بصمات صدام في حركتنا وفي مسيرة العلاقات الدولية خلال السنة. الوقائع تقول إن الثورة التي اطلقها صدام تحقق كل يوم انجازات جديدة وتتصاعد منجزاتها.

 ثانيا: في الولايات المتحدة، كانت الانتخابات الأميركية الأخيرة هي النموذج الأكثر إنحطاطا للديمقراطية الغربية، تنافس فيها مرشحان يمثلان القلّة المهيمنة، وإنتخب ترمب العنصري الفاسد المشبّع بعداء الاسلام، وكتب جون كاسيدي (John Cassidy) في صحيفة نيويوركر عدد يوم 21/12/2016 عن هذا الفوز قائلا (لولا غزو العراق وخيبة الأمل من المؤسسة السياسية نتيجة هذا الغزو وتبعاته لكان من الصعب حصول ديماغوجي مثل ترمب على قبول في نظامنا السياسي الوطني). وأصبح واضحا ان أميركا اليوم هي في اضعف وضع لها خلال المائة سنة الماضية. وقال وزير الخارجية الالماني السابق (يوشكا فيشر) في مقال له بعنوان (وداعا للغرب) الآتي: (بعد انتخاب ترمب رئيسا للولايات المتحدة أصبحت مؤكدة نهاية ما كان يسمى حتى اليوم ب "الغرب"، واصبح مستقبل العالم الغربي على المحك، وإن الولايات المتحدة تتحرك نحو القومية الإنعزالية).

ثالثا: يقرّ عدد متزايد من المفكرين والمحللين الأميركان اليوم بأن الإنحدار الفكري والسياسي والأخلاقي الأميركي، وتدهور العلاقات الدولية ناجم عن سوء ادارة أميركا للشؤون الدولية بعد تربّعها على عرش العالم إثر انهيار الاتحاد السوفيتي والمعسكر الشرقي، ويعزون هذا التدهور على وجه الخصوص الى سياستها إزاء العراق وصدام منذ عام 1990: حصار لا انساني وعدوان عسكري متواصل لثلاث عشرة سنة إنتهى بأكثر الاعمال خسّة في التاريخ الحديث، وهو احتلال العراق بمبررات ملفقة، لتلقى أميركا أكبر هزيمة عسكرية وسياسية في تاريخها على يد المقاومة العراقية. في هذا العام (2016) نشرت كتب وابحاث كثيرة في الولايات المتحدة تكشف المزيد من الحقائق عن دور (حرب العراق) في أزمات أميركا اليوم، وادناه نموذجان:

1- صدر في آذار من هذا العام كتاب (تجربة المرآة- The Mirror Test) لمؤلفه الدبلوماسي الأميركي (كايل ويستون- Kael Weston) الذي عمل مساعدا للسفير الأميركي جون نيغروبونتي خلال السنين الأولى لإحتلال العراق، كما عمل مستشارا سياسيا للجنرال ساتلر قائد القوات الأميركية خلال الحملة الأميركية الاولى على الفلوجة عام 2014. وكان عنوان الكتاب يحمل رمزيّة مهمّه، فهو يتحدث عن الجنود الأميركان الذين تعرضوا الى تشوهات وحروق في الوجه نتيجة هجمات المقاومة العراقية، وكيف منع عنهم النظر في المرآة خلال العلاج خوفا من الصدمة، وكيف جرى تأهيلهم نفسيا لرؤية وجوههم بعد التشوهات والترقيعات، ويقول إن أميركا هي أيضا بحاجة الى ان تنظر اليوم الى المرآة لرؤية ما أحدثه فيها غزو العراق وافغانستان من تشوهات. وتحدث الكتاب عن معركة الفلوجة الاولى بالتفصيل، وكان حديثه منصفا يجعل كل إنسان شريف في العالم يفخر أيما فخر ببطولة هذه المدينة وتصديها للغزاة، وهذا الكتاب هو وسام جديد في صدر الفلوجة، أعظم مدينة مقاومة في تاريخ العالم المعاصر. كما كشف الكتاب أن هناك أربعمائة الف جندي أميركي، اكرر الرقم: أربعمائة الف جندي أميركي، يعانون حاليا من آثار الصدمة الجسدية او النفسية أو كلاهما من الذين شاركوا في حرب العراق وأفغانستان، والعدد في إزدياد.

