التقدير العبيط لوزارة التخـطيط!‏

علي الكاش

التخطيط بإبسط معانيه هو الإعداد المسبق لأي هدف يسعى فيه المجتمع أو الفرد لتحقيقه بما يتفق ‏والنتائج المتوخاة منه، بل هو أساس إدارة الدولة الحديثة، لذلك استحدث دراسات مهمة تركز على ‏التخطيط سيما الإستراتيجي، اي التخطيط طويل الأمد، وقسمت الخطط بموجبه الى طويلة الأمد ‏تغطي (25) سنة، ومتوسطة الأمد (5) سنوات، وقصيرة الأمد (سنة واحدة). الغرص من ذلك هو ‏معالجة الخلل والتغييرات التي تطرأ على العملية التنموية بفعل العوامل الطبيعية او البشرية، ‏والمؤثرات الداخلية منها أو الخارجية على الخطة.‏

 

يعتبر التخطيط التنموي الركيزة الأساس لتطور الأمم، وهو علاوة على ما يتضمنه من نجاح ‏للخطط التنموية وحساب الكلفة التقديرية للمؤسسات الحكومية وغير الحكومية بشكل إقتصادي ‏يضمن عدم الهدر، وتجنب وقوع الأخطاء أو الفشل المحسوب او المفاجيء عند التنفيذ، فإنه ‏يضمن أيضا تقليص النفقات والجهد والوقت، وحساب المؤثرات الداخلية والخارجية مع إستقطاب ‏المزايا وإستبعاد العيوب ولو بالحد الأدنى. ومن أهم مزايا التخطيط الحكومي انه يساعد الحكومة ‏على حساب المتغييرات التي تطرأ على القطاعات عموما، بحيث لا تتفاجأ المؤسسات من ‏مخاطرها، علاوة على إنجاح عملية الترابط العضوي بين مختلف القطاعات من خلال معرفة ‏الإمكانات الإقتصادية الموجودة داخل البلد والموارد التي يمكن الإستفادة منها لتحقيق التنمية ‏كحجم الأيدي العاملة، والثروات الطبيعية، والموارد المالية، وتوزيعها بشكل يضمن تحقيق ‏التنمية، ويخدم الموازنة السنوية المالية بأقل حد ممكن من التصدعات. عادة يمر التخطيط ‏الاستراتيجي بأربع مراحل، وهي الإعداد، الدراسة والتحليل، التنفيذ، وأخيرا الرقابة. وهذا ما لا ‏تعمل به وزارة التخطيط العراقية، وهو يفسر فشل خطتها الخمسية للسنوات (2010-2014)، ‏التي تهدف إلى تقليل الفوارق بين مناطق الحضر والريف، وزيادة الناتج المحلي.‏

الذي يهمنا من هذا الموضوع هو التعداد السكاني العام بإعتبار الموارد البشرية هي الأساس في ‏رسم وتنفيذ الخطط الإقتصادية مما يتطلب بيانات واقعية وخصائصية عن جميع مواطني الدولة ‏من الناحية العمرية والديموغرافية والاجتماعية والاقتصادية والتعليمية والصحية والخدمية من ثم ‏تقييم الوضع السكاني العام داخل وخارج الدولة (المواطنون المغتربون بغض النظر عن الأسباب) ‏وتوجيه الموارد اللازمة لتلبية الإحتياجات على مستوى الوحدات الإدارية. وهناك ثلاثة طرق ‏لإجراء التعداد السكاني، اولهما الطريقة التقليديىة والتي تتم كل عشر سنوات، من خلال مسح ‏السكان عبر توزيع إستمارات إستبيان على جميع أفراد الشعب تتضمن مجموعة من البيانات ‏المطلوبة، وبعد املائها من قبل المواطنين يتم تصنيفها وتقسيمها حسب السجلات وفقا ‏لموضوعاتها مثل سجل السكان والحالة المدنية، سجل العقارات وغيرها. والطريقة الثانية هي ‏تقنيات المعاينة بإعتبارها أقل كلفة وجهد من الطريقة السابقة وتعتمد على التقنيات العلمية في ‏إحصاء السكان وتجديد المعلومات ضمن فترات قليلة. والطريقة الثالثة هي طريقة العينات، وهي ‏تتعلق بالمدن والقرى الصغيرة التي لا يتجاوز تعدادها (10000) مواطن، ويجري الإحصاء كل ‏خمس سنوات، حيت يتم اختيار عينة من السكان خلال شهر معين من السنة ويبنى على أساسه ‏الإحصاء القادم. وهناك طرق تقديرية منها السلسلة الزمنية التي سنتحدث عنها لاحقا.‏

