الأبعاد الحقيقية لانفتاح #أنقرة على #بغداد!‏

جاسم الشمري

الزيارة (التاريخية) التي قام بها رئيس الوزراء التركي بن علي يلدرم لبغداد قبل يومين، ‏ولقاءه بالرئاسات الثلاث جاءت بعد مرحلة شهدت فيها العلاقات بين البلدين تأزماً ‏واضحاً بسبب اعتراض بغداد على القوات التركية المتواجدة في بعشيقة شمال البلاد، ‏والتي تقول تركيا إنها دخلت بطلب عراقي، فيما تنكرت بغداد من كل هذه الاتفاقيات.‏

 

تركيا سبق وأن طالبت- وعلى لسان رئيسها رجب طيب اردوغان- من حيدر العبادي ‏رئيس حكومة بغداد بأن "يعرف حدوده"، وتوالت بعدها التصريحات النارية بين ‏الطرفين حتى بلغت أن هدد أوس الخفاجي (زعيم كتائب أبو الفضل العباسي بمليشيات ‏الحشد الشعبي) بأن" المصالح التركية والأتراك العاملين بالعراق أصبحوا في خطر".‏

في ظل هذه الأجواء المتوترة جاءت زيارة رئيس الوزراء التركي يلدرم لبغداد، والتي ‏تمثل خطوة تركية دبلوماسية ذكية من حيث الغايات والتوقيت.‏

البيان المشترك الصادر في ختام المباحثات الرسمية بين العراق وتركيا شدد على جملة ‏نقاط جوهرية أهمها "تأكيد الطرفان تبنيهما تحقيق الأمن والاستقرار المتبادل ‏ومكافحة الإرهاب سوية في إطار احترام سيادة ووحدة الأراضي، وأن يبدأ الجانب ‏التركي بخطوات سحب قواته من بعشيقة، وأكد الجانب التركي التزامه بوحدة العراق ‏واحترام سيادته، وعدم السماح بتواجد أي منظمات إرهابية على أراضيهما وعدم القيام ‏بأي نشاط يهدد الأمن القومي لكلا البلدين".‏

وبهذا نجد أن القراءة الدقيقة للبيان المشترك للمباحثات الرسمية يمكن معها الجزم بأن ‏الزيارة في مجملها تُعد صفقة دبلوماسية مميزة للجانب التركي، وغالبية الاتفاق يصب ‏في مصلحة الجانب التركي.‏

ومن بين أهم فقرات الاتفاق "عدم السماح بتواجد أي منظمات إرهابية على أراضيهما ‏وعدم القيام بأي نشاط يهدد الأمن القومي لكلا البلدين". وهذه الفقرة بالأخص تُعد ‏ضربة كبيرة وقاسية لحزب العمال الكردستاني، إذ لم يعد بإمكان الحزب– إن تم ‏تنفيذ الاتفاق- استخدام الأراضي لشن هجمات على تركيا عبر الأراضي العراقية.‏

وعلى الرغم من أن حكومة بغداد، والتحالف الوطني الحاكم ينظران للزيارة على أنها ‏انتصار للدبلوماسية العراقية، وفرصة لإثبات قدرتهما على الحفاظ على "السيادة ‏العراقية" عبر إنهاء التواجد التركي في بعشيقة، إلا أن الأتراك نجحوا في جعل ملف ‏تواجدهم في بعشيقة ورقة ضغط لبيان مدى قدرة بغداد ومصداقيتها في تحجيم إرهاب ‏حزب العمال الكردستاني المتواجد على الأرض العراقية.‏

يلدرم أكد في المؤتمر الصحفي مع العبادي أن "تركيا ستسحب قواتها من بعشيقة بعد ‏أن تستتب الأوضاع هناك، وتصريحكم بعدم السماح لحزب العمال الكردستاني بإلحاق ‏الضرر بتركيا من الأراضي العراقية غاية في الأهمية، وأن قوات البشمركة والقوات ‏العراقية ستتخذان الإجراءات اللازمة لطرد الإرهابيين من مدينة سنجار، وأن التعاون ‏سيتواصل للقضاء على التهديدات القادمة من الأراضي العراقية باتجاه تركيا".‏