2- سيصدر بعد ايام كتاب عنوانه (استجواب الرئيس- Debriefing the President) مؤلفه جون نيكسون (John Nixon) مسؤول المخابرات الأميركية الذي عهدت اليه مهمة استجواب الرئيس صدام حسين بعد أسره، ونشرت مقتطفات من الكتاب اهمها أن لقاءه مع الأسير صدام حسين كشف له أنه انسانا آخر غير الذي تصوره، وأن اغلب معلوماته عن صدام كانت خاطئة، وقال إن صدام تنبأ بفشل أميركا وأكّد له في عام 2003 قائلا "ستفشلون ولن تستطيعوا حكم العراق" وانتقد الكاتب المخابرات الأميركية وطريقة عملها وقال انها مرتعا للذين يكتفون بقول (نعم) للبيت الابيض وينقلون له ما يود سماعه فقط، وإن تقارير الوكالة كانت مادة للتلاعب والتسييس والدليل هو تقاريرها عن اسلحة الدمار الشامل العراقية. وقال (رغم اني ارى صدام شخصا غير محبوب بشكل عام، إلا انني إحترمت الطريقة التي استطاع بها الاحتفاظ بالعراق كدولة متماسكة متعددة الاعراق). وعن مشهد اعدام الشهيد صدام قال "لقد صدمني أن صدام كان اكثر هيبة من جميع من كان في غرفة الإعدام" وتساءل بغضب "هل ارسلنا شبابنا ليموتوا من أجل هذا المشهد؟ هل هذا هو العراق الجديد الذي وعد به الرئيس بوش؟".

 رابعا: على المستوى الاوروبي، أهم حدثين هذا العام هما نشر تقرير لجنة التحقيق البريطانية (تشيلكوت) وخروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي. تقرير تشيلكوت كشف كذب بلير وتلفيقه الوثائق بشأن اسلحة الدمار الشامل العراقية المزعومة، وإستغفاله البرلمان لأخذ موافقته على غزو العراق. والتقرير يحمّل بلير ضمنا كل تبعات هذا الغزو غير الشرعي، ولو كانت ولاية لجنة تشيلكوت قضائية لأحالت توني بلير ورهطه الى المحاكمة عن جرائم الحرب التي ارتكبها ضد العراق وضد الإنسانية. أمّا خروج بريطانيا من الإتحاد الأوروبي، فقد عمّق ازمات بريطانيا السياسية والإقتصادية والأخلاقية وزعزع أركان الآتحاد الاوروبي وأنعش نزعة الانفصال لدى اسكتلندا وويلز وايرلندا الشمالية، بل اعتبره ستيفن والت استاذ العلاقات الدولية في جامعة هارفرد نذيرا بإن (النظام العالمي الليبرالي بدأ يتهاوى) [أنظر مقال ستيفن والت في مجلة "فورين بولسي" عدد 26 حزيران 2016].

خامسا: أمّا على مستوى العلاقات الدولية، فهي تشهد مزيدا من التوترات والصراعات التي تنذر بانهيار على النظام الدولي القائم والمؤسسات التي يقوم عليها. الروس يعبثون بأمن الشبكة العنكبوتية الأميركية ويتلاعبون بنتائج الانتخابات الأميركية، وأميركا تهدد بردّ قاسٍ، والصين تقرر من طرف واحد، أن بحر الصين الجنوبي كلّه مياها اقليمية صينية، وكوريا الشمالية تواصل تسلحها النووي مع برنامج للصواريخ عابرة القارات، ودول اوروبا الغربية مشغولة بمشكلة اللاجئين والإرهاب، وما ينتج عنها من صراعات داخلية ونمو اليمين المتطرف.