قبل الغزو الامريكي الايراني للعراق، كات التعداد السكاني قريبا جدا من الواقع بسبب إعتماد ‏البطاقة التموينية التي توزع مفرداتها على كل افراد الشعب، ولم يتجاوز عدد السكان (20) مليون ‏عراقي في داخل البلد وما يقارب (1) مليون في الخارج، وكان من المفترض أن تتم عملية إجراء ‏الإحصاء السكاني لرسم إستراتيجية البلد التنموية، لكن الأحزاب الشيعية حصرا كانت ترفض ‏إجراء هذه العملية لسبب واحد فقط هو ان صورة ما يسمى الاكثرية الشيعية سوف تظهر بشكلها ‏الحقيقي وليس الوصفي، والإحصاء السكاني سيثبت الواقع الديني والمذهبي في العراق، لذلك ركز ‏شيعة السلطة على الهيمنة على وزارة الداخلية والتخطيط في بداية الغزو، وعلى ودوائر الجنسية ‏لغرض إجراء تغيير ديمغرافي في العراق قبل إجراء اي عملية إحصاء سكاني، ليتم ترتيب أوراق ‏الأكثرية الشيعية بشكل مضبوط، وتم إستقطاب اكثر من مليون ايراني في جنوب ووسط العراق ‏من التبعية الإيرانية والفرس واستطونوا العراق بعد أن منحوا الجنسية العراقية، وتم شراء ‏العقارات بالمناطق ذات الإغلبية من أهل السنة سيما في ديالى وصلاح الدين لتوطين الفرس ‏واصحاب التبعية الإيرانية، من جهة أخرى تم تهجير الملايين من أهل السنة داخل وخارج ‏العراق، وانتهى الأمر بإستحداث الدواعش لإكمال مسلسل تدمير وتهجير مناطق أهل السنة لتثبت ‏ما يسمى بالأكثرية الشيعية، ونفس الأمر مارسته الأحزاب الكردية في شمال العراق فقد فتحوا ‏الحدود أمام الأكراد من سوريا وتركيا وايران ليستوطنوا اقليم كردستان، في الوقت الذي وضعوا ‏قيودا صارمة على العراقيين العرب لدخول الإقليم. ‏

بعد مرور ثلاثة عشر عاما على الغزو إستخدمت وزارة التخطيط العراقية طريقة السلاسل الزمنية ‏للتعرف على حجم السكان في العراق، وكانت الوزارة بوزيرها ومؤسساتها عاطلة عن العمل ‏خلال السنوات الماضية، لأن طريقة السلاسل الزمنية لا تحتاج الى وزارة أصلا! يمكن لأي فرد ‏ان يقوم بها خلال ساعات وهو جالس أمام حاسوبه في بيته، فيضيف نسبة محددة إختياريا أو ‏عشوائيا على عدد السكان في السلسلة الزمنية السابقة ويحصل على العدد السكاني في السنة التي ‏يختارها. او ان تقوم مجموعة مختارة من الإحصائيين بإختيار عينة عشوائية من السكان للتعرف ‏على الزيادة التي حصلت عليها خلال سنوات محددة كالولادات والوفيات وحالات الزواج والطلاق ‏وغيرها، وهكذا تبنى على هذه المعلومات حجم السكان، وهذه طريقة تقديرية بعيدة عن الواقع ‏الفعلي، تعمل بها بعض الدول وفق سياقات محددة أهمها الإتجاه العام، والتغييرات الموسمية، ‏والتغييرات الدورية، واخيرا التغيرات العشوائية، بل أن هذه المتغيرات نفسها عرضة للتأثر ‏بالعوامل الاقتصادية والسياسية والاجتماعية والبيئية، لكنها في كل الأحوال لا تصلح للعراق كما ‏سنبين لاحقا.‏

عندما يكون التخطيط عشوائي وغير دقيق فكل الخطط السياسية والاقتصادية والاجتماعية ‏والخدمية والثقافية تكون مشوشة وبعيدة عن الصواب، حتى الإنتخابات البرلمانية وعمليات ‏الإستفتاء تكون باطلة ولا تعكس الوضع الحقيقي للسكان، مثلا عدد النواب في البرلمان الذي بني ‏على إحصاء وهمي.‏