ونلاحظ أن يلدرم لم يؤكد انسحاب القوات التركية من بعشيقة، وإنما صرح بأنه سيتم ‏سحبها "بعد استتباب الأوضاع في بعشيقة"، وهذا يعني أن الأتراك ينتظرون خطوات ‏عملية من بغداد لتقزيم حزب العمال من أجل تنفيذ انسحابهم من بعشيقة!‏

ولهذا قال رئيس الوزراء التركي إن "منظمة الـPKK‏ منظمة إرهابية ‏وتواجدها في منطقة سنجار يمثل أكبر تهديد للأراضي التركية، ومن الضروري ‏إزالته"، وحكومتنا مستعدة للتعاون لإنهاء ذلك الخطر".‏

إرهاب حزب العمال الكردستاني ضرب العديد من المدن التركية ومن حق القيادة ‏التركية تحجيمه أينما كان، وأظن أن الأتراك ضربوا أكثر من عصفور بهذه الزيارة، ‏وأنهم رموا الكرة الآن في ملعب حكومة بغداد.‏

أعتقد أن الاتفاق سيحرج حكومة العبادي كثيراً لأنها لا تملك القدرات العسكرية ‏والاستخبارية الكافية لإنهاء تواجد ‏PKK‏ في شمالي العراق، إلا إذا تم الأمر عبر اتفاق ‏مع حكومة الإقليم، والتي لن تلعب أي دور إيجابي في هذا الملف ما لم تتفاوض مع ‏بغداد حول الملفات العالقة بينهما، وأهمها قضية حصة الإقليم المتوقفة من الميزانية ‏العراقية.‏

الزيارة في جميع الأحوال يمكن القول عنها إنها ضربة معلم من القيادة التركية، وذلك ‏لأنه لو نفذت بغداد الاتفاق فهذا يعني أن إرهاب الـ(‏PKK‏) سيتقلص، وسيفقد الحزب ‏حاضنة مهمة ربما تزيد مساحتها عن أكثر من 100كم2 داخل الأراضي العراقية، ‏وإن لم تنجح بغداد في تنفيذ الاتفاق – وهذا الأمر وارد بدرجة كبيرة- يمكن حينها أن ‏يكون لحكومة أنقرة حديث آخر، وربما ستسعى لضرب (‏PKK‏) داخل الأراضي ‏العراقية على اعتبار أن حكومة بغداد عاجزة عن ردعه، وفي ذات الوقت يهدد الحزب ‏الأمن الوطني التركي.‏

الاتفاق بين الطرفين تضمن العديد من الملفات الأمنية والاقتصادية، ولعل في هذا ‏الجانب بعض المصلحة المتبادلة بين الطرفين.‏

لا شك أن المصلحة العراقية أكبر في ضرورة إعادة المياه إلى مجاريها مع أنقرة لأن ‏بغداد اليوم تواجه مخاطر سياسية وأمنية جمة، والسؤال الذي يطرح هنا هو أين ‏حكومة طهران من هذا الاتفاق، وهل ستسمح طهران لبغداد أن تخرج عن إرادتها ‏والتي سبق أن أكدت أنها تأتمر بأوامرها، وأن تكون بغداد داخل المحور الروسي ‏التركي المتنامي في المنطقة؟!‏

زيارة يلدرم لم تقف عند العاصمة بغداد بل شملت إقليم كردستان وهذه رسالة ‏للحكومة المركزية، ولحزب العمال الكردستاني، بأن الأتراك يناورون على كافة ‏المحاور، وأنهم يمتلكون أوراق ضغط في العديد من الملفات. ‏

هذه الضربة الدبلوماسية- إن طُبقت- كافية لتأكيد الحرفية العالية والتخطيط الدقيق ‏لصناع القرار الأتراك من وراء هذه الزيارة، ودليل على قوة الدولة التركية على ‏الرغم من المخاطر التي تحيط بها.‏

comments powered by Disqus
خدمة RSS LinkedIn يوتيوب جوجل + فيسبوك تويتر Instagram

عدد الزوار :116,271,247

تطبيق الموبايل

-->

آخر الزيارات

مساحة اعلانية

الأكثر قراءة

الأكتر مشاهدة

تابعنا على "فيس بوك"