سادسا: وبشأن التطورات في الوطن العربي خلال عام 2016، يرى البعض أن الوضع العربي يشهد تراجعا، وأن ثورات الربيع العربي إنقلبت الى كوارث وصراعات محليّة وحروب اهلية ودول فاشلة الخ..، لكن هذا التقييم مبتسر وتشاؤمي، فإنتفاضة الجماهير العربية في تونس ومصر وسوريا واليمن وليبيا كانت حركة اصيلة تهدف الى الحرية والكرامة، وكانت ثورة على حكم النخبة، وأنها كانت بداية لتغييرات واسعة في هيكل المجتمعات العربية، ولكن ككل الثورات الكبرى في التاريخ فإن مرحلة ما بعد تغيير الهياكل القديمة تترافق عادة بصراعات على وراثة النظام وردّات دموية ونزعات سلطوية من بعض الثوار، وهذا الأمر يتفاقم اكثر بوجود تدخلات اجنبية فاضحة، كما يحصل في وطننا العربي حاليا، ولذلك تأخذ فترة المخاض وقتا أطول وتكون خسائرها أكبر، لكنها تصل في النهاية الى اهدافها مهما طال الزمن. وأستشهد هنا بدراسة للمفكر الألماني الدكتور يورغن تودنهوفر عنوانها "لماذا تأخرت الثورات العربية 222 عاما عن الثورة الفرنسية" نشرها موقع البصرة في شباط 2012 قال فيها "إحتاجت فرنسا 80 عاما بعد الثورة الفرنسية لتصبح ديمقراطية حقيقية، واحتاجت ألمانيا 130 عاما"، وأضاف "حتى لو إحتاج التغيير في العالم العربي الى عقود أو أكثر، كما حصل في أوروبا، فإن زمن الملوك والسلاطين والحكام غير المنتخبين والحكام الذين يعينون أنفسهم وصل إلى نهاية مؤكدة ولم يعد لهم مكان على المسرح السياسي الدولي".

سابعا: أما بالنسبة لإيران التي استثمرت الفراغ السياسي الناتج عن الغزو الأميركي للعراق وثورات الربيع العربي لتؤسس لها وجودا سياسيا وإقتصاديا وعسكريا وإعلاميا في كثير من اقطار امتنا العربية، فإن العام 2016 شهد تراجعا كبيرا لهذا الوجود يقابله صعود كبير للصدّامية العربية. ولا بد من القول هنا ان المشروع الايراني للهيمنة على اجزاء من الوطن العربي لا قدرة له على الديمومة مطلقا، فهو عقائديا فاشل لإنه مبني على الطائفية، والوطنية والقومية واخوة الدين لدى العرب تتفوق على الطائفية، ولإنه مبني على الهيمنة، والعرب مجبولون على رفضها، وراينا كيف ان عرب جنوب العراق يرفضون، كبقية العراقيين، الوجود الإيراني. وحتّى ابناء الأمّة الذين تأثروا بحملة الشيطنة الغربية على صدام بدأوا يعيدون اكتشاف صدام، بمعنى انهم يعتبرون صدام القائد الملهم والبطل الجدير بالإقتداء ويرفعون صوره ويتداولون مقاطع من خطبه، وحتى بعض دول الخليج العربي التي كانت تتحفظ على ظهور صور صدام في المحلات العامة فإن لم تعد تستطع أن تواصل الوقوف بوجه (الصدّامية) الجديدة في الخليج العربي.

 ثامنا: أوّل أمانة لصدام في أعناقنا أن نكون أوفياء على رسالة الأمة ونزوعها نحو العدل الحرية ورفض الظلم والثورة عليه.

صدام لم يتقيد بمعايير السياسة الدولية التي انتجها الغرب والصهيونية وحاولا تسويقها لنا من أجل ان نتعايش مع هيمنتهم ونقبل ببغيهم. صدام رأى أن مواجهة الظلم هي وحدها الكفيلة بتصعيد التناقضات وإطلاق طاقات الشعوب لهزيمة المتجبرين. معركة الإنسانية اليوم لا تقبل التنازلات وأنصاف الحلول. لو لم يتحدى صدام نظام القطب الواحد الدولي لفسدت الأرض.

تاسعا: تداخلت في عصرنا الحاضر الاهداف الوطنية بالقومية والانسانية، ولا يمكن اصلاح الجزء إذا لم نصلح الكل، ولذلك علينا ان نعطي للبعد لإقليمي والعالمي لحركتا الكفاحية حيزا أكبر، ونتواصل مع بقية شعوب الارض نحو خلق نظام دولي جديد يليق بإنسانية الإنسان ووحدة الهدف والمصير. ليس صداميا من يلجأ إلى القدريّة الإتكالية أو الحزبية الضيقة أوالإنغماس في التناقضات الثانوية، ولنجعل من بطولة صدام ورسالته مثالا لنا في التحدي والإقتحام لخدمة الإنسانية جمعاء.

والله المستعان

 

نشر المقال هنا

comments powered by Disqus
خدمة RSS LinkedIn يوتيوب جوجل + فيسبوك تويتر Instagram

عدد الزوار :116,447,100

تطبيق الموبايل

-->

آخر الزيارات

مساحة اعلانية

الأكثر قراءة

الأكتر مشاهدة

تابعنا على "فيس بوك"