لو كانت الدولة العراقية مستقرة أمنيا وسياسيا واقتصاديا لأمكن قبول طريقة السلاسل الزمنية ‏وليس الرضى عنها لأنها غير دقيقة، لكن في دولة مضطربة كالعراق لا يمكن أن تصح البتة. ‏كانت الفرية الأولة عندما صرح الوزير الشيعي الطائفي (علي شكري) عام 2014 بأن نفوس ‏العراق بلغت (35) مليونا منوها بأن (9) محافظات عراقية هي شيعية 100%، وأن نسبة الشيعة ‏في بغداد حوالي 70% وفي صلاح الدين 47% والموصل 27%. علما انه لا توجد إحصائية فيها ‏حقل للمذهب في جميع الإحصائيات السابقة حتى لو إفترضنا انه بنى أحلامه الطائفية بموجب ‏طريقة السلاسل الزمنية. ولكن لو إفترضنا جدلا ان هذه النسب حقيقية، فلماذا يخشى شيعة السلطة ‏إجراء التعداد السكاني؟ وهل بناء دولة المواطنة يكون على التوزيع الديني والأثني والعنصري؟ ‏ثم لماذا اضيف الأكراد الفيلية على المكون الشيعي، وفصل الكرد السنة عن الطائفة؟ ولماذا ‏يحارب شيعة العراق الى جانب الرئيس العلوي بشار الأسد في حين ان العلويين لا يزيدون عن ‏‏12% من السوريين؟

لنترك هذا جانبا وننقاش التصريح الأخير لوزارة التخطيط، حيث أشارت  بأن عدد سكان العراق ‏سيصل نهاية هذا العام  2016 الى (38) ‏‎ ‎مليون نسمة، أي بزيادة سنوية مقدارها مليون عراقي!‏

المسألة المهمة: كيف؟ وما هي مصادر الزيادة السكانية إذا وضعنا المستوطنين الفرس وغيرهم ‏جانبا، بإعتبارهم المبرر الوحيد لهذه  الزيادة السكانية. يفترض ان تكون الزيادة السكانية ناجمة ‏عن زيادة الولادات عن الوفيات بمليون ولادة صافية. لكن العراق يفقد شهريا حوالي (2000) ‏عراقي بسبب العمليات الإرهابية غالبيتهم من الشباب، فقد كتب مستشار حيدر العبادي لشؤون ‏‏(المصالحة الوطنية) المزعومة، هشام الهاشمي، في صفحته بموقع التواصل الاجتماعي، فيسبوك ‏ما يأتي: أن عدد خسائر القوات المشتركة العراقية قريب ٣٥-٤٠الف شهيدا و٢٥ آلف جريحا و٣ ‏الآف مجهول المصير و١٢٥ آلف هاربا وفضائيا... وعديد شهداء البيشمركة قريب 3 آلاف شهيدا ‏و٧٥٠٠ جريحا و٢٠٠-٢٥٠ مجهول المصير، وعديد شهدا الصحوات وأبناء العشائر قريب ٣ ‏الف شهيدا وقريب ٥٠٠ مجهول المصير، وهذا قبل ولادة داعش، فما بالك ببقية الخسائر في ‏القوات المسلحة وعناصر الميليشيات العراقية في العراق والعناصر التي تقاتل في سوريا؟ ويقدر ‏عدد النازحين بحوالي (4) مليون عراقي داخل وخارج العراق. ونسبة البطالة التي تعني العزوف ‏عن الزواج 35 % ومستوى خط الفقر 30% . حسبما صرح المتحدث باسم وزارة التخطيط عبد ‏الزهرة الهنداوي إن‎ "‎التقديرات تشير الى أن نسبة الفقر بالعراق قد ارتفعت الى 30% في ‏‏2016، مع ان والوزارة غير دقيقة في بياناتها وتحابي الحكومة على حساب الحقيقة ‏والمصداقية.كما أن عدد الأرامل حسب تصريح السيدة هدى العبودي في 7/1/2017  إن "منظمة ‏اليونسيف‎ ‎أبلغتنا أن عدد النساء المطلقات والارامل في بغداد فقط وصل إلى 5 ملايين‎ ‎امرأة ‏مطلقة وارملة"، مضيفة أن "أسباب الطلاق هي الاوضاع الاقتصادية التي‎ ‎يشهدها البلد وعدم ‏توفير العمل والعيش الملائم للعاطلين عن العمل". وأضافت‎ ‎أن " التفجيرات التي تشهدها بغداد ‏وتردي الوضع الأمني وراء ارتفاع نسب‎ ‎النساء من الارامل".‏

اعلنت السلطة القضائية العراقية في 5/12/2016 عن احصائية كاملة لحالات الطلاق منذ عام ‏‏2004، فيما اشارت الى ان‎ ‎اكثر حالات الطلاق حدثت في عام 2011. وسجل العراق من 2004 ‏لغاية نهاية شهر‎ ‎تشرين الاول من العام الحالي 681,011 حالة. واعلى الزيادات السنوية حصلت ‏بين‎ ‎عامي 2008 و 2009، باكثر من 8,500 حالة، واقلها بين عامي 2014 والعام‎ ‎السابق بـ ‏‏23 طلاقاً فقط.وفي 2011 سجّلت البلاد اعلى الحالات بأكثر من‎ 59.500 ‎حالة، ومن ثم هبطت ‏للسنوات الثلاث التي تلت ذلك العام، قبل أن ترتفع‎ ‎بـ23 حالة خلال العام الماضي، مع توقعات ‏بأن يستمر التزايد في الطلاقات مع‎ ‎نهاية 2016‏‎.‎‏ كشفت منظمة ابن العراق، والتي تعنى بالشؤون ‏الانسانية، عن ان الإحصائيات التي‎ ‎أجرتها بالتعاون مع منظمة التنمية الدولية في العراق ومكتب ‏الأمم المتحدة، تشير‎ ‎إلى وجود نحو مليونين ومئتي ألف يتيم في عموم مناطق البلاد. علاوة على ‏ان العراق وفق دراسة حديثة نشرها معهد جالوب لقياس الرأي العام، بأنه الأتعس من بين كل ‏دول العالم. وجاءت إيران في المرتبة الثانية. وذكر معهد الاقتصاد والسلام لمؤشر الإرهاب ‏العالمي، أن العراق‎ ‎يتصدر الآن المركز الأول تليه كلٌّ من أفغانستان وباكستان ونيجيريا وسورية‎ ‎والهند والصومال واليمن في ارتفاع عدد‎ ‎قتلى العمليات الإرهابية في العالم من عام 2012 إلى ‏‏2013 بنسبة 61 % ليصل إلى 18 ألف شخص، وهو ما اعتبره المؤشر رقماً قياسياً، وهذا قبل ‏ولادة داعش أيضا.‏

حسنا! بعد كل هذه الخسائر الجسيمة والعزوف عن الزواج والفقر والجوع والمرض والبطالة ‏والهجرة الداخلية والخارجية والقتلى نتيجة العمليات الحربية، وضحايا الإرهاب اليومي، ناهيك ‏عن الإفتقار الى الأدوية والتلوث البيئي وكثرة الإصابات بمرض السرطان والتشوهات بالولادات ‏الحديثة والوفاة الطبيعية او نتيجة الحوادث وكثرة حالات الطلاق وملايين الأرامل، من أين تأتي ‏الزيادة السنوية المليونية؟ علما انه حتى او افترضنا ان الزيادة فعلا مليون كل سنة، فيفترض ان ‏يكون عدد السكان عام 2016 (33) مليون، وليس (38) مليون على اعتبار انه عام 2003 كان ‏عدد نفوس العراق (20) مليون نسمة.‏

لا نقول قليلا من المصداقية يا وزارة التخ..طيط فكل الوزارات فاسدة وكاذبة مثلكم، ولكن نقول ‏قليلا من الخجل، ولا تجعلوا من أنفسكم إضحوكة أمام العالم، وليس الشعب العراقي الذي لا ‏تحترمونه.‏

comments powered by Disqus
خدمة RSS LinkedIn يوتيوب جوجل + فيسبوك تويتر Instagram

عدد الزوار :116,626,433

تطبيق الموبايل

-->

آخر الزيارات

مساحة اعلانية

الأكثر قراءة

الأكتر مشاهدة

تابعنا على "فيس بوك"